
تحدّثت بعض الشيء عن بدء قراءتي لهذه الرّواية المثيرة للجدل في تدوينة سابقة, و اليوم انتهيت من الاستمتاع بصفحاتها الأربعمائة إلا قليلاً (الطبعة الخامسة من دار الشروق) و عليّ أن أبدأ الحديث عنها بالقول أنها رواية ممتعة, و ربما يتّفق معي في هذا الرأي حتّى منتقدوها.
بلغةٍ قويّة و جميلة, يروي يوسف زيدان ما يُفترض أنها ترجمةٌ لمخطوطات سريانية من القرن الخامس الميلادي كتبها راهبٌ مصريٌّ يدعى "هيبا" بطلب و إلحاح من عزازيل (أحد أسماء الشيطان القديمة) و يروي فيها فصول حياته التي دارت ما بين صراعات ذاته و روحه و صراعات أقطاب كنيسة ذلك الحين, و الكتاب مزيجٌ ممتاز التركيب بين التوثيق التاريخي لتلك المرحلة العاصفة من تاريخ الكنيسة المسيحية و سرد روائي مثير لحياة هذا الراهب و ترحاله من بلاده الأصلية في جنوب مصر إلى القدس فديرٍ قرب حلب حيث يفترض أنه كتب مخطوطاته قبل الرّحيل الأخير منه, مروراً بالإسكندرية حيث يلتقي بهيباتيا الاسكندرانية, عالمة الرّياضيات التي قتلتها الجموع الغاضبة بتحريضٍ كنسي ضد "وثنيتها" (انتظر بشوقٍ صدور فيلم "آغورا" للمخرج الإسباني المبدع أليخاندرو أمينابار بعد شهرين, و الذي يروي حياة و مقتل هذه العالمة التاريخية).

أثارت هذه الرّواية الضجيج بسبب مسّها لقضايا لاهوتيّة دقيقة حول ألوهيّة السيّد المسيح و وضع السيّدة العذراء ضمن العقيدة كانت (و ربما ما زالت) محطّ خلافٍ عميق أدّى في القرون الأولى لحياة الديانة المسيحية لانشقاقات و نزاعات كبيرة و شرسة, بالإضافة إلى حديثه عن فصول الاضطهاد الذي تم ارتكابه باسم المسيح ضد وثنيين و ضد مسيحيين آخرين أيضاً. أي أن الكاتب, بمعنى آخر, قد اخترق مثلث الأرض المحرّمة الذي يتّخذ من الدّين و السياسة و الجنس أضلاعاً, و فوق ذلك يقترب من ضلع الجنس في مراحل عديدة من الكتاب, ما يزيد السرد حساسية على اعتبار أن بطل الرّواية راهب.
يقارن الكثيرون من منتقدي هذه الرّواية بينها و بين شيفرة دافنشي لدان براون, لكنني لا أتّفق مع هذا الرأي لأنني أعتقد أن "عزازيل" رواية تاريخية جيّدة ( و الرواية التاريخية مهما كانت جيّدة فهي ليست كتاب تاريخ, و هذا ما يبدو أن البعض ينساه) بينما شيفرة دافنشي رواية اعتدت تصنيفها كبوليسية, أو حتى رواية مغامرات, و ربما تذكّرني "عزازيل" (و هذا رأي شخصي بحت) أكثر بـ "ليون الأفريقي" لأمين معلوف, ليس بسبب أحداثها أو لغتها أو أركانها إنما بطريقة "حقن" شخصية البطل الوهمي ضمن أحداث و بين شخصيات تاريخية, لكنه مجرّد انطباع بدائي ليس إلا.
لو طُلب منّي أن أحدد عناصر جمالية الرّواية لما تطرّقت للسياق التاريخي أو للأحداث المثيرة للجدل, إنما كنت سأشير إلى إبداع الكاتب في رواية صراع بطل الرواية مع ذاته, شكوكه و اهتزازاته, عذاباته الرّوحية, شهواته, انفعالاته و أحاسيسه, كما أنني كنت سأشير أيضاً إلى جمالية حواراته مع عزازيل (الشيطان) بالإضافة إلى لغة السّرد التي نالت إعجابي بشدّة, و لا أكتم أنني ربما أأسف لأن الرّواية نالت شهرة للجدل الذي أثارته بلمسها ممنوعات و تابوهات لم يرق للكثيرين أن تُمس.
الرّواية و ما حولها برأيي أصدق مثال على أن "الممنوع مرغوب" لدينا, لأنني لا أعتقد أن عدد الروايات العربية التي طُبعت خمس مرّات خلال أقل من عامين كبيرٌ...
انتقل الآن بعد الانتهاء من هذه الرّواية إلى "عالم بلا خرائط", الرّواية المشتركة لعبد الرّحمن منيف و جبرا إبراهيم جبرا...
..
3 تعليقات:
لطالب طب
احييك على الهمة العالية في القراءة
احييك بلا حسد يعني :)
اضفت عزازيل لمجموعة الكتب التي ساقراها بعد رمضان بصراحة تشجييع قوي منك
دمت قارئا و مبدعا رفيق
مبدعٌ هذا الكاتب
فقد قرات له فيما مضى رواية بعنوان(ظل الافعى)
وها انت الان تشوقنا لرواية ثانية له
وان كان بطلها شيطان
لكن يبدو لي ان فيها من الفلسفة العميقة الكثير
شكرا للانتقاء الجميل
جفرا
شكراً على مرورك و تعليقك..
الحقيقة أن الأمر ليس همّة عالية بقدر ما هو اعتياد على رفقة الكتاب منذ الطفولة...
بانتظار رأيك بالكتاب بعد الانتهاء منه
تحية :)
------------
ياسمين و ثلج أبيض
أهلاً بعودتك !
بالنسبة لي هذه أول مرّة أقرأ فيها شيئاً ليوسف زيدان, لكنها كانت بداية مشجّعة جداً, و سأحاول أن أقرأ له أكثر..
تصحيحاً لما ذكر في تعليقك.. بطل الرّواية ليس الشيطان, بل أن الشيطان يظهر في بعض المقاطع و هو يحادث البطل.
تحية و شكر مجدداً
إرسال تعليق