24 آب 2009

الدراسات الجينية... هل تتحدّى الأخلاق الطبّية؟


لعلّ أحد أقدم القضايا الفلسفيّة هي تلك التي تتساءل إن كنا نرغب أن نعرف متى سنموت أو كيف, و ليس مفاجأةً أن أغلب البشر لا يريدون أن يعرفوا ذلك بل يفضّلون أن يعيشوا حياتهم دون معرفة كيف ستنتهي و متى, فالإنسان لا يريد أن يعيش بصحبة القلق الناتج عن هكذا "معلومة" مزعجة.. حتى لو كانت تبشّره بحياة طويلة الأمد, فهكذا أمر يفضّل أن يبقى في "مهب ريح العمر".

لا شك أن تأسيس و تطوّر الدراسات الجينية و الوراثية, كنتيجة لتقدّم العلوم البيولوجيّة و الطبيّة, هو خطوة جبّارة في طريق التقدّم الإنساني, و مثل كلّ التطوّرات في شتّى المجالات فإنها تطرح قضايا منطقية و أخلاقية لا بدّ من وضع إجابات واضحة عليها مع كلّ خطوة, فالعلم هو سلاحٌ ذو حدّين في أغلب الأحيان, كي لا نقول في جميعها, و هذا لا يعني أن علينا أن "نفرمل" التطوّر العلمي كي لا يؤذينا, بل علينا أن نقف مع كلّ خطوة تطوّرية و نجيب على التساؤلات و المعضلات التي يتم طرحها علينا.

تمثّل حالة التشخيص الجيني المبكّر مثالاً واضحاً عن قضية أخلاق طبّية, فتطوّر هذا المجال العلمي قد مكّن من الكشف بشكل مبكّر عن إمكانية إصابة شخصٍ ما بمرض قبل أن يصاب به عن طريق دراسة "خريطته الجينية" مما يعطي إمكانية وضع خطّة وقائية تقي الإنسان من شرّ الإصابة من هذا المرض المحتمل عن طريق إبعاده عن عوامل الخطر و توعيته و نصحه بإتباع أسلوب حياة يقيه, أو يقلل احتمالات الإصابة بهذا المرض الذي تشير جيناته إلى احتمال حصوله, و علينا ألا ننسى أننا نتحدّث هنا عن "احتمال" قد تكون نسبته عالية أو لا, لكنه يبقى مجرّد احتمال.

قد يكون من المفيد جداً في الحالة السابقة معرفة وجود احتمال المرض طالما أن هناك إمكانية لتقليل إمكانية الإصابة عن طريق اتخاذ خطوات وقائية معيّنة, لكن ماذا عن حقّ الإنسان بأن يجهل "مستقبله الصحّي"؟ لعلّ هذه هي أوّل معضّلة أخلاقيّة في وجه هذه التقنيات, فمن وجهة نظر إنسانيّة قد يكون من حقّ الإنسان ألا يعرف الأخطار الصحية التي قد تواجهه في المستقبل نتيجة طبيعته البيولوجيّة و الجينية, أو ربما قد يكون من حقّه أن يعرف لكنه لا يريد أن يلتزم بأسلوب الحياة الذي يفترض أن يقلل فرص ظهور المرض من نظام غذائي و لياقة بدنية و كورس دوائي و غيره.. هل يمتلك الإنسان - أخلاقياً- هذا الحق؟ أليس هذا شكلاً من أشكال الانتحار؟ (وهنا نفتح قضية فلسفية و دينية و أخلاقية كبرى عن ملكية الإنسان لحياته من عدمها).

تساؤل آخر.. حتى لو أردنا أن نخضع لدراسة جينية و وافقنا على إتباع ما يشار إلينا لتقليل فرص المرض, ما هي القوانين و الأعراف التي تحدد و تحمي حقّنا بالخصوصية؟ من يحمي هذه المعلومة الحسّاسة و يضمن عدم وصولها إلى من قد يستخدمها بما يضرّ بي مثل شركةٍ ترفض توظيفي أو شركة تأمين ترفض إعطائي بوليصة تأمين صحّي؟

