06 نواران 2009

الأخ الأكبر يراقبك ‏(1984- جورج أورويل)


" بإمكان مَن يسيطر على الماضي أن يمتلك المستقبل, و مَن يتحكّم بالحاضر يستطيع أن يسيطر على الماضي".

ما هو الماضي؟ أو بمعنى آخر, أين نستطيع أن نجد الماضي؟

تتلخّص إسقاطات الماضي على اليوم في نقطتين: الأولى هي الوثائق و الآثار الشاهدة على ما حدث في هذا الماضي, و الثانية هي الذاكرة و ما تخزّن عن الأمس.

هل يمكن لسلطةٍ ما أن تسيطر على الماضي؟

لا شك أنها تستطيع - إن امتلكت الوسائل و عرفت كيفية استخدامها- أن تزوّر الوثائق أو تلغيها, و تستطيع أيضاً أن تحوّر معنى الآثار بشكل يناسبها, لكن.... هل تستطيع هذه السلطة أن تهزم الذاكرة؟

الجواب عند جورج أورويل...



انتهيت منذ يومين من إعادة قراءة رواية 1984 للبريطاني جورج أورويل (1903- 1950) بعد عدّة سنوات من القراءة الأولى التي جاءت ربما أبكر مما يجب, و لكنني أعتقد أنها تركت أثراً كبيراً لديّ و نمّت فضولي تجاه علم الاجتماع السياسي و التداخل بينه و بين علم النفس رغم أنني قرأتها دون أن أعلم شيئاً عنها إلا عنوانها الذي جذب تطابقه مع عام ميلادي فضولي.

تتحدّث الرواية باختصار عن حياة وينستون سميث, مواطنٌ من دولة أوقيانيا (و هي دولة شمولية كبرى من ضمن ثلاث دول تتقاسم العالم عام 1984 حسب الكاتب) يعيش في لندن و يعمل موظفاً في وزارة الحقيقة, إحدى الوزارات الأربع التي تشكّل حكومة الحزب الأوحد, حزب الإنغ سوك أو الاشتراكي الإنكليزي, و تقود الحزب و الدولة شخصية غامضة تدعى "الأخ الأكبر".

يسيطر الأخ الأكبر على جميع تفاصيل حياة سكان أوقيانيا الذين يعيشون تحت المراقبة المستمرة طيلة حياتهم, و يتحكّم بمشاعرهم و يلغي أغلبها مع إبقاء الغضب و الكراهية و الشك بالذات و بالآخرين.

و هنا أتوقف عن الحديث عن مجريات الرواية, فلا أريد ذكر ما لا يجب و إفساد متعة مطالعتها لمن لم يقرأها بعد.

تحوي الرواية على أحداث و مصطلحات و أفكار تدور كلها حول محور آلية استبداد الحكم الشمولي و أساليب السيطرة على حياة المواطنين, ليس فقط بترويضهم عن طريق تنمية الخوف, و إنما بإلغائهم كبشر و إلغاء جميع المشاعر و الأفكار التي يمكن أن تؤدي و لو بشكل بسيط إلى الشك في إمكانية وجود خيار مختلف عن الولاء الكامل للأخ الأكبر و تسليم زمام كل شيء ليده. و لا شك أن قراءتها ممتعة و مفيدة جداً للمهتمّين بعلم النفس أو علم الاجتماع السياسي.

تباينت الآراء و المواقف النقدية تجاه هذه الرواية منذ نُشرت و حتى اليوم, ففي حين رأى بعض النقاد فيها خلاصة فكر جورج أورويل و تتويجاً لأعماله السابقة (مزرعة الحيوانات, مثلاً) رأى البعض الآخر أنها نظرة سوداوية نحو المستقبل ناتجة عن حالة نفسية وقع في أسرها عقلٌ يعاني صاحبه من المراحل الأخيرة من مرض السّل, و هو المرض الذي كان سبب وفاته بعد أقل من عامين من نشر الرواية, و رغم هذا التباين في الآراء إلا أنها تتفق على أنه لا يمكن عزل هذه الرواية عن باقي أعمال أورويل كما أنه يمكن اعتبار وجودها ضمن نتاجه الأدبي طبيعياً (حتمياً, حسب نظرة بعض النقاد) و ضمن حياته الفكرية و الأدبية بشكل عام, فالكاتب هو أحد أبرز مفكّري الحرّيات و الحقوق في القرن العشرين و التزامه بهذه المبادئ و تفانيه في الدفاع عنها سمّة ميّزته خلال حياته و بعد مماته أيضاً.

لا يمكن تجاهل أن هذه الرواية تُعتبر من أفضل ما كُتب في القرن العشرين, و ليس لجماليتها الأدبية (العادية) و إنما لأنها أدخلت مجموعة كبيرة من المصطلحات التي ما زالت مستخدمة في علوم النفس و الاجتماع إلى اليوم مثل "الأخ الأكبر" أو "التفكير المزدوج", و وضعت "رؤوس أقلام" أفكار كثيرة ما زالت إلى اليوم في إطار التداول الفكري.

سهولة رسم متوازيات ما بين أحداث الرواية و مجرياتها و الواقع في كثير من الدول الواقعة تحت القبضة الاستبدادية الشمولية سبّب منعها في الكثير من دول العالم مثل الاتحاد السوفييتي السابق و دول المنظومة الاشتراكية السابقة و الصين و كوريا الشمالية و كوبا و بعض الدول في أفريقيا و أميركا اللاتينية, و لا أعلم إن كانت قد مُنعت في بعض الدول العربية أم لا.

اعتبر بعض نقّاد العقد الخامس من القرن العشرين الرواية عبارة عن هلوسات قريبة من الخيال العلمي, و بعضهم تساءل بشكل جدّي إن كان المرض قد أثّر على أورويل و جعله يكتب الرواية معتقداً أنه يخط نبوءة ستتحقق في المستقبل, و ما زال الكثير من القرّاء(خصوصاً من لا يهتم بالمعنى الفكري و السياسي لما يحاول الكاتب إيصاله) يعتبرها اليوم رواية خيال علمي قديمة و منتهية الصلاحية تحت مسير الحداثة, و نجد هذا النوع من الآراء خصوصاً عند الذين لا يستطيعون, نتيجة غياب الخبرة الحياتية, فهم المقصود من "شرطة الأفكار" في الرواية, مثلاً. و لا ألوم هؤلاء أبداً, بل أنني متيقّن من أنهم محظوظون على عكس الملايين من أبناء المعمورة, و أتمنى كما كان سيتمنى أورويل حتماً, أن تنتهي صلاحية هذه الرواية و مثيلاتها, و أن تتحوّل معاني الاستبداد و الشمولية و الديكتاتورية إلى نفايات عفنة بدون معنى تختفي في مزبلة التاريخ.. و لكن دون أن تمحى من ذاكرة بني البشر كجرمٍ حدث و لا يجب أن يتكرر...


مصدر صورة جورج أورويل

مصدر صورة العنوان