18 شباط 2009

حديثٌ يطول.. عن الديمقراطية


لا شك أن التدوين هو مجالٌ رائعٌ لتبادل الأفكار, الحديث و الدردشة و المناقشة, سرد الخبرات, الإفادة و الاستفادة, و هو أسلوب حضاري تقتضي الاستفادة منه استخدامه بالشكل الأمثل, أو بالأحرى أقرب ما نستطيع الوصول إليه إلى الشكل الأمثل, فميّزة المدوّن, و أحياناً مشكلته, أنه ليس محترفاً بل هاوٍ, و أقول ميّزة لأنه لا يكتب ليكسب, بل يكتب لأنه يريد أن يكتب, لأنه يحب أن يكتب و بالتالي لديه أفكار يعمل عليها و يرتّبها و يحوّلها كلاماً يدرجه في هذه المساحة الصغيرة, الشخصية أحياناً و العامّة أحياناً, و أقول مشكلة لأن طبع الهواية يقتضي أننا ,في أغلب الأحيان, لانملك الوقت الكثير لها, فأمام الهواية توجد مسؤوليات دراسيّة أو عملية أو من أيّ نوعٍ كان.

يقع المدوّنون, و أنا منهم طبعاً, أحيان كثيرة في خطأ اعتبار التدوين مجرّد كتابة ما نريد سرده, و أحياناً يكون مصدر إزعاج لبعضنا و للأسف أن يأتي أحدٌ ليخالف رأينا و ينقض ما نقول, و ربما يعود هذا الإزعاج في حالات معيّنة إلى اللغة الاستفزازية, أو التي نعتبرها استفزازية لمن يخالفنا, و لكن بالنهاية أعتقد أن خلاصة التدوين تأتي هنا, أن تقول ما تفكّر و تسمع ما يفكّره الآخرون, فهنا تكمن الفائدة, إن كان بملاحظة ما قد لا تعرفه في كلام الآخرين أو حتى بالدفاع عن وجهة نظرك لأنك مقتنعٌ بأنها صحيحة, و هذا يبقى مجرد رأي, و الرأي كما قلت سابقاً ليس حجراً يفجّ رأس أحدٍ.

أستغّل الفرصة الآن قبل الدخول في الموضوع للرد على شخصٍ احترمه رغم تباين آرائنا, و الذي راسلني اليوم و أسعدني معرفة أن شخصاً بأهميته الفكرية و شهرته يتابع مدوّنتي حتى لو كانت رسالته عتاباً, ففي سياق تدوينتي السابقة ثلاثائيات -24- كنت قد عبت على أحد كتّاب المتشبّهين بالليبراليّة لاستخدامه لغةً اقصائيّة و بشعة لوصف أصحاب الرأي المخالف, و قد عاتبني هذا الصديق العزيز (الذي أتشرّف بصداقته بعد توضيح وجهة نظري بريدياً و بعد طلبي منه الإذن لنقل ذات الرّد إلى العلن) على أنني أركّز على اللهجة السيئة لفريق على حساب فريق آخر, و نقل لي مقاطع من مقالات لكتّاب الممانعة تستخدم نفس اللغة و نفس اللهجة. ردّي على هذا القول أنني أعيب على الجميع هذا الشيء طبعاً, و كنت أعتقد أن موقفي المدافع عن حرّية الرأي و التعبير كان واضحاً منذ أن اعترضت على "قائمة العار" التي صاغها البعض و ضمّت الكتّاب "الخونة" حسب رأيهم, فلفظ التخوين هو أبشع تجميع لحروف اللغة, و لو أخذنا بمحمل الجد هذا اللفظ في كل مرّة قيل لكنّا جميعنا خونة بالنتيجة, ففريق يخوّن فريقاً, و فريق يزاود على فريق.

نعم, أعيب على الكثيرين بعض كلامهم و ربما أهاجمه بقسوة و شراسة و خصوصاً إن حمل طابع التزوير و التلفيق و الخداع, لكنني لم و لن أدعم لا فكرياً و لا عمليّاً أي أسلوب من أساليب الإلغاء ضد أي كلمة, مهما كانت هذه الكلمة, فالكلمة لا تؤذي أحداً, بل أن الصمت مؤذٍ أكثر من الكلام في أغلب الأحيان.

