
أطّلعنا مؤخراً على ما نشر في الكثير من وسائل الإعلام حول بعض الإحصائيات المهتمّة بواقع الكتاب العربي و الإقبال عليه, و من ضمن الأرقام التي نشرت برز أحدها كتلخيص ربما للواقع الذي يعيشه النشر العربي: يستهلك المواطن العربي وسطياً ستة دقائق بالسنة فقط في المطالعة, و تستهلك الدول العربية مجتمعة عشر ما تستهلكه بلجيكا من الورق المخصص لطباعة الكتب. و قد أخذ الخبر غير المفاجئ حيّزاً جيداً من الدراسة و النقد و التحليل في كثيرٍ من المواقع الإلكترونية و المدوّنات السورية و غير السورية.
متابعةً لهذه القضية, نشر موقع إيلاف خبراً مقتضباً عن مؤتمر الناشرين العرب الأول (نعم, اجتمع الناشرون العرب لأول مرّة الأسبوع الماضي, و ربما في هذا الخبر نجد أحد أجوبة السؤال الكبير), و النتيجة المستخلصة من قبلي لدى قراءة بعض آراء الناشرين هي أن المؤتمر لم يجد نفعاً, فلم يطرح أي ناشرٍ (أو إن وجد لم ينقل الخبر وجهة نظره) فكرة تحمل أدنى أشكال النقد الذاتي بل أن كلّ ما خرج به المؤتمرون هو توجيه إصبع الاتهام و المسؤولية إلى الحكومات العربية و غياب دعمها و الجيل الحالي و قلّة اهتمامه. بالمحصلة.. يؤكد الناشرون أن هناك أزمة قارئ هي التي تنتج أزمة كتاب..
هل هذا صحيح؟
نتّجه عادةً في الكثير من شؤوننا الحياتية المختلفة إلى اختصار مسببات المشاكل و الصعوبات في سبب واحد, أو لنقل رئيسي, فقط, و هذا الاختصار هو خطأ لأنه لا يشجع على البحث بشمولية و لا يساهم بتشكيل وجهة نظر عمومية, و يحدث هذا بالنسبة لهذه المشكلة أيضاً, فالآراء التي وردت في خبر إيلاف لا تعكس الواقع برأيي و إنما تجزّؤه بما يلاءم من يتحدّث عن هذا الواقع.
أعتقد أن أسباب أزمة الكتاب العربي كثيرة و متفرعة و متشعبة, و أزمة الكتاب بحد ذاتها هي جزئية من أزمة شاملة هي أزمتنا كعرب في هذا الزمان, هناك أسباب اقتصادية و اجتماعية و سياسية و فكرية و إعلامية و إدارية تقف عائقاً أمام انتشار الكتاب العربي كوسيلة من وسائل النشر الثقافي (و هنا نجد أيضاً إشكالية اعتبار الكتاب هو مصدر النشر الثقافي الوحيد, فالسادة الناشرون مثلاً لا يرون في الانترنت منافساً, و هو فعلاً ليس منافساً بل رديف, و المشكلة أنهم لا يرونه رديفاً حتى, هذا عدا عن وسائل الإعلام التي اصطلح على ما يبدو أنها إعلامية ترفيهية فقط).
أدلى الناشر "المخضرم" السيّد محمد عدنان سالم برأيه و قال أن السبب الأساسي لعزوف الناس عن الكتاب هو الجيل الحالي, فالأجيال السابقة كانت تقبل على الكتاب بشكل أكثف بكثير من الأجيال الحالية.
مقارنة الأجيال التي طرحها السيّد سالم في رأيه قد تكون صحيحة إن نظرنا إليها من اتجاه واحد فقط, لكنها أقل من نصف حقيقة أو نصف واقع برأيي إن نظرنا إليها بشمولية. و سأشرح ما أقصد: الأجيال السابقة, أي آباؤنا الآن, كان لهم إطار زماني مع كلّ مكوناته الثقافية و الفكرية, شكلاً و مضموناً, يختلف عن الجيل الحالي تماماً, بل ربما يتعارض معه حتى.. و السؤال الذي كان يجب أن يجيب عليه الناشرون العرب بدل إلقاء اللوم على الجيل هو إن كان النشر العربي قد تطوّر و تغيّر مع تغيّر الأجيال و أزمنتها و معطياتها. شخصياً جوابي هو النفي القاطع.
