
لا يوجد ملل في البانوراما السياسية و الاجتماعية في اسبانيا, فكل أسبوع هناك قضية تشغل الناس و تملأ عناوين الصحف و موجات الراديو و برامج التلفزة و حلقات النقاش حول قهوة الصباح في المقاهي و البارات الشعبية.
هذا الأسبوع كانت الأوساط الإعلامية مشغولة جداً بالعديد من الأخبار, منها الخاص بالأزمة الاقتصادية العالمية و إسقاطها على الاقتصاد الإسباني, و كذلك أخبار مشروع صفقة شراء ريبسول, شركة النفط الأولى في اسبانيا, من قبل لوك أويل الروسيّة, و ما أثارته هذه الصفقة من زوبعة سياسية و اقتصادية.
لكن الصدى الأكبر كانت لقضية أثيرت بداية الأسبوع الماضي نتيجة حكم قضائي أثار عاصفة كبرى, فردّاً على دعوى أقيمت من قبل جمعية آباء طلاب مدرسة عامة في مقاطعة كاستيجا (قشتالة), أمر قاضٍ بنزع الصلبان من صفوف هذه المدرسة, نتيجة رأيه بأن وجودها يخالف الدستور الاسباني الذي ينصّ على أن اسبانيا دولة بدون صفة دينية, و بالتالي فإن وجود رمز ديني كالصليب, في صف من مدرسة حكومية, هو خرق لهذا البند الأساسي من بنود الدستور.
و كان هذا القرار كالشرارة التي فجّرت مستودع ديناميت, فقد أعادت فتح جميع القضايا العالقة بين الكنيسة الكاثوليكية, التي رأت في هذا القرار فصلاً جديداً من فصول استهدافها من قبل الاشتراكيين "الانتقاميين, على حد تعبير رئيس مجمع الأساقفة" من جهة, و الحكومة الاسبانية الحالية برئاسة رودريغث ثاباتيرو من جهة أخرى.
لفهم هذه الزوبعة السياسية و الاجتماعية التي ثارت على إثر هذا القرار علينا أن نعود إلى الوراء كثيراً, بالتحديد حتى الحرب الأهلية الإسبانية. فقد كانت الكنيسة الكاثوليكية "عرّابة" الانقلاب الذي قام به الجنرال فرانكو على حكومة الجمهورية الثانية, هذا الانقلاب عمّدته الكنيسة كـ"حملة صليبية ضد قوى الإلحاد الشيوعي". بعد انتصار فرانكو في الحرب الأهلية و استلامه مقاليد الحكم و بنائه نظام حكم كاثوليكي قومي متعصّب, كان للكنيسة دور هام جداً كسند إيديولوجي و شعبي للجنرال, و بقيت إلى جانبه كعمود فقري هام جداً للنظام حتى وفاة الجنرال عام 1975. نتحدّث هنا عن المؤسسة الكاثوليكية المتمثلة بمجمع الأساقفة, حيث أنه كان هناك حركات كثيرة من القواعد المسيحية و خصوصاً في بلاد الباسك ساهمت كثيراً بالإبقاء على المجتمع المدني الإسباني حيّاً, و كان لها دور هام جدا في الانتقال الديمقراطي بعد وفاة فرانكو.
خلال فترة الانتقال الديمقراطي و بعد نهوض الديمقراطية في اسبانيا, كان على المؤسسة الكاثوليكية أن ترى كيف يتناقص نفوذها و مكانها المرموق الذي كانت تشغله أيام فرانكو, و مع ذلك فقد حافظت على علاقة مميزة جداً مع الدولة و خصوصاً بما يتعلّق بالتمويل و الإعفاء الضريبي للأملاك الهائلة, و كذلك بما يخص حقوق الكنيسة في إدارة مدارسها الخاصة كما يروق لها. و هذه الامتيازات كانت مقابل السكوت عن هبوط مكانتها داخل الدولة و منعها من التدخّل في الشؤون السياسية. و قبل الطرفان على مضض هذا الاتفاق.
بقيت هناك أمور كثير عالقة خلال فترة الانتقال الديمقراطي و لم يكن هناك من يجرؤ على فتحها كي لا تتأثر الوحدة الوطنية السائدة في تلك الفترة, و تم تأجيلها لمراحل تالية, و من ضمن هذه الأمور المؤجلة كان هذا الاتفاق مع الكنيسة الكاثوليكية حول مكانها و دورها في المجتمع, حيث أن الاتفاق المبرم كان انتقالياً فقط. لكن الحكومات المتعاقبة كانت تفضّل تمديد الاتفاق الموجود تفادياً لأي أزمة اجتماعية يمكن أن تنشأ عن إزعاج المؤسسة الدينية, التي ما زالت تحظى بقاعدة شعبية هامة جداً, و التي كانت تعرف ماهيّة الخوف من قاعدتها الشعبية, و بالتالي فقد كانت مستمرة في دورها كرقيب أخلاقي للمجتمع و حجر عثرة كبير في طريق أي تغيير لا يلاءم مبادئها الإيديولوجية.