احتراماً لرغبة الصديق المراسل فإنني أعتذر عن ذكر اسمه, و لكنني أستغل الفرصة لشكره على المتابعة و دعوته لأن يهديني متعة اعتراضه متى ما شاء.

نعود الآن إلى الموضوع, رغم أنه لا يختلف كثيراً في الجوهر عمّا سلف.

استمتع شخصياً عندما افتح بريدي في اليوم التالي لكتابة مقال و أجد رسائل أو تعليقات تناقش هذا المقال, فلم لا, هذا يرضيني, يرضيني لأنني أثمّن جداً أن يخصص أي شخص وقته لقراءة ما أكتب, و يسعدني جداً إن علمت أن ما كتبت قد شكّل دعوة لأي شخص للتفكير أو التحليل, و طبعاً تزود هذه السعادة عندما يعلمني هذا الشخص بهذا الشيء, و هذا لا ينقص أبداً من أهميّة القرّاء الصامتين طبعاً, و لكن الطابع التفاعلي للتدوين هو متعة مضافة و جميلة جداً, و جل ما يؤسفني ألا أمتلك الوقت الكافي لممارستها بكثافة أكبر, فوقتي بالكاد يسمح لي بمتابعة بعض المدوّنات و أحياناً أتأخر بالرد على الكثير من التعليقات لأسباب خارجة عن إرادتي.

مناسبة بداية هذا الحديث الذي سيطول هي رسالة لطيفة جداً تلقيتها من زميلنا في التدوين مستر بلوند منذ أيام عديدة رداً على مقالتي "قليلٌ من الغيرة", رسالة أشكره جزيل الشكر عليها كما أرجوه أن يعذرني على التأخر بالرد عليها بسبب ضيق وقتي في الأسابيع الماضية.

في هذه الرسالة, تحدّث صديقي العزيز عن رأيه بأن شعباً من شعوبنا ليس جاهزاً لأن يكون لديه ديمقراطية مثل التي يتمتّع بها شعبٌ غربي مثل الشعب الإسباني الذي تدور المقالة عن إحدى ممارساته الديمقراطية في مساءلة مسؤوليه تلفزيونياً بل و إحراجهم بالأسئلة و الاستجوابات, فرددت على العزيز أحمد بعد احترام رأيه بأنني أعتقد بأنه يظلم الديمقراطية عندما يحصر هذا المفهوم الواسع الشاسع في مسألة حرّية التعبير, و بالأخص حريّة التعبير المسؤولة, فهذه برأيي نتيجة للديمقراطية و ليست الديمقراطية بحدّ ذاتها. فكان رده بأنه ينتظر مني مقالاً عن الديمقراطية وعدته به بسعادة و شكر على اهتمامه بتفكيري و معلوماتي, و للأسف تأخرت عليه و لكن أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي كما يقال.

لا يسهل عليّ أبداً الحديث عن الديمقراطية, ربما بسبب طريقة رؤيتي لهذا المصطلح السامي, و لا أرغب كذلك أن يكون كلامي عنه ربطاً لموقف سياسي أو غيره, فأنا عبارة عن شاب يحاول أن يفكّر فقط لا غير, لا أنتمي و لن أنتمي لأي حزب أو تيّار سياسي مهما كان هذا الحزب و مهما كان هذا التيّار, أفضّل أن أنظر إلى كل مسألة أو قضية من زاوية طريقة تفكيري و إيديولوجيتي الشخصية و ليس بناءً على قالبٍ يضعه حزب ما طبقاً لمصالحه السياسيّة.

على كلّ حال, أقل زاوية تهمني من الديمقراطية هي الزاوية السياسية, فهي ليست إلا جزءً, لن أقول بسيطاً, و لكنه جزء فقط, و هنا تبدأ إشكالية الفهم الديمقراطي عندما يتم فهم الديمقراطية بأنها مجرّد سياسة.

لستُ مرجعيّةً فكرية و أنا بعيدٌ كلّ البعد عن إعطاء دروس أو عظات لأحد, أيّاًَ كان, فقط سأحاول كتابة فكرتي عن الديمقراطية في هذه المقالة و في مقالات تابعة ربما.

