09 آب 2009

أشجار الرّقة تستغيث


لن أبدأ الحديث بالاستشهاد بمعلومات و عبارات عن أهمّية الشجرة بيئياً و جمالياً و حضارياً, فيكفي العودة إلى ما نُشر و ينشر في عيد الشجرة كلّ عام لاسترجاع ما يمكن أن يكون قد غاب عن أحدهم منها, و يبدو للأسف أن تثبيت هذه المعلومات لا يجدي, أو لا يتعدّى مفعوله تبليل الورق - أو اللافتة- دون أي قيمة عملية, هذا ما يحدث في مصيف الرّشيد.. الرّقة.

رغم أن الرّقة تكاد تسبح على ضفاف أكبر نهر في جنوب غرب آسيا إلا أن مناخها يتطبّع بشكل حاد بمناخ البادية من حيث الجفاف و العواصف الرّملية (العجاج), و هذا المناخ هو نتيجة لواقع جغرافي لا يمكن تغييره بطبيعة الحال, لكن ربما كان من الممكن تخفيف نتائجه و لو قليلاً لو أن المدينة تتمتّع بحزام أخضر مثل أغلب مدن العالم القريبة من مصدر مائي.

يتراوح بعد مدينة الرّقة التاريخية أو القديمة عن مجرى النهر الحالي ( و الذي كان يتحرّك على مدى العقود قبل أن تنظّم السدود الحاليّة مجراه) ما بين نصف كيلومتر و كيلومترين أو ثلاثة, و كانت هذه المسافة منذ عقود عبارة عن حقول و بساتين خصبة جدّاً نتيجة طبيعة التراب الغضاري في هذا السهل الذي كان سابقاً حوض فيضان النهر, لكن الزيادة الرهيبة في عدد سكّان المدينة في العقود الأخيرة أدت إلى تحويل هذه المنطقة الخصبة إلى كتل إسمنتية و بشكل لا منطقي, فقد كان لدى المدينة هامشٌ للتوسّع في جميع الجهات لكن بدل التوسّع في اتجاه آخر و ترك سرير النهر السابق أرضاً خضراء تساهم في تعديل مناخ المدينة و لو قليلاً (عدا عن الجمالية الخلاّبة للشجرة) فقد زرعوه اسمنتاً و حديداً, و يكاد لا يبقى للنهر إلا بضع أمتار من ضفته الشمالية. فقدت الرّقة هكذا فرصة امتلاك حديقة ضخمة و رائعة و بتكاليف ماديّة قليلة جدّاً لقرب مصدر الماء و لخصوبة الأرض, و لا تتوقّف المشكلة عند "إعدام" مكان حديقة رائعة بل أن ما بُني في هذه المنطقة يعاني من مشاكل رطوبة كبيرة جداً ستؤدي إلى خراب هذه الأبنية المكلفة خلال أعوام قليلة.

عن حدائق الرّقة حدّث و لا حرج, فعلى قلّتها تنال من الإهمال و سوء الاستخدام ما كان سيكفي تشارلز ديكنز لمضاعفة نتاجه الأدبي السوداوي و الكئيب مرّات عديدة, فالحدائق القديمة لم تُحترم كهولتها, و الجديدة منها ولدت ميّتة, فعدم اهتمام الإدارة المحلّية بها و غياب الرّعاية و السقاية قد تحالف مع جهل بعض المواطنين ضد اخضرار المدينة, فبعض "بلدياتي" لا يجد حرجاً في قطع شجرة من حديقة في المنطقة التوسّعية مثلاً لاستخدام خشبها كوقود في مجلس عزاء, و ليس من الغريب أبداً أن نجد أغناماً ترعى في بعض حدائق المدينة.

من بين الحالات المأساوية الكثيرة لحدائق مدينة الرّقة تظهر قصّة "بستان البلديّة" ككبيرة الناحبات, فهذه الحديقة هي ركن تاريخي هام في مدينة الرّقة منذ بدايات القرن الماضي, و أشجارها (ما تبقّى منها) ضخمة باسقة معمّرة, و قد تعرّض البستان لأكثر من عشر عمليات اقتطاع من جميع الجهات, إن كان لتوسيع الشوارع القريبة أو لإنشاء بعض الأبنية التي يبدو أن القائمين على تعميرها قد رأوا أنه لا يمكن إنشاؤها إلا في هذا المكان, و آخر هذه الاقتطاعات كان أخذ الزاوية الشماليّة الغربيّة كاملة من أجل إنشاء مطعم و كافيتريا باسم "البستان", و يبدو أن البلدية لم تفكر بإنشاء هذا المطعم في مكان آخر و لم تعتقد أنه من المهم عدم قطع أشجار عمرها سبعة عقود أو أكثر.

أما آخر ما توصّل إليه علم مكافحة الشجرة في حاضرة الرشيد فهو إلغاء منصّفات الشوارع الرئيسية, فمنذ أكثر من خمسة و عشرين عاماً تكرّمت الإدارة المحلية بزرع منصفات بعض الشوارع الرئيسية في المدينة بمختلف أنواع الشجر, و بعد سنين من زراعتها كبرت هذه الأشجار و امتدت أغصانها لتهدي أهل المدينة ظلالاً جميلة و لتخفف قليلاً من قسوة البشاعية العمرانية المنتشرة بكثرة في المدينة, لكن هذه المنصّفات الخضراء بدأت تختفي من الشوارع تحت وطأة الآليات الثقيلة التي تقوم بـ" توسيع الشارع" حسب النيّة الرسمية, و نعتقد بخبث أنه تم الحكم على عشرات الأشجار الكبيرة بالإعدام من أجل إنشاء مواقف مأجورة في هذه الشوارع.

لا نعلم إن كان لا وعياً, لا مبالاةً أم احتقاراً... لكننا نعتقد أن ما يحدث لأشجار الرّقة هو خطأُ فادح بحق المدينة و أهلها, و نتمنى لو يتم إصلاح ما يمكن إصلاحه بأسرع وقت ممكن...

و عمــــــــــــــــــــــــــــــار يا بلد


الصورة