18 حزير 2009

ثورة عُمَر..


لستُ أدري لماذا تذكّرت عمر, زميل دراسة و صديق طفولة, منذ عدّة أيام.

كنّا ما نزال في المرحلة الابتدائية, في الصف الرابع على ما أذكر, عندما قام عمر بـ"ثورته" الخاصة في المدرسة.

مذل كلّ مدارس العالم, كانت مدرستنا عبارة عن مجتمع مصغّر, بكل عناصر المجتمع و اختلافاته و تناقضاته, و كان هذا "المجتمع" يتجلّى في الباحة أو الفسحة, حيث تنشئ الصداقات و الخصومات و تتشكّل الجماعات المختلفة فاختلاف السبب الذي جمع أفرادها, و كان المعلّمون يراقبون الباحة حسب "جدول مناوبة", و بعضهم يقوم بذلك بشكل مباشر و البعض الآخر يستعين بـ "لجنة الانضباط" المؤلفة من العديد من تلاميذ الصف الخامس و السادس, أغلبهم من أبناء المعلّمين أو "المدعومين", و كانت مهمة هذه اللجنة هي سحب التلاميذ الذين يقترفون "جرائم كبرى" مثل اللعب بالكرة خلال الفرصة (و كانت الكرُة قد مُنعت خارج حصّة الرياضة بسبب حادثة لا أذكرها تماماً) أو خلع الصدرية أو الفولار (منديل العنق) و التوجّه بهم إلى ركن المخالفين (أو نظارة أبو كلبشة, كما كنّا ندعوه) حيث يقوم المعلّم المناوب عند نهاية وقت الفسحة بمعاقبتهم بضربتي عصى على الكفّين بعد السؤال عن سبب "الشحط" أحياناً, و غالباً دون السؤال.

كما هو متوقّع من هكذا أسلوب, كان أعضاء لجنة الانضباط و أصدقاؤهم أكثر التلاميذ شغباً, و كنّا نشهد في هذا العمر المبكّر أول مظاهر النفاق عندما كنا نلاحظ الفرق بين عدد مرافقي و أصدقاء عضو لجنة الانضباط بين يوم مناوبة معلّم يعتمد عليهم و مناوبة آخر يستغني عن خدماتهم.

كان من المعتاد أيضاً أن يبرز أعضاء اللجنة قوّتهم على التلاميذ الصغار من الصفوف الأولى, فهؤلاء لا يقاومون و لا يحاولون الانتقام بعدها, و كلّ ما يفعلونه هو البكاء ريثما يقتادونهم دون مقاومة (و غالباً دون سبب) إلى الرّكن حيث ينتظرون العقوبة برعبٍ كان يرتسم على وجوههم الصغيرة بشكل جلي.

من مفارقات الإنسانية, ربما, أن أشدّ أنواع القسوة و غياب الرّحمة يمكن أن تصدر من طفلٍ تجاه طفلٍ آخر..

كانت هذه العادة القميئة هي سبب "ثورة عمر"..

كان لعمر في ذلك العام شقيقة صغيرة في الصف الأول, و ذات يومٍ قام أحد أعضاء لجنة الانضباط, و هو ابن إحدى المعلّمات و والده موظّف هام في إحدى الشركات العامّة, قام بسحب أخت عمر إلى الرّكن لأنها أخرجت حقيبتها المدرسية إلى الباحة أثناء الفرصة (جريمة كبرى لا يمكن أن تمرّ دون عقاب على ما يبدو), و بسبب الرّعب الشديد الذي سيطر عليها فقدت الطفلة المسكينة السيطرة على مصرّاتها و أفرغت "حاجاتها" على ملابسها, فالتف حولها التلاميذ و هم يسخرون منها و قام أحدهم بمناداة عمر الذي ذهب لأخذ أخته و طلب الإذن من الإدارة لاصطحابها إلى المنزل و العودة بعدها, فسُمح له بذلك.

لكنّه لم يعد..

