
أتدثّر بلحافي و أنا لا أعلم إن كنت أرتجف من البرد أم من الغضب و الحزن على ما يجري في تلك القطعة الفردوسيّة المقلوبة جحيماً حريقاً على يد الإرهاب الصهيوني تحت غطاء صمت الإرهاب الدولي.
أتناول ورقةً و قلماً عسى أن يكون علاجاً للصدمة التي أعيشها منذ بدء تقاطر أنباء هذا العدوان ما فوق الوحشي و هذه المجزرة الخسيسة, رغم أنني كنت قد فكّرت ألا أكتب شيئاً اليوم و ألتزم الصمت احتراماً للدم الذي لم يبرد, للجسد الذي ما زال مرميّاً على مرأى طيور الجيفة المسمّاة بـ أف 16.
صمت الرهبة.. صمت الغضب.. صمت العيون المحمرّة..
لم أكن أريد أن أكتب لأنني في حالة خجل. ماذا سأكتب؟ تنديد؟ هذا بديهي! ليس شرطاً أن يكون المرء عربياً لكي يندد بهذه المحرقة الجبانة. أدنى عقل بأخف شعور إنساني هو الشرط الكافي للشعور بالحزن و الخجل و المرارة أمام هذه الكارثة.
هل أعيب بعض ردود الأفعال و التعامل الصحفي العربي و الدولي مع المجزرة؟ لا, ليس وقته. للشهداء حق احترام رهبة الموت الذي نزل فوق رؤوسهم.
من جهة أخرى لم أكن أريد أن يبدو صمتي لا مبالاةً. من يعرفني سيفهمني حتماً, و لكن لم أكن أود أن أعطي انطباعاً خاطئاً لمن تعرّف على كتاباتي مؤخراً.
كنت بين القرارين أتأرجح عندما تلقّيت في ساعات المساء الأولى اتصالاً من صديق غزّاوي يخبرني فيه باستشهاد شقيقَي صديق غزّاوي آخر كانا يعملان في شرطة غزّة, و أن الجميع سيذهب لتقديم واجب العزاء و دعمه بما نستطيع, فواعدته فوراً و توجّهنا إلى منزل هذا الصديق.
عندما وصلنا وجدت بعض الزملاء الذين كانوا قد سبقونا, و لم أجد صديقنا فقد كان قد دخل الحمّام ليغسل وجهه, و عندما خرج رآنا فقدم نحونا و كنت أول من تلقاه بالأحضان...
كانت ملامح وجهه جامدة, و لكن الحزن يشع من عينيه المنتفختين و المحمرّتين.
عانقني بشدة و انفجر باكياً مرة أخرى بشكل جمّد كل قدراتي على النطق, و لم أعد أدري ماذا أقول, فلزمت الصمت ثوانِ طويلة قاربت الدقيقة حتى وصول نقطة شعرت فيها أن عليّ أن أقول شيئاً.. لكنني لم أجد ما أقول إلا كلمة "lo siento" بالاسبانية, التي تقال في المآتم و تعني حرفياً بأنني أشعر بما تشعر به و لكنها تعني أيضاً "آسف".
لا أعلم إن كنت أريد بهذه الكلمة المعنى الأول أم الثاني, أم كلاهما..
نعم.. أشعر بأنني ملزم أخلاقياً على الاعتذار, و لا أدري لماذا.. لكنه شعور يبارحني دوماً في هذه الحالات و لا أجد له حلاًّ.
لا أدري إن كان سبب اعتذاري هو عجزي عن تقديم شيء ما عدا الكلام.. لا أدري إن كان شعوري بالذنب عائد إلى أنني جبان يخاف أزيز الذبابة بينما يتحمّل أطفال فلسطين هدير كسر جدار الصوت..
نعم.. أشعر بالذنب, و نعم.. غالباً أنا مذنب..
جلسنا مع صديقنا حوالي الساعة و نحن نحاول أن نواسيه رغم علمنا بفشل المحاولة مسبقاً, كان يحاول الحفاظ على رباطة الجأش و لكن نوبات البكاء كانت أقوى منه في بعض اللحظات, و مسّني بشدة عندما أخرج من تحت الطاولة علبة هاتف خلوي كان قد اشتراه لأحد إخوته الشهداء منذ شهور و لم يستطع إرساله بسبب الحصار الخانق.
تركناه بعد ذلك الوقت و قد بقي لديه صديقان هما الأكثر قرباً منه ليناما عنده, فأسوء ما في هذه اللحظات هو الشعور بالوحدة, و يكفيه همّاً أنه يبكي أشقاءه بعيداً عن أمّه التي كان يتذكّرها كل دقيقة و يكاد يجلد نفسه لأنه ليس بجانبها في تلك اللحظة و لا يستطيع أن يصل إليها لأن الدخول إلى غزّة مستحيل منذ شهور طويلة.
عدت إلى البيت و أنا أفتقد لعتمة الليل التي بددتها أضواء الأعياد في الشوارع, و من حولي زحام المتسوّقين و المتسكّعين, و عاد إليّ الشعور بالذنب.. فها أنا ذا أعود إلى صخب الحياة المرفّهة بعد أن شاهدتُ ساعةً من بكاءٍ حارقٍ, و سأكتب صفحةً و بضع أخرى عن ما عشته و بعدها أنام قرير العين...