الديمقراطية هي أسلوب حياة اجتماعية و شعبية, هي أساس لعلاقة ما بين الفرد و الجماعة, و ما بين الجماعة و السلطة الناظمة لشؤون هذه الجماعة, هي انتقال من علاقة التبعيّة إلى علاقة الشراكة, ففي أي مجتمع ديمقراطي يكون المواطن جزءً في الوطن و شريكاً فيه, و كأي شريك في أي مصلحة جماعية فإن عليه واجبات لحسن سير هذه المصلحة, و الحقوق التي يحصل عليها هذا المواطن ليست إلا الأرباح الناتجة عن حسن سير هذه المصلحة نتيجة القيام بالواجبات.

نستطيع الحديث كثيراً عن الديمقراطية, لكنه لن يكون حديثاً مجدياً إن لم نبدأ منذ الأساس, أي من مفهوم المواطن و معنى المواطنة, و يجب أن نبدأ في هذا المجال بالحديث عن معنى كلمة "شعب".

الشعب, هذه الكلمة التي استعملوها حتى صار استعمالها ابتذالاً و سخرية, ربما هي الكلمة الأكثر غموضاً لدينا جميعاً, و الشعب مظلوم في فكرنا الاجتماعي برأيي, إن كان الشعب كمصطلح أو الشعب كمجموعة من الناس, فالأقسام الثلاثة من أي شعب تفصل بعضها عن بعض عندما يجب أن تكون متلاحمة متراصّة.

تحدّثت أعلاه عن ثلاثة أقسام لأي شعب, و عليّ قبل الحديث عنها أن أوضّح أنها ليست أقساماً واضحة الحدود, بل أن الحالة الصحيحة هي أن تكون متداخلة متلاحمة تماماً لسير المجتمع الصحيح, و هذه الأقسام هي التالية:

- السلطة: هناك قسم من المجتمع يتولّى إدارياً قيادة هذا المجتمع و هذا الشعب, طبقاً لأسس منظِّمة لهذه العلاقة القيادية, و هذه الأسس الثابتة هي محور هذه العلاقة و هي الناظمة لها.

تحديد السلطة, أو بالأحرى تحديد من يدخل في هذا القسم و بأي درجة, هو الجانب السياسي للعلاقة الاجتماعية, و بالتالي هو الجانب السياسي للديمقراطية, و أود أن أتركه للنهاية لأنه عندما يكون باقي الهرم صحيحاً فإن مصير هذا الجانب هو الصحّة.

- الطليعة: في أي شعب يجب أن يكون هناك طليعة, لنسمّها مثقفة أو واعية أو مفكّرة, و هي المسؤولة الأولى و الأخيرة عن رقابة صحة العلاقة ما بين السلطة و باقي الشعب, و يجب أن تكون منفصلة تماماً عن السلطة و لكن متعاونة معها, و يجب أن تكون متصالحة مع الشعب و متفهّمة لحاجاته.

- باقي أفراد الشعب.

ليلاحظ القراء أنني لا أتحدّث عن طبقات بل عن أقسام, بمعنى أن الأقسام الثلاثة تحمل ذات الأهمية و لا يمكن أن يوجد شعب صحيح بدون وجود أحد هذه الأقسام,و يمكن أن يبدو للوهلة الأولى أن هذا التقسيم سطحي و لا يشمل الجميع و لكنني أدعو لمتابعة هذه الدراسة السريعة و سيلاحظ الأخوة أن هذا التقسيم يشمل الجميع. هذه الأقسام كما ذكرت سابقاً متلاحمة و متداخلة, فلا يمكن استيراد أحدها أو تصديره, و لا يمكن فصلها بشكل واضح دون الوقوع في أخطاء بنيوية قد تكون نتائجها مدمّرة لهذا الشعب.

إن أساس تنظيم شعب ما هو حسن سير العلاقة ما بين الأقسام الثلاثة, و لضيق الوقت سأتطرّق اليوم فقط للعلاقة ما بين القسمين الثاني و الثالث, أي الطليعة أو النخبة و باقي الشعب.

أعتقد أن العلاقة بين الطليعة الاجتماعية و الشعب هي أهم بند في العلاقات الاجتماعية, و لعلّها أهم حتى من علاقة السلطة مع أي منهما, فلا يمكن لسلطة فاسدة مهما كانت قوية أن تقف بوجه علاقة صحيحة ما بين الطليعة و الشعب. و هذه العلاقة الصحيحة بوجه السلطة الفاسدة هي شرارة أي ثورة حدثت على مرّ التاريخ بغض النظر عن طريقة تطوّرها و سير أحداثها بعد ذلك, و كل سلطة مستبدّة تعلم هذا الأمر فتعمل على ضرب هذه العلاقة, إن كان عن طريق كبت الطليعة أو إفسادها أو إبعادها بالترغيب أو بالترهيب عن مهامها تجاه الشعب.

