31 نواران 2009

في بلد الرجال – هشام مطر


كانت الصدفة البحتة وحدها سبب وقوع هذه الرواية بين يديّ, فعليّ أن أقر بأنني لم أكن قد سمعت قبلاً باسم هشام مطر, أو ربما لا أذكر مروره عليّ, و لا شك أنني أشكر هذه الصدفة لمنحها لي فرصة الاستمتاع برواية الكاتب الليبي.

كنت "أنقّب" في رفوف إحدى مكتباتي المفضّلة بحثاً عن لا شيء عندما وقع نظري على اسم عربي يبدو للوهلة الأولى من كنيته شاميّاً, و طبعاً على مبدأ "هذا من جماعتنا" فقد سحبت الكتاب و قرأت خلفيته ثم اشتريته, و عليّ أن أقر بأنه "اكتشاف العام" بالنسبة لي إلى الآن, و لعلّني أتفق مع النقّاد الدوليين في اعتبارهم هذه الرواية أفضل " أول إصدار" لكاتب منذ سنوات عديدة.

هشام جاب الله مطر كاتب ليبي مولود في نيويورك 1970, و هو ابن معتقل سابق في السجون السياسية الليبية, و قد عاش حياته متنقلاً ما بين طرابلس الغرب و القاهرة و الولايات المتحدة, و يقيم حالياً في لندن حيث يحضّر لنشر روايته الثانية بالإضافة إلى كتابات متفرقة في الشعر و المقالة في العديد من الدوريات الناطقة بالعربية و الإنكليزية.


يسرد لنا هشام مطر في روايته قصة طفل ليبي اسمه سليمان يعيش في حيّ شبه مخملي قرب طرابلس الغرب في نهاية عقد السبعينات, والده تاجر مرتاحٌ مادّياً و ناشط من أجل الديمقراطية و الحرّيات في ليبيا ما بعد ثورة الفاتح, و والدته امرأة شابة ذات صحّة نفسية ضعيفة بعض الشيء و مدمنة على الكحول.

يعيش الطفل حالة من الحيرة المستمرة بحثاً عن منطق يتقبّله عقله الصغير لكلّ الدوائر التي ينتمي إليها من أسرة و جيران و أصدقاء و وطن, و ينجح الكاتب إلى حدّ بعيد في السفر بمخيلة القارئ إلى عقل ابن السنوات التسع و طريقة تفكيره و استنتاجه للحلول المنطقية لما يواجهه مع عالمٍ خارجي و داخلي.

لعلّ شخصية الأم في هذه الرواية هي من أنجح الشخصيات الأنثوية التي قرأتُ عنها مؤخراً, فهي شخصية مهزوزة نفسياً و واقعة تحت تأثير الإدمان على الكحول بشكل سرّي, و تعاني من ضياع عاطفي في كلّ ما يخص علاقتها مع زوجها و ابنها أو أهلها, و لو فكّر مخرجٌ في إنتاج فيلم حول هذه الرواية فلعلّ دور الأم يمكن أن يكون "فرصة العمر" لمن تمثّله إن نجحت في إيصال كل ما أوصله الكاتب بشكل جيد.

من المثير للاهتمام في هذه الرواية هو أن "نواة" الرواية موجودة في العلاقة ما بين الأم و الطفل رغم أن الأحداث تتحرّك بتأثير ما يحدث للأب, و هو العنصر الأقل ظهوراً من بين العناصر الرئيسية للرواية.

بالنظر إلى ما يُعرف عن حياة الكاتب يمكن أن نفكّر بأنه قد استخدم خبرته الحياتية في تجسيد شخصية الطفل, و رغم أنه نفى في العديد من المقابلات أن تكون الرواية سرداً لطفولته أو لحياة أسرته إلا أنه لا ينفي أن بعضاً مما عاشه في الطفولة قد ظهر في التفكير الداخلي لشخصية الطفل.

تُرجمت الرواية إلى اللغة الاسبانية بعد ترشيحها للفوز بجائزة مان بوكر البريطانية الشهيرة, و لسبب لا أدريه تم تغيير عنوان الرواية في الترجمة الإسبانية إلى "وحيداً في العالم" (Solo en el Mundo) رغم أن العنوان الأصلي للرواية هو In the Country of Men.

أنتظر رواية هشام مطر الثانية, و التي لا يوجد معلومات عن موعد صدورها بعد, و أعتقد أنه لو استطاع أن يستمر في هذا الأسلوب الشيّق و الممتع و السهل القراءة فإنه سيكون أحد كبار الرواية في الأعوام المقبلة.

..