انتهى الدّوام و خرجنا من المدرسة لنجد عمر جالساً على الرصيف المقابل للبوّابة, و عندما توجّه بعضنا إليه فوجئنا به يركض صارخاً نحو البوّابة و سدّد ركلةً لعضو اللجنة الذي كان قد سحب أخته إلى الرّكن و أوقعه أرضاً, ثم رمى نفسه فوقه و بدأ بلكمه بقوّة على وجهه و صدره حتى ظهر شقيق عضو اللجنة, الأكبر منه بعام, و حاول الدفاع عن شقيقه, لكنّه تلقّى نصيبه من الضرب الذي لم يتوقّف حتى استطاع أحد المعلّمين, بمساعدة رجل من المارّة, إبعاد عمر عن الشقيقين, و أدخلوا التلاميذ الثلاث إلى المدرسة بعد أن تمزّقت ثيابهم و ظهر الدم من بعض الجروح.

صبيحة اليوم التالي, و خلال الاصطفاف الصباحي, أخرج مُستخدم المدرسة كرسيّاً و وضعه في الساحة أمام الطلاب المصطفّين, و بعدها خرج المدير مع عدد من المعلّمين و معهم عمر, الذي أجلسوه على الكرسي و رفعوا ساقيه بعد أن أمروه بخلع حذائه و ضربوه بمسطرة كبيرة عشر مرات على قدميه, في مشهدِ ذكّرني بمشاهد إعدامات "الثّوار" على يد العثمانيين و الفرنسيين في المسلسلات السورية الرمضانية.

بعد الانتهاء من "الفلقة" أمروا عمر بالعودة إلى رتل صفّنا, فلبس عمر حذائه بسرعة و عاد إلى الرتل و هو يبكي بصمت, و عندما أخذ مكانه جلس على الأرض ليربط حذائه و هو يردد مرّة بعد أخرى باكياً: "معليش, فلقة, بس كسرت عينهم". كانت عبارة "كسر العين" دارجة جداً في مدرستنا آنذاك, و كنا نستخدمها لاستفزاز من نغلبهم في مباراة أو في لعبة بقولنا بأننا "كسرنا عينهم".

اختفى عمر من المدرسة بعد تلك الحادثة بيومين, و ترك غيابه دوّامة من الإشاعات خلفه, فبينما قال أحدهم أن "الجنائية" قد قبضت عليه و أودعته سجن الأحداث و حلف و أقسم بأنه شاهده ينزل من سيارة الجنائية ليدخل السجن, قال آخر أن عمر قد فُصل من جميع مدارس المدينة و أنه رحل إلى قرية أصله ليعيش عند عمّه و يذهب هناك إلى المدرسة, و أن المعلومة موثوقة لأن "الآنسة فلانة" قد قالتها لأمه.. لكننا علمنا بعد أيام قليلة أن والده, الذي كان يملك ورشة تصليح مدافئ و بيع أنابيب المداخن المعدنية, قد قرر نقل عمر و أخته إلى مدرسة أخرى قريبة من ورشته. و بقي عمر أسطورةً في مدرستي حيث كنا ندين له بأنه بفضل "ثورته" قررت إدارة المدرسة حلّ "إنكشارية الانضباط" و شددت على المعلّمين بضرورة مراقبة الباحة بأنفسهم عند دورهم في المناوبة.

لم تنقطع علاقتي بعمر بعد نقله, فقد كنا نلتقي دورياً في مباريات فريق نادي الفرات لكرة اليد, و كان قد ترك المدرسة عند انتهاء المرحلة الابتدائية و التحق بورشة والده, لكنني فقدت الصلة به بعدما سافرت إلى اسبانيا.

التقيت بعمر صدفةً مساء أحد أيام زيارتي الأخيرة أمام أحد محلات "الفلافل" الشهيرة في المدينة, و أدخلني بالقوّة لكي نأكل "صندويشة الأيام الخوالي" على حدّ تعبيره, فقد كانت صندويشة ما بعد المباراة طقساً إجبارياً في الماضي, و علمت منه أنه قد أنهى الخدمة الإلزامية و ما زال يعمل في ورشة والده بانتظار الحصول على فيزا للسفر إلى السعودية حيث لديه بعض الأقرباء يعملون في إحدى المدن الجنوبية, فسألته عندها ممازحاً إن كان ينوي تركيب المدافئ في جنوب السعودية فأجابني بتحدٍّ مرح: "برأيك ما أسوّيها (أفعلها)؟"

فأجبته بكلّ جد: " و الله تسوّي أبوها انت..."

..

الصورة