أيضاً نستطيع أن نطرح تساؤلاً آخر (ضمن عشرات و ربما مئات التساؤلات حول هذا الأمر): ماذا لو أن الدراسة الجينية أشارت إلى احتمال الإصابة بمرض لا يمكن أن نفعل شيئاً للوقاية منه؟ هل من المجدي أن يعرف شابٌ عشريني أنه من الممكن أن يصاب بخورية هنغتنتون المميتة بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟ هل من "الإنساني" أن يقضي عمره فريسة قلق وجود سيفٍ معلّق فوق عنقه, و هذا السيف قد يسقط أو لا يسقط؟ قد نتسرّع بالإجابة و نقول أنه لا يجب إخباره, و لكن أليست هذه حياته؟ هل من حقّ الطبيب أن يخفي عنه أمراً يخصّه وحده؟ أو بطريقة أخرى.. على ماذا يستند الطبيب, أخلاقياً, لتقرير هكذا أمر؟

لقد أدّى التطوّر العلمي إلى إمكانية معرفة إمكانية وجود أمراض معيّنة في أبناء زوجين قبل زواجهما حتّى, و يمكن أيضاً أن نعرف سلامة جنين من عدمها منذ المراحل الأولى للحمل, و هذه التقنيات الحديثة تفتح معها باقة أخرى من المعضلات و القضايا الشائكة, فعلى سبيل المثال قد نوافق بشكل واسع و نشجّع على أن يقوم الأزواج بالإطلاع على هذه الاحتمالات قبل أن يقرروا الإنجاب, لكن يجب علينا أن نفكر في احتمال أن تؤثر معرفة هذه النتائج على صحّة الزوجين النفسية و ربما قد تدمّر علاقتهما, و قد نعتقد أنه من الأفضل أن يعرفوا هذه الاحتمالات قبل أن "يصدموا" بالأمر الواقع.. لكن أليس هذا القرار شخصياً بحتاً؟

أما في حالة الدراسة بعد حصول الحمل فإن هذه القضية تتداخل بشكل عميق مع قضية أخرى شائكة, ألا و هي حق الأم (و هنا غالباً نتحدّث عن الأم) في مواصلة حملها أم قطعه بقرارها و للأسباب التي تراها, و هي قضية مفتوحة (حقوقياً) في العديد من الدّول الغربية منذ عقود و تتصادم فيها آراء كثيرة قانونية و فكرية و فلسفية و دينية, و لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.

هل من حقنا أن ننهي حياةً قبل ولادتها لأنها مريضة؟ كم من المعوقين و المشوّهين الولاديين حولنا يعيشون حياةً سعيدة ضمن ظروفهم, و منهم من وصل إلى مصاف عظماء التاريخ؟ هل هناك أمراض جينية يمكن التعايش معها و أخرى لا؟ و من يجرؤ على "فرز" هذه الأمراض؟ و حتّى لو وُجد من يفرز هذه الأمراض و يشرحها للأهل.. هل من حق الأم أو الأب أن تمنع ولادة إنسان لأنه مريض؟

قضية أخرى شائكة قانونياً... ماذا لو علمت الأم في مراحل متقدّمة من الحمل أن طفلها سيولد مريضاً بشكل سيؤثر بشكل عميق على حياته إن استمرت, و هي تريد الإجهاض لكن القانون يمنع من الإجهاض في المراحل المتقدمة من الحمل؟ أليس هناك احتمال الأذية النفسية الشديدة على الأم و على غريزتها تجاه ابنها؟

نستطيع أن نستمر في طرح تساؤلات من هذا النوع ساعاتٍ طويلة, و لا يقصد من طرحها الرفض أو التقليل من شأن الدراسات الجينية و ما تعنيه من تطوّر باهر في العمل الطبّي, لكنها قضايا و معضلات يجب أن تجد حلاً إنسانياً يضمن حق الإنسان في ممارسة حياته كما يريد, مع معرفة و توعية مسبقة لكلّ ما يعنيه أي قرار يتّخذه مهما كان صغيراً "نسبياً", و يلاحظ القارئ أنني لم أضع رأياً تجاه أي تساؤل كان فأنا لا أجرؤ على ذلك, و أتمنى ألا أكون في مكانٍ أجبر فيه على الإجابة على هذه الأسئلة بما يخصني أو يخص عائلتي.. أطرح التساؤلات و أنا على إيمان بأن الإجابة عليها يجب أن تكتب بناءً على احترام إنسانية الإنسان و قراره و خصوصيته فوق كلّ شيء, فالإجابات الشخصية ستنطلق دوماً من قاعدة الإنسان الفكرية و الدينية إن وجدت.

و نسأل الله, لنا و لكم و لجميع بني البشر... الصحّة و العافية

..

الصورة