2009/03/26

عقدة ستوكهولم و إسقاطها الاجتماعي - السياسي


عقدة ستوكهولم باختصار هي مجموعة أعراض تظهر عند أغلب ضحايا الاختطاف و الاحتجاز غير القانوني تجعلهم يتعاطفون مع خاطفيهم بل وقد يتضامنون معهم و يساعدونهم في تحقيق ما يريدون, أو الدفاع عنهم و عن موقفهم حتى لو كانوا هم ضحاياهم, و تلقّت هذه العقدة اسم عاصمة السويد لأنها كانت مسرح عملية اختطاف عام 1973 عندما احتجزت مجموعة مسلّحة العديد من الموظفين و الزبائن طوال ستة أيام في مقر أحد البنوك, و عند نهاية الاحتجاز و تسليم أعضاء العصابة أنفسهم التقطت الكاميرات صورة امرأة من بين المحتجزين تودّع الخاطفين بحرارة و حنان, فكانت هذه اللقطة رمزاً لهذه العقدة النفسية و على إثرها تم اختيار اسم ستوكهولم.

يحدد علم النفس أسباب تعاطف الضحية مع خاطفها في نقاط عديدة, الأولى هي أن كلاهما (الضحية و الخاطف) يأملان الخروج من حالة الخطر بأقل الخسائر الممكنة, و لذلك ينشأ بينهما ارتباط نفسي هو عبارة عن "تضامن متبادل", و النقطة الثانية تتحدّث عن غريزة الضحية لحماية نفسها ضمن وضع هو خارج السيطرة (و يقصد بخارج السيطرة ليس فقط الأحداث و إنما حتى الفهم النفسي للحالة) و لذلك تحاول جاهدة أن لا تغضب الخاطف, و النقطة الثالثة تقول أن الخاطف يبدو دوماً أمام الضحية و كأنه "فاعل خير" لا يريد أن يقوم بما "لا يريده" و لكنه مجبرٌ عليه مما يدفع الضحية لا شعورياً إلى "تفهّم" موقف الخاطف و مطالبه التي دفعته إلى القيام بهذا الأمر, أو بمعنى آخر فإن الضحية تقنع نفسها بأن الخاطف لا يريد إلحاق الأذى بها و إنما هي الظروف التي جعلته يضطر لاختطافها, أما النقطة الرابعة و الأخيرة فهي فرويدية إلى حدٍّ ما لأنها تُرجع شعور المخطوف إلى آلية تفكير طفولية تشبه طريقة تفكير و تصرّف الطفل حيال الأب الغاضب, فالطفل يعلم أنه يحتاج للأب و رؤيته غاضباً تشعره بالخوف, فتنشأ في مخيلته علاقة بين سوء تصرّفه و غضب الأب, و لذلك فإنه يحاول التصرّف بشكل جيد و عاقل كي لا يغضب الأب منه.

تجدر الإشارة إلى أن عقدة ستوكهولم ليست حالة مرضيّة أبداً بل هي آلية من ضمن مجموعة آليات كثيرة يمكن أن يلجأ إليها العقل البشري لحماية نفسه في حالات الشدّة و الخطر, و لا يمكن الربط بين إمكانية حدوثها و المستوى الثقافي و التعليمي للفرد بل أنها مستقلّة عن هذا الأمر.

السبب الوحيد لجعل الخطف تمثيلاً لعقدة ستوكهولم هو أنها تنشأ بسرعة و تكون لذلك أكثر لفتاً للانتباه ربما حتى للضحية نفسها, لكن هذه الآلية النفسية ذاتها تتكرر في حالات أخرى كثيرة كضحايا العنف المنزلي و أعضاء جماعات شبه دينية مشبوهة (Sects).

ما سلف و حتى هذه النقطة هو التعريف العلمي لعقدة ستوكهولم, و ما يلي عبارة عن آراء شخصية لا تستند بغالبيتها على حقائق علمية مثبتة و إنما هي مجرد (صف سوالف من عندي).

أعتقد شخصياً أنه من الممكن تطبيق المعلومات التي لدينا عن عقدة ستوكهولم في الأفراد على مجتمعات كاملة و لا نحتاج لتغيير شيء أبداً, أو ربما نحتاج لإضافة مبررات و براهين لشرح بعض الظواهر الإضافية, لكن نواة هذه النظرية تنطبق تماماً, أعتقد.

