
ذات يومٍ خارجٍ من قلب خريفٍ كئيب, و بين الرياح المصفّرة المحمّلة برمال الصحراء القريبة, هذه الرمال التي تسبب دموع من لا يبكي لحزنٍ أو لألمٍ.. أو لفرح, خرج رجلٌ عجوزٌ من بيته مذعوراً مرتعداً و توجّه بأسرع ما يستطيع جسمه المثقّل بوزن السنين و الأمراض نحو الساحة الرئيسية و هو يصرخ: التماسيح.. التماسيح, التماسيح قادمة. و هكذا مرّة بعد أخرى تكررت صرخاته في طريقه نحو مقصده, تلاحقه أعين جيرانه المذهولة و الأطفال المتراكضين وراءه و الذين أثار فضولهم مشهدُ عجوزٍ يجري, أو يحاول أن يجري..
وصل الشيخ إلى الساحة و افترش أرضها ليلتقط أنفاسه بعد الجهد الشديد, و سرعان ما تجمّع الناس و تحلّقوا حوله يسألونه عمّا به, و بعد لحظات كادت أن تكون طويلة عاد إلى صرخته الأولى:" التماسيح.. التماسيح".
فسأله أحدهم: اهدأ يا رجل و أخبرنا ما حلّ بك كي تكون مذعوراً هكذا, ما قصّة التماسيح؟
فأجابه العجوز: ارفعوا المتاريس, احفروا الخنادق, سنّوا سيوفكم فالتماسيح قادمة.
و من داخل الاستغراب العام لكلمات العجوز سألت امرأة: عن أي تماسيح تتحدّث؟
فردّ عليها المسنّ المذعور: التماسيح يا بلهاء, قادمون يريدون أكلنا جميعاً على مأدبة احتفالهم بالاستيلاء على القرية. و كان الرد على كلماته طوفان همهمة و ضحك مكتوم و عيون تتحدّث بلهجة جامعة ما بين الاستغراب و السخرية.
أعادوا سؤاله: هل أصابك شيء؟ هل وقعتَ على رأسك أيها الشيخ الضعيف؟ مالك تتحدّثُ عن أمورٍ لا منطق لها و لا معنى, فلا توجد تماسيحٌ في بيئتنا الجافة و لم ير أي واحد منّا تمساحاً في حياته؟
فكرّر العجوز كلامه مرّة أخرى بصوت أعلى و بنبرةٍ غاضبةٍ رداً على التشكيك في نبوءته. و عندها بدأ الحضور بالضحك بصوت عالٍ و بالسخرية منه و من خزعبلاته, ثم انصرفوا عنه جميعاً إلا جارةً ساعدته على القيام و طلبت منه أن يرافقها إلى المنزل, لكنه رفض عرضها بجفاء و شتمها و شتم غباءها و غباء أهل القرية جميعاً, فتجاهلته و انصرفت عنه و هي تقول بأسى: قد جنّ المسكين.. استوطن الخرف عقله العجوز و صار يرتجف كركبتيه الضعيفتين.
و على مدى الأيام تكرر تحذير الرجل لأهل قريته, و تكرّر الضحكُ من هلوساته و خرفه حتى أصبح طرفة أهل القرية, و لعلّه كان سبب الضحك الوحيد منذ أعوام طويلة, فالجفاف قد قتل الزرع... و الضحك..
كان الرجل يخرج إلى الساحة يومياً ليعيد على مسامع أهل قريته نبوءته و تحذيره من الغزو القادم.. من الخطر القاتل الذي سيطلّ قريباً جداً, ثم يعود إلى داره الخربة و يركض على أعقابه الأطفال و هم ينادونه بـ "أبو تمساح المجنون"..
و بعد أربعين ليلة من النبوءة الأولى... أطلّت آلاف التماسيح قادمةً من الشرق
دخلت القرية قبل الفجر... و التهمت في دقائق معدودة أهل القرية أجمعين.. لم ترحم المجزرة شيخاً و لم تعطف على طفلٍ...
التهموهم جميعاً... إلا الشيخ العجوز...
بعد شروق الشمس أخرجت التماسيح الشيخ من داره.. غسلوه و أطعموه أطيب المأكولات.. و أكسوه من أفخر أنواع الجلود و الحرير... و أهدوه منزل العمدة ليسكن به.
ثم جاء كبيرهم لزيارته.. و أهداه الذهب و الفضة و المجوهرات و الزمرّد و الياقوت...
و بعد معسول الكلام و جميل الخطاب... أعطوه مفتاح الخزنة السرّية.. الخزنة التي تخبئ فيها التماسيح... دموعها
..







5 تعليقات:
متل ما قلتلك مـسبقا, الـبعد الفلسـفي اللي فيها يـطغي على بـساطه العجوز :) ..
عميقة عميقة عميقة
يا إلهي عهل التدوينة ...
بين سخريتهم منه وبين الواقع المرّ اللي ما خلاهم حتى يكملوا آخر كلمة ... أتتهم التماسيح في الفجر ... ولم يبق الا العجوز ...
وجاء العجوز للعجوز بالمفتاح ...
يا عزيزي ... بدها صفنة طويلة ...
تحياتي لكلماتك ...
أشكركم جميعاً, أصدقائي, على تعليقاتكم و كلماتكم, و اعذروني لتأخري بالرد
محبّتي
قراتها اكتر من مرة
وصلني معنى كبير
لوصلت هون
على التعليق
بفضل الصمت
لانها ما بدها تعليق
إرسال تعليق