
عندما اضطررت لهجر التدوين و المدوّنة عدّة أيام لأسباب خاصة كنت أتمنى لو لم أضطر عند العودة للكتابة عن المحرقة الصهيونية التي ما زالت مستمرّة و لا يبدو في أفق الغد إلا التصعيد حسبما تشير إليه الدلالات العسكرية و السياسية, و لكن للأسف ها أنا ذا أعود لأكتب عمّا لا أستطيع إلا الكتابة عنه.
لم أكن على تماس في هذه الأيام مع مجريات العاصفة الفكرية و السياسية العربية المصاحبة للجريمة الكبرى, فكل ما كنت أعلمه كان عن طريق الراديو الإسباني أو الصحف الإسبانية, اللهم إلا زيارات سريعة عند المقدرة لموقعي الجزيرة و البي بي سي, و لذلك فلست على اطّلاع كامل و لكن الفكرة التي استطعت الحصول عليها و المدعومة بخبرات سابقة عن التعامل السياسي و الإعلامي العربي مع هكذا أحداث دامية كانت سلبية كالعادة.
في جميع وكالات الأنباء و الصحف و محطات التلفزة و مواقع الانترنت العربية نجد نسبة مئوية عالية جداً, تصل أحياناً إلى الأغلبية المطلقة, مشغولة بمواد خاصة بصراع فلسطيني-فلسطيني أو عربي- فلسطيني أو عربي-عربي و اتهامات متبادلة بالخيانة و التهوّر و التهاون.. الخ.
قراءة بعض هذه المواد التي تتجاهل إسرائيل تماماً و تتخصص بمهاجمة من كان يجب أن يكون شقيقاً فإذا هو غريم ذكّرتني بفيلم كوميدي قديم جداً لفرقة مونتي بايتون المسرحية السينمائية البريطانية و اسمه "حياة براين". يتحدّث الفيلم عن مغامرات بطله براين المقيم في الناصرة عندما كانت تحت الاحتلال الروماني في السنوات القليلة ما بعد الميلاد, و من ضمن أحداث فكاهيّة ذكيّة و ذات رمزية كبيرة هناك حدث ينطبق تماماً على ما يحدث للعرب اليوم رغم مرور أكثر من خمسة و ثلاثين عاماً على إنتاج هذا الفيلم الكوميدي.
ضمن مجريات الفيلم, يكتشف براين, الشاب الطيب المحدود الذكاء, أنه ابن غير شرعي لجندي روماني و أن هذا الجندي هجر والدته و رحل إلى روما قبل ولادته, و لذلك يقرر أنه يكره الرومان و أنه يريد أن يعمل كل ما بوسعه ضدهم, و في سبيل تنفيذ هذا القرار يتصّل بجماعة "الجبهة الشعبية لتحرير يهوذا" (يهوذا هي المملكة اليهودية الثانية التي أنهاها الرومان عند احتلالهم أرض فلسطين) و ينضم إليهم بعد امتحان سخيف يعتقد قياديو الجبهة أنه مهم جداً لقياس ولائه.
كانت الجبهة الشعبية لتحرير يهوذا قد خططت لخطف زوجة الحاكم الروماني و استخدامها كورقة ضغط لكي يستجيب الجيش المحتل لمطالبهم, و لذلك فقد عملوا طيلة شهور على حفر أنفاق تؤدي إلى سراديب قصر الحاكم, و في الليلة المختارة لتنفيذ العملية ينزل المحاربون إلى النفق بدون قائدهم الذي يقرر عدم النزول بسبب "ألم في ظهره" و لأنه أكثر نفعاً في المخبأ لكي "ينسّق العملية".
عند الوصول إلى سراديب القصر يلتقي محاربو الجبهة الشعبية بجماعة أخرى تدعى الجبهة الشعبية لتحرير يهوذا- القيادة المركزية, و هي فصيل منشق عنهم, و بعد نظرات كراهية متبادلة و شتائم و اتهامات بالخيانة يكتشفون أنهم يملكون نفس الخطة و عندما يهموّن ببدء الشجار حول من يحق له تنفيذ العملية و من وصل قبل الآخر تبدأ الفصائل الأخرى: "الجبهة الشعبية لتحرير يهوذا- المجلس الثوري, الجبهة الوطنية ليهوذا, جبهة يهوذا الوطنية.. الخ" بالوصول إلى نفس المكان و يكتشف الجميع أنهم ينفّذون نفس الخطة, و يبدأ الشجار الجماعي حول أحقية التنفيذ مع الاتهامات المصاحبة بالخيانة طبعاً.
في غمرة الشجار يعلو صوت براين حتى ُيسكت الجميع, و يبدأ بتأنيبهم على الشجار السخيف, فطالما أنهم يدافعون عن نفس القضية فلماذا لا يوحّدون جهودهم ضد العدو المشترك؟
تبع كلام براين صمت بدا و كأنه موافقة على ما يقول, فابتسم براين و هو يعتقد أنه استطاع جمع الشمل ضد الرومان, و لكن ابتسامته انتهت عندما نطق الجميع بنفس اللحظة: الجبهة القومية لحرية يهوذا! و في تلك اللحظة ظهرت قوات هذا الفصيل المعادي لجميع الفصائل الأخرى فالتحم الجميع في معركة أسفرت عن مقتل جميع مقاتلي جميع الفصائل ما عدا براين الذي وقع في أسر الجنود الرومان الذين نزلوا إلى السراديب ليتحققوا من سبب الضجيج.
كلما قرأت وسيلة إعلام عربية أو تصريحاً لسياسي عربي أتذكر هذا المقطع من الفيلم, فالـ"مفاعشة"-على رأي نسوة الرقة- الحاصلة ما بين العرب تجري بينما العدو الصهيوني يفعل ما يحلو له دون أن يجد أمامه من يقف بوجهه حتى لو كان موقفاً إنسانياً, فالعرب مشغولون بتخوين بعضهم و الاتهام المتبادل بالعمالة لإسرائيل و الولايات المتحدة تارة, و لإيران تارة أخرى.
هذا هو واقع الشتات الإعلامي العربي للأسف, لا تجد بين الحين و الحين إلا بعض الصور الصادمة التي يضعونها و كأنهم يتذكّرون أن الخبر الأساسي هو أن الشعب الفلسطيني يُذبح بدون توقّف و لكن سرعان ما تعود "أخت هدلة" لعادتها القديمة.
أجد في الموقف الفكري و الإعلامي العربي فراغاً كبيراً و هو فراغ النضال من أجل إنسانية القضية بعد أن غطى دخان صراع الفصائل و مَن خلفها من الدّول وجهها الأهم و الأكثر قداسة: الإنسان. لم أجد وسيلة إعلام واحدة تتعامل مع الضحايا كأنهم ناس لهم حياةٌ سُرقت منهم, بل أنهم منصرفون لسباق أرقام و كأنه مزاد علني, لا يوجد أسماء, لا يوجد قصص إنسانية يهتم أحدٌ بإيصالها إلى الرأي العام العالمي, مجرد أرقام..
و لذلك.. أعتقد أنه من واجب التدوين الملتزم التركيز على إنسانية القضية و على إنسانية الفلسطيني.. و رفض تجارة الأرقام.. و نحنُ لها...
و السلام... لأهل فلسطين.. دار السلام..