01 أيلول 2009

نظرة في الإنسان و المعتقد و الخوف


تابعت منذ يومين إعادة بث حلقة من برنامج تلفزيوني قديم نسبياً كنت أتابعه منذ عامين أو ثلاث, و البرنامج عبارة عن جولة سياحية حول العالم يقوم المقدّم فيه بزيارة دولة كل حلقة و يحاول أن يضع أمام المشاهد محتوىً مغايراً للمعتاد رؤيته في المجلات و الدعايات السياحية, دون أن يقع في إدمان البحث عن السلبية فقط.. الحقيقة أنه كان برنامجاً "مقبولاً جداً"..

كانت الحلقة التي تابعتها مسجّلة في الهند, و كنت قد شاهدتها في العرض الأول للبرنامج لكنني تابعتها لأنني تذكرت أنها حلقة مميّزة تتحدّث عن بلدٍ "غير عادي" البتّة, فهو نسيجٌ عريضٌ و معقّد من الأجناس و الطوائف و الأديان, لكلّ منها تاريخها و حياتها و آلامها و أفراحها و طقوسها... و فقرائها و أغنيائها (لعلّ هذه الثنائية هي المشترك الوحيد ما بين الطوائف جميعها).

في هذه الحلقة التقى مقدّم البرنامج دليلاً سياحياً هندياً يتقن الاسبانية و يتبع مذهب السيخ, و بعد حديث واسع عن هذه الطائفة التي نشأت كنتيجة للتجاذبات و الصدامات بين المسلمين و الهندوس, و التي يقدّر عدد المؤمنين بها بحوالي الـ 25 مليون يتمركز معظمهم في ولاية البنجاب الهندية, ذكر المقدّم أنه يتذكّر أنه غطّى في بداية عمله الصحفي اغتيال رئيسة الوزراء الهندية إنديرا غاندي من قبل بعض حرّاسها الشخصيين السيّخ بعدما أمرت باقتحام المعبد الذهبي المقدّس لديهم للقبض على بعض المسلّحين المنتمين للميليشيات التي كانت تسعى لفصل البنجاب عن الهند و تحويله إلى دولة سيخية, و قد أدى هذا الاقتحام إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص و أثار نقمة الطائفة السيخية التي احتجّت على تدنيس مقدّساتها, و عندما ذُكرت هذه الحادثة في الحديث ردّ الدليل السياحي على الصحفي قائلاً أن اغتيال إنديرا غاندي كان "ضرورة" في ذلك الحين, و قد كان من الطبيعي و اللازم أن تدفع حياتها ثمناً لإهانتها مقدّسات 25 مليون إنسان. و دار بعد هذه المداخلة نقاشٌ حول رأي الدليل انتهى سريعاً بإقراره بأن رأيه ليس "سياحياً" بالنسبة للمواطن الغربي, و لعلّ ذلك كان سبباً في عودته إلى الهند بعد محاولة الهجرة إلى الغرب: "فالإنسان عندكم -أي في الغرب- لا يستطيع أن يفهم عقليتنا التي نعيش على أساسها, لا يفهم و لا يتقبّل أن تكون عقيدتنا و الانتماء إليها أهم من كلّ حياةٍ, بل أهم من حياتنا نحنُ حتّى" قال منهياً الحديث.

كانت ردّة فعلي حين شاهدت هذا المقطع هي الاستهجان المطلق, لا سيّما و أن أحداث الكاريكاتيرات كانت قريبةً جداً آنذاك, و لا زلت إلى الآن استهجن هذا الكلام انطلاقاً من مبدأ قداسة الحياة أمام أيّ قداسة أخرى, أيّاً تكن, في حال اضطررنا لمشاهدة صراع قداسات, و هذا ما يجب تلافيه دوماً. لكنني اليوم لا أرى كلام الدليل السيخي مرّيخياً جداً, بل أنني أجد له مقاربات و مقارنات كنت اعتبر التفكير فيها ضرباً من التجديف منذ فترة ليست بالبعيدة, و هذا ربما إقرار بتغيّر, أو أفضّل أن أقول تطوّر, المنظور الذي أقرأٌ فيه الأشياء...

ما يلي هذا السطر من "صفنة" ليس نتاجاً خاصاً لي, بل أنه إسقاط لفكر و فلسفة الكاتب و الفيلسوف و عالم الاجتماع السلوفيني سلافوي جيجك, خصوصاً بحثه القيّم جداً عن العنف.