لكن هذه الهدنة غير المعلنة انتهت على ما يبدو عند استلام ثاباتيرو الحكم, فقد كان برنامجه الانتخابي حافلاً بوعود إنهاء جميع الأمور العالقة منذ الحقبة السابقة, و التي لم يجرؤ أحد على فتحها, و تركوها للزمن كي ينساها الناس, و لذلك فقد تقبّله اليمين بشكل عام, و الجزء المسيحي المتشدد من اليمين خصوصاً, بشكل عدائي فور استلامه للحكم, فقد اعتبروا أن نزعته الانتقامية تجاههم ناتجة عن أنه حفيد زعيم من زعماء اليسار الجمهوري الذي أعدم خلال الحرب الأهلية, و أن عائلته قد عاشت ويلات كونها سليلة هذا "الملحد". و بدأ ثاباتيرو بتنفيذ وعوده عن طريق إدخال تغييرات اجتماعية جذرية, من طراز إصدار قوانين حماية البحث العلمي باستخدام الخلايا الأم, السماح بزواج المثليين, التساهل بقوانين التبنّي, و حتى فتح الباب أمام الهجرة. و قد كانت بدايته ذكيّة جداً من هذه الناحية حيث أنه لم يمس الكنيسة بشكل مباشر, لكنه استفزها بقوانينه هذه, و كانت ردة فعلها مبالغ بها جداً من حيث استخدام عظات الأحد لمهاجمة الحكومة "الإلحادية الانتقامية" و تسيير المظاهرات الشعبية ضد الحكومة, مما أعطى للحكومة المبرر لإعادة النظر بالاتفاق مع مجمع الأساقفة, حيث أن الكنيسة هي من خرقت الاتفاق السابق بتدخّلها السافر في الشؤون السياسية.
و بعد أسابيع من المفاوضات, توصّلوا لاتفاق جديد لم يختلف كثيراً عن السابق, و هذا ما أغضب الكثير من أقطاب اليسار, الذين كانوا يطالبون بقطع العلاقات بشكل كامل و اعتماد الكنيسة على نفسها في التمويل, و أن تدفع الضرائب عن أملاكها مثلها مثل غيرها. لم تصل الأمور إلى هذا الحد, لكن الاتفاق الجديد خفّض من قدرات الكنيسة من حيث أنه نزع عنها رداء القدسية و تحريم المس بها كما كان في السابق, و فتح سابقة إمكانية إعادة فتح ملف العلاقات معها في أي وقت تشاؤه الحكومة.
ثم كانت المعركة الثانية, ألا و هي معركة الذاكرة التاريخية..
هذا القانون هو أحد وعود ثاباتيرو الانتخابية الكبرى, و الذي تحدّثت عنه في مقالة سابقة, و الذي كانت الحكومة تبغي به إنهاء تناقضات الزمن السابق, و رعاية الدولة لجميع إجراءات فتح المقابر الجماعية لقتلى الحرب و التعرّف على الجثث و تسليمها للعائلات, بالإضافة إلى إلغاء الأحكام القضائية الجائرة من قبل المحاكم الميدانية للنظام الفاشي, و هنا حملت الكنيسة الكاثوليكية قميص عثمان و أخذت تلطم ضد النزعة الانتقامية لثاباتيرو حيث أنه يستهدفهم بهذا القانون و يبغي أن ينصبهم كورثة القتلة و المسؤولين الإيديولوجيين عن جميع الجرائم التي حدثت.
الحقيقة أن موقف الكنيسة الكاثوليكية في هذا السياق صعب جداً, فهم لم يقوموا بأي نوع من أنواع المعالجة التاريخية أو إعادة النظر حول موقفهم بجانب الجنرال فرانكو, بل أنهم في أحسن الأحوال قد تجاهلوا هذا الدور بحجّة عدم النظر إلى الوراء و عدم فتح "جروح قد أغلقها الزمان", و في أسوءها هناك من يعتز بهذا الدور و يفخر به.
