"إشعُر بالفكرة.. فكّر بالشعور"
ميغيل دي أونامونو
______________________________________________

٢٣‏/٠٤‏/٢٠٠٩

تراب الشام... غالي


كم من مرّة رددنا هذه المقولة و شبيهاتها كتعبير عفوي عن إحساسٍ وطني, و كم من القصائد و النصوص التي تمجّد بالشام و أرضها و قيمتها المعنوية في قلوب كل من ولد فيها أو عاش أو حتى زارها فقط..

لكنّ الحديث اليوم ليس عن كلام معنوي و رومانسي إنما عن قيمة مادّية و ماليّة بحتة, فدمشق هي ثامن أغلى مدينة في العالم من حيث ارتفاع سعر العقار التجاري حسب تقرير دولي متخصص, و بالإطلاع السريع على محتوى التقرير نجد أن اسم دمشق يجيء بعد أسماء رنانة مثل لندن أو باريس أو دبي, و يتقدّم على أسماء أسطورية في عالم الاقتصاد مثل نيويورك و سنغافورا.

يقول التقرير أن وسطي سعر المتر المربّع (التجاري) في دمشق هو 979 يورو, أي أن المتر المربّع في شارع متوسّط دمشقي أغلى من سعر نفس المساحة في شارع متوسّط نيويوركي, و نقصد هنا قيم مطلقة و ليست نسبية تنظر إلى مستوى الدخل, فلو وضعنا مستوى الدخل بعين الاعتبار لوجدنا أن المتر المربّع في أي مدينة سورية أغلى من نظيره في أغلب, أو حتى كل عواصم العالم.

من الطبيعي أن يدعو التقرير و محتواه إلى السخرية و الضحك, و هذا أمر صحّي حتى, فهناك من فرح للفوز على نيويورك, و هناك من هنأ نفسه على وجود سوريا في قائمة العشرة الأوائل في شيء ما, و غيرها الكثير من التعليقات الظريفة, و بعد الضحك و السخرية أعتقد أنه يمكننا أن نحاول قراءة الخبر و لو كان بشكل بسيط و حسب المعرفة الاقتصادية السطحية لمواطن عادي.

مفهومي المحدود حول اقتصاد السوق يقول أن السعر يرتفع عندما يقل العرض أو يكثر الطلب أو كلاهما, و في حالة دمشق أعتقد أن كلا العاملين موجودٌ و بقوّة رهيبة و لأسباب كثيرة أغلبها يقع ربما خارج دائرة إمكانية إدراكي, و لكنني أعتقد أنني أفهم بعضها إلى حدٍّ ما.

بطبيعة الحال فإن العرض, في سوق العقار الدمشقي, إن لم يكن قليلاً فهو محدود بسبب محدودية المساحة طبعاً, و ضخامة الطلب أمام العرض الموجود ربما يجعله يبدو أصغر.

ما هي أسباب ضخامة الطلب؟

أعتقد أن الطلب على العقار التجاري في دمشق مطلوب بكثرة لأن دمشق هي الفرصة, و دون الوجود فيها يبدو أنه لا توجد إمكانية للنمو و المنافسة, فنتيجة لسياسات اقتصادية معيّنة فقد تركّز النشاط الصناعي و التجاري السوري في دمشق و ما حولها فقط, و هذا طبيعي إلى حدّ ما, فكل من يرغب بالنمو و المنافسة و الدخول في "لب" الحياة التجارية لا بد أن يكون موجوداً في المركز الحيوي الكبير. لكنّ هذا التيّار نحو العاصمة, الذي لا يمكن مسح وجوده في أي دولة في العالم, يكبر في حالتنا نتيجة التركيز الحكومي على مركزية دمشق و حتمية المرور عبر دمشق من أجل أي شيء كان, فباقي مناطق سورية يبدو أنها ليست إلا ريفاً لدمشق, ربما باستثناء حلب و لكنني أعتقد أنها أيضاً قد فقدت الكثير لصالح دمشق.