لماذا استهجنت و استهجن حديث الدليل السيخي؟

يأتي رفضي المطلق لهذا المنطق انطلاقاً من إيمانٍ بقداسة الإنسان و حياته (ضمن حقوقه الأخرى الأساسية المعروفة نظرياً فقط), و هذه الفكرة التي اعتنقها هي نتاجٌ لتطوّر الفكر الأوربي في مرحلة الحداثة و ما بعدها, أي منذ منتصف القرن الثامن عشر مروراً بالثورة الفرنسية و الثورة الصناعية, دخولاً في القرن العشرين و أحداثه.. وصولاً إلى اليوم. و قد أفرزت هذه الفلسفة الإنسانية في مراحل تطوّرها الفكري مفاهيم العلمانية فالمواطنة فالديمقراطية (أرى أن هذا الترتيب هو الصحيح), و هذه الفلسفة و تطوّرها التاريخي و إسقاطها الاجتماعي و السياسي و العلمي هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارات الغربية (و في هذا الحديث تعميم يمكن أن يؤدّي لأخطاء..)

ترفض الفلسفة الإنسانية رفع القداسة عن الحياة مهما كان السبب, و لذلك لا نجد في قوانين الدول الأوربية (قد أكون متجنّياً, لكنني عادةً أقصد أوربا فقط في حديثي, فالفكر الأوربي هو نتيجة تاريخ لم تعشه الولايات المتحدة و بالتالي لا يمكن برأيي الحديث عن وحدة حال بين ركني الغرب السياسي و الاقتصادي الحالي, على الأقل فيما يخص الفكر) حكم الإعدام, بل أن أغلبها يرفض السجن المؤبد و يضع حدّاً أعلى للمدة التي سيقضيها المحكوم في السجن.

لكن.. إذا كانت هذه هي الفلسفة الإنسانية التي قام عليها فكر الغرب الحالي, فكيف تقبل شعوب الغرب أن يُقتل باسمها أو باسم الدفاع عنها؟

علينا قبل أن نجيب على هذا السؤال أن نذكّر بأن مجتمعات الغرب هي مجتمعات مفتوحة و فسيفسائية, و تحمل في داخلها من التيارات المتناقضة فيما بينها الكثير, و لذلك لا نستطيع أن نقول أن الغرب يتقبّل أو الغرب يرفض, فقد يكون هناك أربعين رأياً مختلفاً تجاه استعمال الأكياس البلاستيكية أم الورقية, مثلاً, و لذلك لا نستطيع أن ننظر إلى الغرب ككتلة متجانسة, عدا عن أن المجتمعات الغربية ليست أفلاطونية و ليست مكوّنة من الفلاسفة, ففيها من تفاوت الوعي و الفكر و الذكاء ما يوجد في كلّ مجتمعات العالم. لكنّ السؤال ما زال منطقي الطرح حتى بعد هذا التوضيح...

الجواب هو: الخوف و طريقة إدارته سياسياً و اقتصادياً و إعلامياً تبعاً لمصالح كبرى عابرة للدّول قد تكون أكبر من المواطن الغربي كما هي أكبر منا كمشرقيين.

الغربي له حياة مستقرّة و مصالح مركّبة يخاف عليها إن قيل له أنها مهددة, خصوصاً إن كان من النوع قليل الاطّلاع على العالم المحيط به, و هؤلاء هم من يصوّت لمن يعدهم بالدفاع عنهم من هجمات الأشرار الذين يريدون تقويض حياة الرفاهية و الحرّية و الحقوق و المساواة و غيرها, و هذا يشكّل عملية "تدجين" كبيرة تشارك فيها قوى سياسية و اقتصادية و إعلامية لها مصالح مشتركة.

نستطيع أن نذكر كمثال صارخ على ما سبق قوله التعامل السياسي و الإعلامي لجهات كبرى مع عمليات الجيش الباكستاني في وادي سوات ضد طالبان.. ففجأة أفقنا على أن باكستان هي منارة حضارة و إنسانية و أن جيشها يقدّم خدمة كبرى للعالم بهجومه على هذا الوادي و قتاله لجماعة طالبان, و لا نتذكّر أنّه من المرجح جداً أن تكون حقوق إنسانية كثيرة قد انتهكت في هذه العمليات كما حدث و يحدث في أفغانستان.