منذ عشرة أيام كان هناك تصريح لرئيس مجمع الأساقفة, الكاردينال رووكو فاريلا (الذي تدل الاستفتاءات و استطلاعات الرأي أنه أحد الشخصيات المكروهة جداً من قبل الشعب, بجانب أثنار) قيل عنه أنه مثال الوقاحة السياسية, حيث أنه هاجم الحكومة بشراسة كبرى متهماً إياها بفتح جراح الناس و نكش آلام الضحايا لاستخدامها ضد الكنيسة, بدل النظر نحو المستقبل و نسيان الماضي. و قد كان الرد سريعاً و بديهياً من قبل الناطق باسم الحكومة, فقد صرّح أن الحكومة الإسبانية تتفهّم كلام "مونسينيور رووكو فاريلا" و لكن لا يمكن تقبل هذا الكلام, و خصوصاً من جهة تدّعي أنها لا تريد فتح الجراح القديمة, و لكنها لا تتوانى عن تسمية قديسين من المئات من "شهداء الحملة الصليبية القومية", أي انقلاب فرانكو, و لا تخجل من إقامة قدّاس هائل برئاسة أسقف توليدو (طليطلة) بمناسبة ذكرى وفاة الجنرال فرانكو, و عندما تم الرد على هذه النقطة بالخصوص من قبل الأسقف بقوله بأنه يقيم قدّاساً "لأخ مسيحي يمثُل أمام عدالة السماء" تم الرد عليه بأنهم يحترمون هذا الشيء, لكنهم يتساءلون إن كان من الضروري جداً أن يرفرف علم الكتائب الاسبانية على مذبح الكنيسة طيلة فترة القدّاس.
الجبهة الأخيرة الكبرى من الجبهات المفتوحة ما بين الحكومة و الكنيسة الكاثوليكية هي جبهة التعليم, حيث تحافظ الكنيسة على امتيازاتها بخصوص إدارة مدارسها كما تشاء, و على حقها بجعل مادة التربية الدينية إجبارية ضمن هذه المدارس الخاصة. لكن الحكومة أدخلت مادة جديدة إجبارية في جميع المدارس, و هي مادة التربية من أجل المواطنة, و هي مادة يُشرح فيها للطالب ماهيّة الدولة و الشعب, و معنى كلمة مواطن, و مبادئ هامة مثل التسامح و الإنسانية و أمور أخرى, و هذا ما لم توافق عليه الكنيسة حيث أنها ترى أن الدولة تريد أن تفرض نفسها كمرجع تربوي فكري, و هذا ما يرونه تدخلاً سافراً في تربية الأطفال. و من هذا المنطلق فإن الكنيسة ترعى و تدعو لمقاطعة هذه المادة و تطلب من الآباء منع أبنائهم من حضور حصص هذه المادة حتى لو كلّف الأمر رسوب الطفل كونه يتغيّب عن مادّة إجباريّة. لكن هذه الدعوة للمقاطعة لم تلق كبير الصدى حيث أن عدد الأطفال المقاطعين لهذه المادة لا يصل إلى المائة في كل الدولة.
في هذه المشكلة الأخيرة, مشكلة الصلبان التي وضعها مدير المدرسة المتديّن و التي أمر القاضي بإزالتها, كان هناك سلاح جديد استخدمته الكنيسة ضد الحكومة, فقد صرّحت مصادر يمينية عديدة أنها ترى فيما يحدث "هجوماً من نظام القمع اليساري ضد التراث الكاثوليكي لإسبانيا" و بنفس الوقت فقد طعنوا في مصداقية التوجّه العلماني للحكومة, حيث أنهم يتحدّون أن يوجد قاض واحد يجرؤ على اعتبار الحجاب رمزاً دينياً, و بالتالي يمنع وجوده في المدارس الحكومية, فهم يرون أن الحكومة تتساهل جداً مع المسلمين و تتسامح معهم بحجّة مكافحة العنصرية, لكنها بنفس الوقت تهاجم التراث الكاثوليكي للشعب الإسباني دون هوادة, و هذا استغلال ديماغوجي أعتقده وضيع الأخلاق لقضية أن ثاباتيرو جاء إلى الحكم إثر تفجيرات مدريد الإرهابية, و هناك من المتعصبين و المتشددين اليمينيين من يدّعي أنه مدين للتطرّف الإسلامي بكرسيه, و بالتالي فهو يتسامح تجاه تغلغلهم في المجتمع الإسباني و يعطيهم حقوقاً لا يستحقونها على حساب الدين التراثي للشعب الإسباني.
هذا الصراع ما زال مستمراً, و سيبقى موجوداً طالما لم يزل هناك من يعيش في الماضي رغم مزاودته في الحديث عن المستقبل, و يبقى الأمل في أن الشعب الإسباني رغم كاثوليكيته العميقة فهو ليس متشدداً, و هذه المعارك تبدو له مجرد خزعبلات, بل أن استطلاعات الرأي تدل على أنه لا يوافق على إقحام الدين في المسائل السياسية, و هذا ما يبرر أنه في شعب يقر 72% منه أنه مسيحي كاثوليكي مؤمن, يكون فيه رئيس مجمع الأساقفة أحد الشخصيات العامة الأكثر إثارة للكراهية.
بالمناسبة, عنوان المقال هو عبارة اسبانية شهيرة تعني "فليأخذنا الرب و نحن معترفون بخطايانا", و تقال عند الصدمة أو الدهشة من أمر ما.