
يصعب عليّ التحدّث عن الطفولة دون أن تكون ريمي بندلي موجودة في مكان ما, و في هذه الحالة اقتبست العنوان من أغنية شهيرة للطفلة اللبنانية التي وضعت الموسيقى التصويرية لفيلم طفولة جيل الثمانينات كاملا.
و بمناسبة الحديث عن ريمي, فقد رأيت خبرا عنها منذ فترة يقول أنها على وشك الزواج, و في الخبر صورة لها مع خطيبها, صورة كنت أتمنى بشدة لو لم أرها, فريمي بندلي ستبقى طفلة في ذاكرتي و لن تكبر أبدا, و أرفض تصديق هذه المرأة التي تقول عن نفسها أنها ريمي بندلي, و لذلك فأنا أطالب من هذا المنبر بمنع تداول صور ريمي بندلي و أخبارها الحالية, لكن ليس هذا موضوعنا اليوم.
من ذكريات طفولتي الأليمة جرح ما زالت له بقايا تكاد لا تلاحظ على كتفي الأيسر, و كان نتيجة للعبة كرة قدم في المدرسة عندما كنت في الصف الثالث الابتدائي, عندما تعثّرت و اصطدمت بسور الباحة بينما كنت أجري بمحاذاته, كان السور مكسّوا بالتيروليا, هذا النوع من الكسوة لمن لا يعرفه هو عبارة عن خلطة من الاسمنت و مادّة ملونة "يطرش" به الحائط ليترك ملمسا خشنا جدا, و هو صنف إكساء شائع جدا في سوريا و خصوصا في الأبنية الحكومية لسهولة الإكساء و لرخص الثمن, أو هكذا أعتقد.
كنتيجة لهذا الجرح لدي نفور كبير من هذا الصنف من الإكساء, قد يكون نوعا من الـ "تراوما" الطفولية, و لكنني أكرهه جدا, و مجرد رؤيته تزعجني.
في إجازتي الأخيرة في ربوع الوطن, و بينما ذاهبا مع والدي إلى مكان ما, مررنا بمدرسة ابتدائية كان سورها قد رُمم منذ فترة قريبة, و بناء هذه المدرسة هو من النمط الموحّد الكئيب لأبنية وزارة التربية, هذا المكعّب القميء بنوافذه المغطّاة بقضبان حديدية كقضبان السجن. لفت انتباهي شكل السور الجديد, فقد كان عاليا جدا, بلا مبالغة قد يكون علوه أربعة أمتار أو أكثر, و طبعا مكسو بالتيروليا البنّية الكئيبة كالبناء الذي يصوّنه. البناء ككل كان يدعو ناظره للنكد فعلا, و أعتقد أن أغلب سجون و ثكنات الجيش في جل دول العالم أكثر بهجة من هذا البناء, و هو مدرسة ابتدائية!
حدّثت والدي بملاحظتي, فأجابني أنها في محلّها, بل كان قد حدّث بعض الزملاء منذ فترة حول نفس القضية, و حول عدم الأخذ بالعامل النفسي و التربوي للطفل في تخطيط الأبنية المدرسية و تجهيزها, و أن هذه الملاحظة قد قوبلت بالدهشة من قبل زملائه, فقد استغربوا أن يعطي أهمية لأمر كهذا.
لا شك أنني مع والدي في هذا الأمر, و لا أعتقد أبدا أن العامل المادي هو مانع للأخذ بعين الاعتبار هذه الأمور, حيث أنه يمكن بنفس الكلفة تماما القيام بالأمور بشكل ملائم أكثر للطفل, و يجعله يقبل على البناء المدرسي برحابة صدر أكبر, و ليس كمن يذهب إلى سجن, و عدا عن ذلك, لا أعتقد أن نمط الإكساء الخشن ملائم جدا للطفل من حيث خطورته و سهولة وجود حوادث كالذي حصل معي في صغري, و بنفس القيمة, أو أكثر قليلا, يمكن الحصول على شيء ملائم أكثر.
أعتقد, بل و أكاد أجزم أن مسؤول الإنشاءات الهندسية في وزارة التربية يمت بصلة قربى ما لتشارلز ديكنز, فكل هذه الكآبة لا يمكن أن تكون إلا جينية أو وراثية..