تبّاً...
فعلاً... صدق من شخّص في الشعور بالعجز أسوء أحاسيس الإنسان.. أبحث و أبحث و أبحث.. و لا أجد شيئاً مفيداً أقدّمه..
كل ما أستطيع تقديمه.. هو الدعم المعنوي و التضامن مع ضحايا هذه الجريمة الشنعاء, و احترام ما أراه رهبة الموت.. رهبة جسد الشهيد المسجّى على الأرض التي مات دونها...
لن أحلّل.. لن أقول حرفاً عن المعاني السياسية و الاقتصادية و و و ..
لن أقول حماس, لن أقول فتح..
لن أسخر حتى من الجامعة العربية و إعلانها لقمة طارئة ..
الواجب الآن هو رفع الأجساد بساعد واحد و ثابت.. بنظرة تحدٍّ.. بوعدٍ صامتٍ.. بصرخةٍ دون حشرجة..
سأتذكّر ما قاله لي محمود درويش عندما سألته في ندوة عن معنى كونه عربيّاً لديه.. ردّ عليّ أنه يشعر الآن بالخجل, و كل مناه أن ينتهي هذا الشعور بالخجل, و عندما سُئل عن نهاية هذا الشعور بالخجل قال أنه لن يرى هذه النهاية غالباً.. لكن جيلي سوف يراه...
و أنا.. أمام أحلام درويش.. أقسم أنني سأرى نهاية هذا الخجل..
و حتى ذلك الحين... قلبي منديل يمسح دموع أمهات الشهداء..
..





10 تعليقات:
انسانيتك أول ماقرأته بهذه التدوينة
التي أبكتني تفاصيلها ..
كان الله بعونهم ..
تقديري لك ولقلمك
أدامه الله لنا
لهم الله
و حقاً أتمنى أن أرى نهاية لهذا الخجل المخزي.
رحم الله شهداء وأبطال غزة..
وسينتهي الخجل عن قريب بإذن الله..
عزاؤنا لصديقك الغزّي ولكل من استشهدوا أمام الوسائل الاسرائيلية الرخيصة..
وائل..
رحم الله شهداءنا في غزة , لن نسكت رغم الإعصار لن نسكت ولو تحت النار ..هذا قرارنا ماله من فرار
حسبنا الله ونعم الوكيل
قبل مبارح كنت عم بحكي مع شخص عن عاري و خجلي من نفسي, عن عجزي, عن ذنبي, عن وجودي الحقير, عن دونيّتي, عن جبني, عن نسياني. ماذا الذي تملكه أي امرأة "مقاومة" ولا أملكه أنا؟ لا أفهم و لا أقوى عن البحث عن جواب لأنني أخاف أن أدرك حقيقة قد تغيّر مجرى حياتي الحقيرة هذه.
البارحة...اليوم...لا أعرف ماذا أقول. أخجل من دموعي..من أفكاري...من الذي أفعله وخاصة من الذي لا
أفعله.
أفهم تماماً لماذا تعتذر gavroche. الذنب ولدنا معه و سنجرجره معنا حتى...لا أعرف
أتؤمن حقاّ بنهاية لهذا الخجل؟ آه كم أريد أن أصدقك! أحسدك على ايمانك و على أملك.
كانت دايما معظم حركات التحرر واستقلال الاوطان تشتعل لما يسيل الدم " كان يخلي الناس تفور"
بس يمكن نحنا ادمنا الدم وأدمنا دموع التماسيح
ما بعرف كم قتيل بدنا لحتى نصحى ونثور
شكراً جزيلاً للجميع على المرور و التعليق و الاهتمام.. و قلوبنا جميعاً دون شك مع أهلنا في غزّة في محنتهم
محبّتي و تحيتي للجميع
كم يلزمني الآن بعضاً من أملك الرائع ياس ..
أحتاجه جداً . كي إقنع نفسي أن هذا الخجل و هذا الظلم .. زائلٌ لا محالـــة .. !
لكِ مني يا غزة ما قد تعجز هذه الصفحات من حمله ..
دمتِ كما أنت شامخة ..
تحيتي لك صديقي ..
انت و محمود درويش مفرطين بالتفائل .
كل ما صار حدث من هالنوع بثور ( الشارع ) العربي ...و بيرجع بيهدا بعدين !! بقى ما كتير تشد ايدك , الغضب العربي بينتهي تماماً مع نهاية العمل الصهيوين , و اللي بيستمر هو بعض الخجل عند بعض الخجولين .
تحياتي
أبو نهلة ما غيرو يشرّفني بالتعليق؟ ياحيالله بالغالي!
و الله يا صديقي أنا ماني متفاءل, هاد متل ما تقول هو وعد بيني و بين حالي اني من هون لحد ما أموت رح بطّل خجل..
و وحدة من أساليب تبطيل الخجل أحيانا ممكن تكون التّمسحة.. و اللا انت شو رأيك؟
إرسال تعليق