لننظر إلى أي مجتمع محكوم بنظام شمولي بشكل واقعي و نحاول ألا نتأثر بأي إيديولوجية سياسية و نتساءل جدياً: هل يكفي الخوف لتبرير طريقة تصرّف هذه المجتمعات تجاه من يحكمها بشكل استبدادي؟ لو طُلب مني الإجابة فسأجيب نفياً.

لا شك أن للخوف دوراً في توطيد الحكم "النفسي" للأنظمة الشمولية النفسي على المجتمعات, و لكنه ليس وحيداً بل يمكن حتى إدراجه كلاحقة لما هو أشمل برأيي, و أقصد بذلك الإسقاط الاجتماعي لعقدة ستوكهولم.

لنعد إلى الأسباب التي وضعها علماء النفس لعقدة ستوكهولم و سنجد أنها تنطبق على حالات عملية كثيرة في نطاق العلاقة بين النظام الشمولي و المجتمع الذي يحكمه, فالنقطة الأولى مثلاً و التي تقصد أن الخاطف و الضحية يتأملان الخروج من "الحالة" بأقل الخسائر تنطبق تماماً برأيي على أي علاقة بين أي نظام حكم شمولي (ديكتاتوري ظاهراً أم باطناً) و المجتمع, فالتهديد و التلويح بعدو خارجي قد يكون دولة أو جماعة أو حتى فكرة كانت على مر العصور خطة الكثير من الأنظمة لتطويع شعوبها, فالنظام يسعى لتسويق أن هذا العدو المزعوم (أو الحقيقي) الذي يخاف المجتمع منه بشدّة يريد أن يقضي على النظام و لذلك فإنه سيدافع عن نفسه فتنشأ عقيدة لدى المجتمع بأن (سلامة الشعب من سلامة النظام) فلو استطاع النظام التصدّي لهذا العدو فإن ذلك سيكون سلامة و نجاة للنظام و الشعب.

طريقة استخدام العدو الخارجي لترويع الشعب و تطويعه ليست حكراً على الأنظمة الاستبدادية الشمولية, فلننظر كيف استخدمت الولايات المتحدة الشيوعية ثم "الإرهاب الإسلامي" على مدى عقود لإدخال عقيدة الخوف من الخطر المحدّق في عقليات شعبها و بالتالي الحصول على "تبرير" لأمور لا تدخل ضمن المبادئ التي يفترض أن على حكومة دولة ديمقراطية ألا تخالفها.

النقطة الثانية و هي حماية النفس في سياق وضع خارج السيطرة و محاولة عدم إغضاب الخاطف يمكن اعتبارها مجازاً "خوفاً", و لذلك قلت سابقاً أن الخوف وحده لا يبرر و إنما يمكن حتى اعتباره جزئياً داخل نظرية أشمل.

النقطة الثالثة برأيي هي حجر الزاوية في هذه النظرية الإسقاطية, و قبل شرح ما أقصد سأروي إحدى المضاعفات النفسية لضحايا الاختطاف: في كثير من الحالات مثل خطف الطائرات أو حتى الاحتجاز ضمن أبنية يكون هناك من ضمن الحضور من لا يشلّه الرعب (كخطوة أولى للدخول النفسي في عقدة ستوكهولم) فيقوم بممانعة المعتدين فعلاً أو لفظاً, و ربما لا يقوم بفعل شيء يهددهم حقيقة لكنه يتحدّاهم بالنظرات و الكلام و يشتمهم مثلاً, مما يؤدي إلى أن يبعده الخاطفون عن باقي المحتجزين, أو يربطوه بشكل أقسى من البقية, أو يغلقون له فمه, أو يمكن حتى أن يقتلوه ليتخلّصوا من إزعاجه.