الخطاب المستخدم هو التالي: يا أيها الغربي الذي تعيش في مجتمع رفاهية و تنعم بالحرّية و الديمقراطية و بالحقوق و بالعدالة الاجتماعية, هناك من يريد أن يزرع بلادكم بالدمار و الخراب و يريد أن يهدم كل هذه النعم التي تتمتّع بها, و لذلك سنذهب إلى ما وراء الجبال و البحار و نقاتلهم في البلاد التي يقيمون فيها, ( و لدغدغة النزعة الإنسانية يتابعون..) لكن سكّان هذه البلاد هم أصدقاؤنا, و نحن بحملتنا العسكرية سنحقق هدفين, سننهي تهديد هؤلاء الأشرار لكم و سنخلصهم من وجود هؤلاء الإرهابيين في أراضيهم, و لكن قد يكون هناك ضحايا أبرياء لسنا مسؤولين عن مصابهم, فهذه هي الحرب.. للأسف.

هذا هو الخطاب المستخدم.. يقنع البعض و لا يقنع البعض الآخر.. و سياسة الدولة تقوم "نسبياً" بناءً على أيّ من الـ"بعضين" أكثر عدداً...

يلعب هذا الخطاب بالخوف من "العنف الظاهري" كما يدعى في نظرية جيجك, أي في حالتنا هذه مجموعة الهجمات التي حدثت في الولايات المتحدة و أوروبا, و استهداف السيّاح الغربيين في مصر أو في بالي أيضاً, و يحاول أن يزرع في المجتمع خوفاً يمنع من التفكير بتساؤل قد نراه بديهياً لكنه ربما ليس كذلك: هل استيقظ هذا الأفغاني أو اليمني أو العراقي أو أو أو... و قرر فجأةً أن ينتمي للقاعدة أو لطالبان و أن "يدمّر الغرب"؟ نعم هناك "غسيل دماغ" و هناك أدلجة, و هناك أيضاً استخدام للخوف بطريقة مشابهة جداً للطريقة المستخدمة في الغرب.. لكن أليس هناك أساسٌ حقيقي يجعل رؤية هذا الشخص للغرب كعدوّ ينبغي إحراقه... مفهوماً, إن لم يكن منطقيّاً؟

هذا التساؤل موجود في الغرب أكثر مما نتوقّعه, لكنه سؤال مشلولٌ تماماً نتيجة الخوف على الحياة و أسلوب الحياة, و يدعم أيضاً بآلية نفسية اجتماعية موجودة في كلّ مجتمعات العالم و على مرّ التاريخ, و هي التي تقوم على نفي إنسانيّة العدو.

الغربي يرى هذا المتعصّب المتطرّف كمخلوق لا إنساني... يريد أن يقتل كلّ ما لا يتفق معه حتى لو كان الاختلاف جزئياً, هو خطرٌ على الإنسانية يجب التخلّص منه.. لمصلحة الإنسانية. و هنا هو التناقض: لأجل الإنسانيّة نقتل إنساناً (ربما نستطيع اعتبار هذا مثالاً لمبدأ التفكير المزدوج الذي وصفه أورويل و دُرس بعد ذلك بعمق). و هذه الآليّة موجودة و أخذت و تأخذ أشكالاً متعددة و تبرر أحداثاً كثيرة مثل كل الحروب الدينية التي قامت بناءً على ثنائية: مؤمن إنساني يقاتل الكافر المتوحّش.. لأجل الإنسانية..

نتيجة عوامل عديدة, يذكر بعضها أعلاه و لكن هناك غيرها الكثير.. يقبل المواطن الغربي, و معه الكثيرون, أن يُقتل من يهددهم و يهدد أسلوب حياتهم, دون النظر إلى الوراء... أو ربما ينظر إلى الوراء و يبرر ذلك بأن هذه العملية العسكرية هي شرّ لا بد منه, و ضحاياها, أبرياءٌ كانوا أم "لا" هي تضحية مؤلمة و لكن يجب أن تتم... هي دخول التناقض مع الإنسانية, لمصلحة الإنسانية !!

بالمحصلة, نجد أن الإنسان الغربي يمكن أن يقبل القتل باسم الحرّية و الديمقراطية و العدالة, بنفس الطريقة التي قبل بها الدليل السيخي قتل إنديرا غاندي باسم الدّين و المعتقد, لكن كلاهما, و أقصد هنا الدليل السيخي و المواطن الغربي, يستهجن منطق الآخر (موضوع ذو صلة: نظرة جدليّة في الحياد و المنظور), و قد يكون كلاهما على حق, لكنني أعتقد أن كلاهما مخطئ.. لأنني ما زلت أعتقد أن الحياة تسعنا جميعاً... فهي أوسع من اختلافاتنا و تناقضاتنا.

..

الصورة: سلافوي جيجك (المصدر)