لا يتوقّف الأمر عند شكل البناء و إكسائه, بل حتى طريقة التأثيث و التزيين, التي لا تراعي أي جانب نفسي للطفل, بل يبدو حتى أنهم يتعمّدون أن تكون كئيبة, و الله أعلم.
أتذكّر عندما كنا صغارا أن "تزيين الصف" كان على عاتق الطلاب بإشراف المعلّمة, فقد كان على كل تلميذ أن يجلب في بداية العام الدراسي قطعة من الورق ذو اللون البنفسجي (كنا ندعوها "طرحية" ورق, و هو المستخدم في تجليد الكتب عندما كان الورق اللاصق صنفا من صنوف المخملية التي لم يكن قادرا عليها إلا "أبناء بابا" أمثالي) و صورتين بمضمون حزبي أو قومي حصرا, و بهذه المواد كان يتم "تزيين" الصف بشكل كان أشبه بمبارزة ما بين المعلمات حول من "تزيّن" صفها أكثر.
قد يظن البعض أن التنظير من برجي العاجي في أوربا الغربية سهل جدا, و قد سمعت هذه الملاحظة مرات عديدة و لا شك أنها لا تجانب الواقع في حالات كثيرة, لكنني في هذه المسألة أعتقد أنها ليست تنظيرا بل هي قضية أساسية جدا لنشأة الطفل النفسية الصحيحة, و حتى لسير العملية التربوية الجيد حيث أن الطفل يتعلّم بسرعة إن كان ما يتعلّمه ممتعا أو بهيجا, و ليس فقط في المدرسة بل في جميع نواحي الحياة, فقد سرّني جدا رؤية قسم الأطفال في المشفى الجامعي الذي أدرس فيه, حيث أن الطلاب مجبرون على وضع لصاقات دمى و شخصيات كرتونية على لباسهم أثناء زيارة هذا القسم, و استعمال سمّاعات صدر خاصة ذات ألوان بهيجة, و لون الجدران في القسم أزرق سماوي مليء برسومات الأطفال, و حتى أحذية الممرضات على شكل دمى.
نعم, حالة قسم الأطفال في المشفى الجامعي هنا هي ضرب من ضروب الرفاهية في مجتمع باذخ, و لكن لو فكّرنا قليلا لرأينا أن الكلفة المادية لجميع هذه "الرفاهيات" بخس جدا بالمقارنة مع الصحة النفسية للطفل, و حتى لو لم يكن ممكنا توفير هذه الأمور, فأعتقد أنه من الممكن دائما توفير جو يتمتع بحد أدنى من البهجة في الأماكن التي يرتادها الأطفال, و هذا الجو يشمل الإبتسامة.. التي لا تكلف مالا...
الطفل رقيق جدا و حسّاس مهما بدا مشاكسا, و من السهل جدا أن تتكوّن لديه عقد نفسية قد تنعكس على كل حياته بدون أن يشعر بذلك أحد, و لا حتى الطفل نفسه أو أهله, و في هذا السياق أود أن أترجم كلمات قليلة من الرواية التي انتهيت من قراءتها الأسبوع الماضي, و هي بعنوان "العالم" للرائع خوان خوسي ميجاس, و التي يروي فيها طفولته البائسة في فترة ما بعد الحرب الأهلية الإسبانية في أربعينيات القرن الماضي, و في نهاية الفصل الذي يتحدّث به بشكل مؤثّر جدا عن البرد الذي عاناه في طفولته يقول: "الآن, بعد سنوات طويلة جدا من ذلك البرد الذي كان ينخر عظامي الرقيقة كل ليلة, و بعد أن ترقّيت و أصبحت برجوازيا مخمليا من الصنف الذي كان أبي يشتمه كل صباح و كل ليلة, ما زلت أرتجف بشدة كلما تعرّضت لنسمة برد مهما كانت صغيرة, و يدوم ارتجافي لساعات طويلة على الرغم من وسائل التدفئة المتطورة في بيتي الفاخر, لأن من عانى البرد في طفولته.. سيدوم شعوره به حتى آخر أيامه".
لتنزيل أغنية "عطونا الطفولة" لريمي بندلي: