16 حزير 2009

ثلاثائيات -41-



الصباح

دقّوا باب الحكومة الصهيونية طلباً ليد ممدودة, فتلقّوا صفعةً, و لبسوا الباب الموصد بعدها خماراً

أنهى نين ياهو بخطابه المنتظر يوم الأحد أي شكٍ حول إمكانية وجود حل سلمي ضمن الظروف الإقليمية الحالية, فحاول إرضاء بعض الجهات الإعلامية بنطقه كلمة "دولة فلسطينية", لكنّه أتبعها بمجموعة شروط مسبقة غير قابلة للجدل تجعل هذه الدولة مستحيلة الوجود على أرض الواقع.

الأمور واضحة بما يخص عملية السلام: إسرائيل لن تبحث عن السلام طالما لا يوجد هناك ما يجبرها على ذلك, فالواقع الحالي مواتي جداً لها, فهي تحصل بشكل كامل على كل ما تريد دون أن تقدّم أي تنازل, فلماذا سيقدمون التنازلات؟

لا يمكن الحصول على الحقوق المستباحة صهيونياً عن طريق تسوّل الخطابات من الغير, و لا يمكن أن نطلب النصر بثبات و نحنُ نرتدي أسمال الهزيمة. إن كان العربُ فعلاً يبحثون عن الحصول عن الحقوق فعليهم أن يضغطوا و بقوّة, فهذا هو الطريق الوحيد للوصول إليها... عليهم أن يعلنوا بكلّ عزيمة عن أن المقاومة هي حقٌ شرعي لشعب يعاني من احتلال و قهر و ظلم و بطش بدل تجريمها بحجج تتسابق في مضمار الضحالة و التفاهة, و عليهم أن يستخدموا السلاح الاقتصادي الجبّار و خصوصاً في ظل الأزمة المالية العالمية بدل أن يكونوا دجاجة البيض الذهبي للإمبريالية الدولية.

لكن هل فعلاً يريد النظام السياسي العربي أن ينهي القضية؟ نجد الجواب في قراءة الفعل...

و الحرّية لفلسطين...


الظهر

أشارت مجلّة نيوزويك الأمريكية الشهيرة نقلاً عن مصادر سعودية موثوقة إلى أن دعم قوى 14 آذار في الانتخابات اللبنانية الأخيرة قد كلّف السعودية أكثر من 710 مليون دولار, أي أكثر مما كلّفت الحملة الانتخابية لباراك أوباما في الولايات المتّحدة الأمريكية خلال نهاية العام الماضي.

ربما ليس هناك بجديد في الخبر إلا بما يتعلّق بالمبلغ المالي الهائل إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم لبنان كدولة و عدد سكّانها, و لا نحتاج لإطلاق العنان للخيال كثيراً كي نخمّن كمّية المال الذي تم استخدامه بشكل غير شرعي في انتخابات ديمقراطية, فربع هذا المبلغ قد يكفي لفرش كامل أرض لبنان بسجّاد من اللافتات.

لست بصدد شرح سبب فوزهم و لا تبرير هزيمة المعارضة, فأولاً و أخيراً هذا شأن لبناني بحت مهما كانت له أبعاده الدّولية كعادة جارنا ذو الأرز, و لكنني فقط و فقط أقصد من قولي أن مجرّد الشّك في هكذا أمور هو طعنة في ديمقراطيّة انتخاب هو بالنهاية ورقٌ في صندوق, و لا تختصر الديمقراطية و مبادئها و أعرافها في صندوق أصم, فالديمقراطية مصطلحٌ مرادف للنزاهة, إن غابت النزاهة, غابت الديمقراطية.

أقول بصراحةٍ أنني أخشى الخطاب الليبرالي المُسعوَد الذي يحاول أن يسوّق انتصار 14 آذار و كأنه نصرٌ للحرّية و الاستقلال و القرار الوطني, فهو ليس كذلك, و لن يكون كذلك... و هو ابتذالٌ لهذه المعاني السامية الإنسانية.

انتصرت قوى 14 آذار في انتخابات معيّنة حدثت في بلد محدّد هو بالنهاية أسير تاريخه و سجين طبقته السياسية و مقيّدٌ بالنزاعات الدولية فيه, و جعل ما حدث هناك و يحدث, بغضّ النظر عن هويّة المنتصر, رمزاً للديمقراطية و الحرّية و السيادة هو استخفاف بالعقل, ليس إلا.

كملاحظة نهائية, أتساءل إن لم يخطر على بال أحد المتطفّلين على مصطلحات الإنسانية السّامية أن يتساءل و لو في قلبه عمّا إذا كان من الممكن استخدام هذا المال لغاية أسمى, لتحسين ظروف معيشة اللاجئين الفلسطينيين و إعادة اعمار مخيّم نهر البارد, مثلاً...


العصر

يدور جدل في أروقة إدارة العدل الإسبانية و داخل السلك القضائي منذ أشهر حول تعديل القانون الإسباني و تحديد صلاحية القضاء بما يخص ملاحقة جرائم الحرب في دول أخرى, و بدأ هذا الجدل مع قرار القاضي فرناندو أندريو بملاحقة العديد من المسؤولين الإسرائيليين بسبب دورهم في قصف بيت صلاح شحادة و اغتياله و قتل العديد من المدنيين.

الجدل يحدث إلى حدّ كبير بشكل علني, و هو جدل قانوني بحت لا علاقة له بمزاعم إسرائيلية حول تدخّل حكومي إسباني بسبب ضغط دبلوماسي, ففي دولة المؤسسات لا سلطة للحكومة التنفيذية على السلطة القضائية, بل أن أحد القضاة المشاركين في الجدل (بالتسار غارثون) كان له سبق إدخال رئيس الوزراء السابق فيليبي غونثالث قاعة المحكمة بصفة شاهد في قضية "غال" أو المعروفة كذلك بقضيّة الحرب القذرة ضد منظمة إيتا, و كان هذا القاضي نفسه صاحب سبق تاريخي على مستوى أوربا عندما حكم على وزير على رأس عمله بالسجن في ذات القضية, و اقتيد الوزير كوركويرا (وزير الداخلية) من مكتبه في الوزارة إلى السجن.

أنصار تحديد الصلاحيات يقولون أن القضاء الإسباني عاجز عن أن يقوم بدور الرقيب القانوني للعالم أجمع, فالموارد محدودة, و الكادر محدود, و يخشون أن تشكّل القضايا المفتوحة حالياً دعاية تجذب سيلاً من القضايا المشابهة تغرق السلك القضائي الاسباني, الغارق أساساً بسبب تراكم القضايا الداخلية, و يقولون كذلك أن استخدام القضاء الإسباني لهذه الصلاحية يتعارض مع توقيعها على اتفاقية روما الخاصة بإنشاء محكمة العدل الدولية, و هذه هي المحكمة ذات الشأن بجرائم الحرب و قضايا التطهير العرقي و غيرها. عدا عن أن القضاء الاسباني لا يستطيع التحقيق في جرائم وقعت في دول أخرى, لا يمتلك هذه الصلاحية, و لذلك فلا يمكن ممارسة الإجراءات القضائية المعتادة تجاه جريمة ما.

المعترضون على التعديل يدافعون عن هذه الصلاحية و يقولون أن القاضي, كرجل قانون, يمتلك الواجب الأخلاقي بملاحقة الجريمة حيث وجدت, و باستخدام الوسائل المتاحة حتى لو لم تكن كافية, أي أنها قضية مبدأ إنساني قبل أن تكون قضية ملائمات إدارية و إجرائية.

لا تبدو نتيجة الجدل واضحة بعد, و لكنني رغم توافق رأيي مع رأي المعترضين على التعديل (و على رأسهم فرناندو أندريو و بالتسار غارثون) لا أستطيع أن أدافع بحرارة عن واجب اسبانيا تجاه ملاحقة جرائم إسرائيل مثلاً, فذات المجرمين يسرحون و يمرحون و يسوحون في بعض الدول العربية دون أن يعترضهم أحد, و الأقربون أولى بالمعروف.. و بالواجب.. و بالعتاب.


المغرب

كان اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال, و الذي مرّ في الثاني عشر من الشهر الجاري, فرصةً لتذكّر أن تطوّرنا الإنساني لم يصل بعد إلى درجة وضع الطفل خارج أي خطر و تجاذب مصالح, سياسية أم عسكرية أم اقتصادية.

اليونيسيف توثق عن أنه يوجد في العالم ما لا يقل عن 250 مليون طفل عامل, و أكثرهم يعمل بظروف وحشية و تحت سيف أخطار تهدد سلامتهم و نموّهم الجسدي و النفسي السليم.

ما زال الأطفال يستخدمون كجنود مجبرين في معارك تبدو لنا بعيدة و لكنها ليست إلا حروباً طاحنة من أجل مصلحة جهات اقتصادية جبّارة, و نحن زبائن لها (راجع: لعنة الكولتان).

جمعيات حقوق الطفل و حقوق الإنسان العالمية تتحدّث عن حالات موثّقة لعبودية الطفل و استغلاله من قبل شركات عالمية في جنوب شرق آسيا و أفريقيا و أميركا اللاتينية, شركات ألبسة و تجهيزات رياضية و حتى شركات الكترونيات, و هذا الاستعباد واجب المحاربة من قبلنا, فعندما ترى شركة ما أن مبيعاتها قد انخفضت نتيجة مقاطعة احتجاجية على استعباد الطفل فإنها ستجبر على تغيير ممارساتها حفاظاً على مصالحها الاقتصادية..

مرّة أخرى نملك سلاحاً بيدنا... و سلاحٌ ضدنا, في داخلنا : اللامبالاة

لست قادراً على تحديد إن كنت أحتقر أم أشفق على من هو قادر على سرقة الطفولة مقابل المال...


الليل

أين نجد العبرة في أنّ صوت طفلٍ يطغى على صمتِ عشرات الرجال؟

..

الصورة