ما زال الجو الثقافي العربي هو ذاته جو الستينات و السبعينات (و نكون محظوظين إن وجدنا أثراً للثمانينات), فالكتّاب الذين يهيمنون على الساحة الثقافية العربية بنتاجهم الشخصي المباشر أو غير المباشر (و بغير المباشر أعني الأسلوب) هم كتّاب تلك الحقبة التي ولّت إلى غير رجعة, الأحياء منهم و الأموات, و الجيل الحالي لا يجد نفسه في هذا النتاج الحالي فهو من واقع مختلف تماماً بمشكلاته و معضلاته و تساؤلاته الجمّة. لم تتطوّر الكتابة العربية بشكل عام خلال ثلاثين أو أربعين عاماً أبداً, و دليل على ذلك أن من نعتبرهم رموزاً للحداثة الأدبية العربية يزيد عمرهم الآن عن الستين أو السبعين عاماً, فمن جاء بعدهم كان أمام خيارين: إما أن يتقيّد بهذا الأسلوب الجامد ليكون عندها "مقبولاً" أدبياً و إلا فسيتم تجاهله لأنه "غير جاد". و كمثال على ذلك يمكننا الحديث عن الراحل محمد الماغوط, فالأقلية الشبابية المثقفة السورية ما زالت ترى في نتاجه أقرب ما يمكن أن تجده للواقعية العربية و السورية و الحداثة الأدبية و المرونة الكتابية. و محمد الماغوط توفّي منذ أكثر من ثلاثة أعوام عن سبعين عاماً من العمر, و هو كاتب و شاعر من حقبة الستينات و السبعينات, و كتلة نتاجه الشعبي شبابياً من كتب و مقالات و مسرحيات يعود أحدثها إلى نهاية الثمانينات.
من هم بمكانة الماغوط و أسلوبه كشكل و مضمون في ثقافات و دول أخرى يعتبرون الآن "كلاسيكيي القرن العشرين", لكن الماغوط عندنا ما زال "قمّة الحداثة"... لماذا؟ نستطيع أن نبرر ذلك بشكل ساخر بالقول بأن واقعنا "التعيس" لم يتغيّر منذ الستينات, لكن هذا غير صحيح البتة.
لننتقل من الكتب إلى الموسيقى و نشرح مثالاً موازياً: الموسيقى الشعرية أو موسيقى الالتزام التي شاعت في حقبة "النضال" منذ عقود لا سوق لها الآن لأنها ليست من اليوم, ليس لها شكل و نغمة و جاذبية شباب اليوم, و قد يقول بعض "المخضرمين" أن هذا يعود إلى أن الجيل الحالي هو جيل نانسي و هيفاء وهبي متناسين أنه كان لجيلهم أيضاً "نانسيات و هيفات", ربما بشكل آخر لكن المبدأ واحد. و اختصار الجيل الحالي بنانسي و هيفا هو تجنّي كبير جداً, فموسيقى الالتزام التي شاعت في السبعينات لا تنفع لليوم, لكن وجد لحسن الحظ من طوّرها و جعلها مواكبة للعصر و أذواقه مثل زياد الرحباني. زياد من حيث المبدأ يغنّي لنفس ما غنّى "الكبار" من نقد للواقع و التطلّع للحرية و البحث عن التقدّم للوطن, لكنه يغنّي بلغة العصر بنفس العمق الفكري السابق بل و ربما أعمق, و لذلك يتابعه شباب هذا العصر و يجتهدون لحضور حفلاته, فيكفي متابعة ما يحدث في دمشق مثلاً عندما يذهب زياد للغناء هناك. و قد بنى زياد الرحباني منهجاً و مدرسةً تحوي الآن الكثير من الفنانين الذين لم يكن ليلتفت لهم أحد و يدعمهم لو لم يعبّد الطريق شخصٌ ساعده انتماؤه لعائلة موسيقية جبّارة كالرحابنة.
السؤال الذي يجب أن يجد له الناشرون العرب جواباً هو التالي: أين هم مرادفو زياد الرحباني في من بين الكتّاب الذين تنشرون لهم؟ ليس صحيحاً أنهم غير موجودون بل أن الواقع هو أن الناشرين لا يبحثون عنهم و لا يهتمون بالبحث عنهم لأنهم ينتمون عمراً أو ثقافةً أو كلاهما إلى جيلٍ لن يفهم ضرورة وجود هكذا حداثة.
إضافةً إلى فرق الأجيال هناك عاملٌ آخر أحب أن أسمّيه "ديكتاتورية المألوف", فالواقع العربي و ليس فقط في الثقافة لا يحب الخروج عن المتعارف و المألوف, و الناشر العربي انتقى "عرفاً" و "مألوفاً" يعتبر أي خروجٍ عنه هو أمر "غير جدّي", و ينفعني في الحديث في مفهوم "أسياد الثقافة" عن الجدّية مقطع من مقالة للماغوط ضمن كتاب "سأخون وطني" اسمها "أنين في محبرة" حيث يقول: " فالمسرحية الجادّة من وجهة نظرهم هي التي ما إن تبدأ حتى يبحث المشاهد عن أقرب مخرج للنجاة و لو من المدخنة. و الفيلم الجاد هو أن تحجز في السينما مقعداً و في دير الصليب سريراً. و الرسم الجاد هو الذي تحتاج كل لوحةٍ منه إلى شرطي سير ليشرح للمتفرجين بعصاه و صفارته أين تبدأ الخطوط و أين تنتهي".
مفهومنا العربي عن الثقافة هي أنها سمة نخبوية, و النتاج الثقافي العربي لا يجب أن يحادث المواطن البسيط و فكره و مشاكله و تطلعاته بل يجب أن تكون حكراً على روّاد الصالون الأدبية المتهجّمين بالتعريف.
لا نستطيع أن ننكر أن الثقافة هي أيضاً سوق (حتى لو حبذنا ألا نستخدم هذا المصطلح) و ككل سوق فإن السلعة يجب أن تلبي حاجات الجمهور و أن يعلن عنها و أن تصل هي ليد المستهلكين بسهولة, و لكي يقوم المنتج الناجح بكل هذه الخطوات عليه أولاً أن يدرس زبائنه المحتملين و رغباتهم و تفضيلاتهم بشكل دقيق, و هذا ما لا يفعله الناشرون, فهم لا يعرفون عن جمهورهم شيئاً.
هذه الأفكار هي بعض ما كنت أتمنى أن أراه كنتيجة لتحليل الناشرين العرب للواقع بطريقة ناقدة تبدأ من نقد الذات بدل رمي المسؤولية على كل ما سواهم, و لا يعني هذا الكلام أنهم فقط المسؤولون عن ما يحدث, فلا شك أن أحد أكبر العقبات هي الحكومات العربية و توجهاتها الرقابية و قيودها القاسية المفروضة على كلّ ما يمس الفكر, و يضاف إلى الكبت و القمع أيضاً دَور الإدارات الثقافية التابعة لهذه الحكومات كاتحادات الكتّاب و غيرها و التي تُمنح دوراً رقابياً يستخدمه "مثقفون مفترضون" أكل عليهم الزمان و شرب, بأساليب و أفكار "صارت عظامها مكاحل", و لذلك فإن الحداثي المحظوظ الذي يجد من ينشر له أولاً ثم يجتاز حاجز "الكبت الأمني" ثانياً سيعلق في شباك هؤلاء المتطفلين على الثقافة و هي منهم بريئة. فتارةً بحجة العادات و التقاليد و تارةً بحجة الحفاظ على اللغة و الأسلوب أصبح هؤلاء كشبكة العنكبوت التي تقبض على الضحية.
لا يمكن أن ننسى غياب ثقافة المطالعة و اعتبارها استثناء ضمن قاعدة مفادها أن الكتاب ترفٌ فكري و اقتصادي ليس للعامة, و هذه أيضاً مسؤولية حكومية لا يوليها أحدٌ اهتماماً, فالمدرسة هي الحافز الأول على المطالعة لكن الكتاب غائب عن مدارسنا خارج المناهج الضخمة التي تحتكر كل نشاط فكري للطفل أو اليافع و تبعده بجفافها و قلة جاذبيتها عن أي نشاط ثقافي, عدا عن غياب الدعم الحكومي الاقتصادي للنشر ما يجعل سعر الكتاب كاوياً و بعيداً عن استطاعة "الجيل الحالي" الذي يهاجمه الناشرون.
لا شك أن الواقع الثقافي العربي مؤسف و يعاني من مشاكل كثيرة و متشعبة, لكن الحلول متوفرة إن كان هناك نيّة لإيجادها... و هذا ما أعتقد, للأسف, أنه غير موجود.
..