في المتابعة النفسية للمخطوفين بعد تحريرهم, يعاني الكثيرون منهم شعوراً بالندم لأنهم في لحظةٍ ما قد برروا أو شعروا بالارتياح عندما قام الخاطفون بإسكات هذا "الممانع", و يشرح المخطوف هذا التبرير أو الارتياح بقوله أن هذا الممانع كان يعرّض نفسه و الجميع للخطر نتيجة استهتاره و تهوّره الذي لم يجده و لم ينفعه بشيء, و أن هذا الممانع قد "جنى على نفسه" لأنه لو لم يتهوّر بهذه الطريقة لخرج سليماً كما خرجنا, أي بمعنى آخر يريد القول بأن الخاطفين ليسوا أشراراً لأنهم لم يقسوا على من "تصرّف بعقلانية" لكن هذا الممانع, حتى لو كان على حق بممانعته, قد "استفزّهم و أجبرهم على فعل ما كانوا لا يريدون فعله", و الكثير منهم يعترف أنه كان يريد التوقف عن سماع و مشاهدة هذا الممانع لأنه عندما كان يراه كان يحس بأنه جبان لأن خوفه يمنعه من فعل الشيء ذاته, فيشعر بالإعجاب تجاه شجاعة هذا الشخص و لكنه يريد أن يتجاهله كي لا يشعر بالوضاعة أمامه لأنه لم يستطع التغلب على خوفه.

أعتقد أننا نجد ما سلف ذكره مطبّقاً على الفكر العام لأي مجتمع يقبع تحت سلطة الاستبداد, و نجد نفس الأفكار في رأي السواد الأعظم من أفراد هذا المجتمع نحو مجموعة "المعارضين" لهذا النظام, فبدون أن يدخلوا في الحيثيات الفكرية لهؤلاء المعارضين و تطابقها مع طريقة تفكيرهم فإنهم يبررون بشكل ما أن يتم قمعهم لأسباب كثيرة مشابهة في جوهرها ما يتحدّث عنه ضحايا الخطف و قد تختلف قليلاً في الشكل و الصياغة بين دولة و أخرى, و مجتمع و آخر.

أما بخصوص النقطة الأخيرة و هي التفسير "الفرويدي" حول أن نظرة المخطوف نحو الخاطف تتحوّل إلى ما يشبه نظرة الطفل نحو الأب الغاضب, فهذه النقطة ربما لا تبدو واضحة جداً أو بيّنة في حالة الخطف بالنسبة للأفراد, و لكننا نراها واضحة جداً برأيي عندما نبحث عنها في سياق إسقاط عقدة ستوكهولم على مجتمع بأكمله, ففكرة أن الطاغية "أب" لأفراد شعبه, حنون مع من يكون عاقلاً و عصبياً مع من "يشاغب" و يستحق العقوبة قديمة جداً, و ربما تكون قد ظهرت تاريخياً عندما بدأت فكرة ألوهية الحاكم تفقد تأثيراً لدى الشعب, و تتكرر, منذ عقود طويلة, و في مختلف الدول الشمولية المواد الدعائية من أشعار و نصوص و بروباغندا تدعو القائد بالأب و الشعب بأبنائه, و هنا تكمن برأيي مادة جيّدة لدراسة انتروبولوجيّة للبحث عن أصل هذا التشبيه ضمن نطاق "أدب البلاط": هل كتبه أحد عباقرة علم النفس, (ماكيافيللي سيكولوجي مجهول) في قديم الزمان للاستفادة من مفعوله؟ أم كتبه أديب أو شاعر تسيطر عقدة ستوكهولم على عقله؟

عندما نعالج فكرة انتقال شعب - سياسياً- من حالة التبعية إلى حالة الشراكة, أو بالأحرى من نظام حكم ديكتاتوري أو شمولي إلى مجتمع ديمقراطي, يجب أن نأخذ بعين الاعتبار مسألة الحالة النفسية للرأي العام لهذا المجتمع و نتائج هذا الحكم الديكتاتوري على الصعيد النفسي, و تبعيات الحالة النفسو اجتماعية السيئة كبيرة جداً, و أعتقد أن الاستخفاف بها خطأ خطير, فلا أعتقد أن المعرفة و الخبرة السياسية هي الأهم في هذا الانتقال لأن أفضل طريقة لنشوء هذه المعرفة هي التجربة, أما الجانب النفسي (و ضمنه عقدة ستوكهولم "الاجتماعية") فيحتاج إلى جهد و اهتمام أكبر.

و ختاماً... أعتقد أن جميعنا قد عانى في فترة ما من حياته, أو يعاني, من عقدة ستوكهولم, قد يكون واعياً لها أم لا, و قد تكون نتيجة لـ "اختطاف" خارجي أو داخلي, و هذا ما سوف "نصفن" فيه في جلسة مقبلة.

..