
خرج من عمله بعد مغادرة الشمس عرشَ السماء بقليلٍ, يجرجر ساقين متعبتين من ثقل حِمل هذا الجسد النحيل, و بعد تنهّدة مُرهَقة التفت بوجهه الشّاحب يمنةً و يساراً ثم عبر الشّارع مسرعاً..
كان يرتدي سترةً صوفيّة رثّة على أكتاف متهدّلة لدرجة أن الناظر لا يعرف أيّ منهما يحمل الآخر, و بنطالاً أجّل الفقر تقاعده, و حذاءً بالياً لا يذكر حتّى هو ما لونه الأصلي.
تسكّع على الرّصيف برهةً حتّى وصل إلى موقف الباص دون أن ينظر إلى المحّلات الفاخرة التي على يسراه خوفاً من أن يكون النظر إليها مأجوراً, و تحت المظلّة المعدنية الصدئة جلس على مصطبة حجريّة أزعجه صلابتها عندما اصطدمت بعظامه, لكنّ التعب و ألم المفاصل كان أقوى..
كان ينظر إلى اللاشيء و مفكّراً في كلّ شيء عندما سمع صوتاً رفيعاً يقترب و هو ينادي:" يانصيب, اليوم السحب... يانصيب" فنظر إلى مصدر الصوت و وجد يافعاً يكاد يكون طفلاً و هو يحمل رزمة الأوراق و يكرر نداءه مرّة بعد أخرى بشكل ميكانيكي و هو يلوّح بالأوراق. و بعد لحظةٍ من تخبط الأفكار مدّ الرّجل يده المرتعشة إلى جيبه و أخرج ورقتين نقديتين أعطاهما لليافع مقابل ورقة سرعان ما طواها و آواها حيث كانت النقود, و حاول أن يردّ بابتسامةٍ على التمنيات بالحظ السعيد التي أطلقها اليافع البائع بنفس الأوتوماتيكية التي كان يطلق بها نداءه الإعلاني..
لكن الابتسامة لم تخرج إلى وجهه, ربما من التعب, أو من البرد, أو كلاهما...
وصل الباص بعد ربع ساعةٍ من الانتظار.. و صعد الرّجل مصارعاً زحام الرّكاب و زحام همومه, و بعد دقائق بدت أطول من المعتاد وصل إلى غرفته المستأجرة, أشعل ضوءها الوحيد المرتعش و خلع سترته الصّوفية و ألقاها على الفراش, و بينما كان يفرّغ جيوبه وقع نظره على ورقة اليانصيب المطويّة التي كان قد نسيها تماماً في الطريق فغضب من نفسه على هذا التبذير... ثم استجوب نفسه لماذا اشتراها, ثم سأل ذاكرته إن كانت هذه أول مرّة يشتري فيها يانصيباً أم أنه قد اشترى من قبل فلم تجبه الذاكرة بشيء قاطع..
بينما كان يغسل وجهه الشاحب الكئيب رأى نفسه في المرآة المكسورة أعلى المغسلة فحزن على حاله و أشفق على نفسه من عذاباتها... و عاد إلى فراشه و ارتمى عليه كجثّة ثقيلة..
ماذا لو ربحت ورقة اليانصيب؟ لا تكن مجنوناً! كيف ستربح؟ أسهل عليك أن تجد ألماسة في قارعة الطريق من أن تربح ورقة اليانصيب هذه..
لماذا تأنبني يا ذاتي؟ دعني أتخيّل فأنا لا أكلّف أحداً شيئاً بسفري هذا.. ماذا لو ربحت؟
سأشتري هذه الغرفة.. بل سأشتري البناء بأكمله و أهدمه و أخلّص البشرية من كآبته...
سأشتري ثياباً أنيقة... بل قبل ذلك سآكل لحماً كل يومٍ لكي يكون لديّ جسمٌ يمكن أن تُلبس عليه ثيابٌ أنيقة...
سأقتني سيّارةً و سأجول في المدينة باحثاً عن الباص الذي أركبه كلّ يوم لأسبقه في سيره الثقيل و أنا أضحك ملئ فمي
سأفتح متجر مجوهرات و أهدي طوقاً من اللؤلؤ لكلّ فتاة جميلة تدخل.. و بعدها سأتزوّج أجمل فتاةٍ و أذهب معها في جولةٍ حول العالم... نعم جولة حول العالم.. و بالطائرة أيضاً
و فجأة قطعَ على أفكاره المستقبلية المنهمرة على عقله الطريق و قام مسرعاً و حمل ما معه من نقود و نزل إلى البقالية المجاورة و اشترى عدّة حلاقة و طلاءً أسود للأحذية من النوع الغالي الذي يلمّع أيضاً.. و اشترى بعض الحلويات و علبة عطرٍ رخيصة عرضها عليه جاره صاحب البقالية.. و عاد إلى غرفته فاستحمّ و حلق لحيته النابتة و طلى حذاءه مرّات عديدة كي يمحي قِدمه أقصى ما يستطيع... و عندما انتهى من ذلك أطفأ الضوء المرتعش و غطّ في نومٍ عميقٍ لأول مرّة منذ زمن طويل جداً...
..
بعد ليلة أحلامٍ سعيدة متواصلة استيقظ نشيطاً.. و بعد نظرةٍ مستهجنة نحو قميصه الأخضر العتيق أخرج من تحت فراشه كيساً كان يحتفظ فيه بكنزة ريشيّة اللون جميلة و بنطالاً كحلياً كان قد اشتراهما منذ عامٍ عندما تزوّج ابن عمّه و كان يحتفظ بهما للمناسبات فقط.. فلبسهما و لبس الحذاء الذي كانت رائحة طبقات طلائه قد ملأت الغرفة طوال الليل, ثم مشّط شعره الذي كان الشيب قد بدأ بغزوه, و فتح علبة العطر و تعطّر بسخاءٍ ثم دس ورقة اليانصيب في جيبه و خرج من غرفته مسرعاً نحو كشك الجرائد القريب..
اشترى جريدةً و بحث مسرعاً عن صفحة نتائج اليانصيب... و بحث في جدول الأرقام الرابحة مرّةً فأخرى فثالثة..
لم تربح ورقته شيئاً...
و أسفاه....
دخل صاحبنا في غمامةٍ سوداء من الكآبة... و ازدادت الغمامة كآبةً و ظلمةً عندما تذكّر أن القليل المتبقّي من راتبه لا يسمح له بترف شراء ليلة أحلامٍ أخرى...
..الصورة