توجد في كثير من دول العالم سياسات تقصد حلّ هذه الأزمات تقوم على تشجيع و دعم الانتقال إلى مناطق أخرى بعيداً عن العاصمة, و تحقق هذه السياسات هدفاً مزدوجاً, حيث أنها تخفف الضغط عن العاصمة من جميع النواحي و تقوم أيضاً بتحريك الحياة الاقتصادية لهذه المناطق البعيدة عن العاصمة, و يتم هذا عن طريق سن قوانين تمنح تسهيلات ضريبية أو حوافز اقتصادية للشركات التي تقوم في تلك المناطق البعيدة, أو حتى يمكن أن تحصر نشاطات صناعية معيّنة في هذه المناطق و تمنع مزاولتها في العاصمة و محيطها.

لست متأكداً إن كنت قد قرأت سابقاً عن اتجاهات حكومية في سوريا تخص هذه المسألة, لكن الواقع هو أنه حتى لو وجدت هكذا توجّهات نظريّة فإنها غير موجودة على أرض الواقع, ففي حين تتزاحم الشركات و المصانع في دمشق و محيطها تغرق الجزيرة السورية بصمت في محيط النسيان, و تعاني من أزمة اقتصادية خانقة هي نتيجة تراكب الأزمة العامة مع الجفاف الذي ضرب الزراعة في مقتل, و لا نشاط اقتصادي في تلك المناطق خارج الزراعة و توابعها.

المدهش جداً أنه رغم الارتفاع الرهيب في الأسعار فإن هناك من يشتري العقارات الضخمة و ينفق الثروات على تجهيزها و ديكورها, و هذا يجعلنا ربما نتمنّى لو أننا نجد مصباحاً سحرياً و نطلب من مارده تطبيق قوانين مالية و ضريبية صارمة قائمة على مبدأ "من أين لك هذا"... لكنني أعدل عن هذه الأمنية بعد التفكير... حرصاً على صحّة المواطنين النفسية و العقلية و القلبية لحظة قراءة نتائج التفتيش.

قد أكون ظالماً في حكمي, لكنني أعتقد أنه من المستحيل أو من شبهه أن يجمع أحدٌ في هذه الأيام ثروة طائلة كالثروات الموجودة بين أيادي البعض في وطننا دون أن يكون فاسداً مفسداً, و لا شك أنه يوجد من الاستثناءات الكثير, و لكنني أكاد أجزم أن الغالبية العظمى من حيتان المال في سوريا هم من الفاسدين و اللصوص.

ينام البعض على أكوام الملايين بينما يبحث ابن الجزيرة عن إمكانية الهجرة للعمل في مزارع الأردن و يراها فرصة عمره, هو ابن "مزرعة العالم" في العصور القديمة, و ينهب ثعالب الفساد المليارات من جيوبنا و يسخّرون مالنا في خدمة ترفهم و مخمليتهم في الوقت الذي تقبل فيه سوريا منحة من إمارة دبي قدرها 8 مليون دولار لإقامة مركز إعلامي جديد للتلفزيون...

هل نحتاج لمنحة صغيرة كهذه؟ إنها ثمن عدد قليل جداً من السيارات الفخمة التي تملأ شوارع دمشق, و جاء ثمن أغلبها من حيث ندري كلنا.. أو لا ندري

يقعد هؤلاء اللصوص في مكاتبهم الفخمة (الأغلى من نيويورك... لا تنسوا) المكيّفة المجهّزة بكل شيء من خدم و حشم... في حين يقبع في السجون من يقبع...


و... عَمَــــــــــــــــــــــار يا بلد...


مصدر الصورة

8 تعليقات:

أُمنيّة يقول...

ما يحدث في دمشق جنون.
ابناء دمشق يرحلون للخارج ، وابناء المحافظات يرحلون لدمشق.
في الصيف ليس هناك من سم لتضع قدمك فيه في دمشق...صادف اني مررت بكذا محافظة...اللاذقية وحماه في نفس الشهر..بدت لي المحافظات كانها مدن اشباح.. صمت ..الشوارع فارغة..بينما دمشق لا تنام ليل نهار.
لا استطيع ان اتعرف على هذه المدينة لا من قريب ولا من بعيد..و لا أريد أن اتعرف عليها.الطامة الكبرى ان اسعار السيارات في نزول و اسعار العقارات في صعود..!
و شوارع سوريا كلها ليس مؤهلة لهذه الكمية من السيارات ولا لهذه الكمية من العقارات,.و الدولة لا تقوم بأي شي لمنع هذه الحالة!!