أفضّل شخصياً عند الحديث عن القسم الثاني أن أسمّيه "طليعة", فلفظ "نخبة" قد يحمل معاني و احتمالات خطيرة, فأكبر مشكلة تعانيها هذه العلاقة هي ابتعاد الطليعة عن باقي أفرد الشعب و حاجاتهم و مشاكلهم, و لو أخذنا كعيّنة أي مجتمع متخلّف في العالم للاحظنا أن طليعة هذا الشعب تنظر إلى "العوام" أو "الرعاع" باحتقار مخجل و لا تتعامل مع هؤلاء "العوام" لأن أفراد الطليعة يعتبرون نفسهم صفوة المجتمع و بالتالي يرفضون مخالطة من هم أدنى (برأيهم), و في هذا الرفض نجد تقاعس الطليعة عن واجبها الأول و الأسمى, و هي أن تكون الأخ الأكبر الذي يعلّم أخوته الصغار و يصبر على صعوبة تلقّيهم للمعلومات و يعمل على توعيتهم و يساعدهم على حل المشكلات الفكرية التي تواجههم في طريق نموّهم.

عندما أتحدّث عن علاقة الطليعة بباقي الشعب أحب أن أستخدم مثالاً وهو علاقة الطبيب مع مرضاه, فالطبيب يتمتّع بمكانة أكاديمية و اجتماعية و مادّية نتيجة دراسته و عمله المهم جداً و دوره في رعاية صحة الأفراد, لكن هذا الطبيب يعرف أنه يجب أن يتعامل أحياناً مع أناس جهلة, مع مرضى لا يعتنون بأنفسهم بل و قد يكون لديهم نزعة تدميرية ذاتية ناتجة عن خليط من الجهل و العند, يعلم أنه قد يضطر لفحص مريض لم يغتسل منذ أسابيع أو قد يضطر لتلويث يديه في فحص مريض لا يسيطر على مصرّاته, هذا عدا عن قلّة الأدب أو الوقاحة.

أحياناً أيضاً يكون التعامل مع المريض صعباً بسبب حالته النفسية, و قد يكون خطيراً حتى, و ربما لا ينجح الطبيب بعلاج هذا المريض و عليه أن يشرح لأهله بطريقة يفهمونها لماذا لا يستطيع علاجه, و عليه أن يقدّر حالتهم النفسية.

كل هذه الأمور يجب يعلمها الطبيب, و يجب أن يعلم أن مرضاه ليسوا أطباءً و يقدّر هذا الشيء في تعامله معهم و محاولته شرح الأمور و تبسيطها.

و أهم شيء يجب أن يعلمه الطبيب الناجح هو أن مكانته العلمية و الاجتماعية و حتى المادّية تأتي من أنه يقوم بهذه الأمور, أي أنه يعطي ليأخذ, و لا يحسن لأحد عندما يقوم بواجبه, فهذا الكريه الرائحة قد يكون من بنى له بيته, أو زرع الخسّة التي أكل منها, أو ربّى الخروف الذي أكل لحمه, و بالتالي فليس أفضل منه لأنه يعطيه شيئاً بل أن العلاقة تبادلية تماماً.

أعتقد أنه لو أن الطليعة الفكرية تعاملت مع الشعب بعقلية الطبيب الناجح التي ذكرتها مسبقا لنجحت هذه العلاقة و لكانت قد حققت المطلوب منها, و كما قلت أعلاه فإن فشل هذه العلاقة هي أحد أسباب التخلّف الرئيسية, فالطليعي لا يحاول توعية "الجاهل" لأنه يقر سلفاً أنه لن يفهم, و يتعامل مع من يراهم أدنى منه و كأنهم متخلفون عقلياً, و هذا خطأ.. خطأ قاتل..

أرجو إيقاظ من غلبه النعاس لأنني قد انتهيت اليوم... الحديث يطول كما قلت بدايةً, و سأحاول المتابعة و لكنني لا أستطيع الوعد بالسرعة لأنها مقالات "ثقيلة" و تحتاج لتجهيز لا تحتاجه المقالات الأخرى و لذلك فأنا أسير وقتي في هذا المجال.

و شكراً لمن تحمّل الملل و وصل إلى هذا السطر.