أينما تذهب في دمشق هنا محاضر محاضر محاضر ترتفع و شقق فارغة.. لا احد يشتري.
انا نفسي من عملت في دول الخليج لخمس سنين لم استطع الى الآن اشتري "زريبة" في دمشق، فكيف الحال بمن لم يهاجروا!!
اشتقت لدمشق التسعينيات.
ما عم افهم شو اخرتها

رجل من ورق يقول...

اخ يا رهف ويا ياسين
البلد ما عادت بلدنا صارت بلد ناس تانيين
لا عادت الشعلان شعلان ولا الحمرا حمرا ولا باب توما
صارت لناس تانية غيرنا نحنا ونحنا يعني اهل البلد حزب الاكلين هوا بالارض

سلامي

syriangavroche يقول...

أمنية, طارق:


أشكركما على المتابعة و الاهتمام و التعليق بخصوص هذا الموضوع


مودّتي

hadi يقول...

عمت مساء صديقي الغالي
البارحة و صلني ايميل من احد اصحابي معنون على الشكل التالي:
دمشق بعد باريس و قبل نيويورك
يصراحة دار بخاطري عدة امور ولكن قدراتي العقيلة لم تسعفبني للاهتداء الى الجواب و عندما قرات الايميل ورد الى ذهني اشياء كثيرة منها مثلا
عندما يكون الاستقصاء بين 52 دولة و عندما تكتب النيو اوفيس سبيس تقرير كهذا دليل ان العالم يدركون حقيقة الواقع الاقتصادي لبلدنا الكل و اولهم تجار البناء يشتكون حاليا و ركود خانق حيث لا بيع و لا شراء و لا توجد قوانين تنظم سوق العقارات و كل واحد بغني ما يحلو له..... انا و انت و الكل يدري ان مدينتنا هذه فيها مظاهر اسراف و غنى فاحش صديقي اعلم ان اسعار بعض الفيلات بالاحياء الراقية يضاهي المنحةالاماراتية و لو تحدثنا بلغة المنطق و فرضنا ان مالك هذا العقار جمد من راسماله الربع فقط لعقاراته و سياراته اي انه قادر على بناء اربع مباني جديد لهيئة الاذاعة و التلفزيون السوري و لكن
و لكن مغهومه لدعم الاقتصاد الوطني ياتي بطريقة السحب لا المنح
تدري: ان كنت تدري فتلك مصيبة و ان كنت لا تدري فالمصيبة اعظم و نحنا كلنا ندري
و عندما تسال من اين لهم هذا فانت انسان عاقل و لك الحق بطرح ما شاء لك من اسئلة طلبا للحصول على جواب مقنع هنا تصطدم بالخرافات القائلة انه تعب و جاهد بحياته و ان الرزق من عند الله ادرك تماما انهم يدرون
السماء لا تمطر ذهبا !!!!!!!!!!!
انا لا انتظر ذهبها و كل غايتي جواب يقنعني ......اتراني محق بطلبي

دمت بخير صديقي

syriangavroche يقول...

هادي!


شكراً لك على زيارتك يا صديقي..

طبعاً أنت محقٌ في طلبك الذي هو من ناحية أخرى من البديهي أن يخرج من إنسان يمتلك عقلاً يفكر و ضميراً ينبض حياةً...


مع الشكر و التحية

مظفر البقاعي يقول...

أي تجاره ممكن ان تحتمل الخساره الا تجاره العقار في الشام..

هذه الحكمه سمعتها من أكثر من شخص .. وكان شغلهم الشاغل هو شراء أراضي ولو في ضواحي دمشق لأنهم على علم بأن اسعار هذه الأراضي ستزداد عشره أضعاف

---- لكن بيت بالمالكي بميه وخمسين مليون ليره !!!! ----

غير معرف يقول...

عَمَــــــــــــــــــــــار يا بلد

أبو وطن يقول...

عذرا ظهر التعليق الأول باسم غير معروف