كنت قد تحدثت في تدوينة سابقة عن قانون الذاكرة التاريخية في اسبانيا, حيث تعمل حكومة ثاباتيرو على مسح جميع آثار الحقبة الديكتاتورية, و إعادة الاعتبار لجميع ضحايا الجانب الجمهوري بعد عقود من التجاهل و الاحتقار من قبل المنتصرين في الحرب الأهلية الاسبانية (1936-1939).
منذ يومين استغليت سفري إلى مدينة كورونيا لحضور افتتاح معرض صديقي العزيز, الرسام التشكيلي السوري علي العلي, كي أذهب بعد ذلك لزيارة منطقة Sada, حيث يقع قصر ميراس (Pazo de Meirás ).
هذا القصر ملك لعائلة الجنرال فرانكو قانونيا, و قد كان مقر إقامته الصيفي في حياته, و بالتالي مقر الحكومة الاسبانية الديكتاتورية.
قصر ميراس, أو أبراج ميراس كما يدعوها البعض, هو قصر شيدته إميليا باردو باثان (أديبة اسبانية شهيرة و سليلة عائلة من الأرستقراطية الإقطاعية في غاليثيا) بداية القرن العشرين على أنقاض تحصينات من القرن السابع عشر, و بعد وفاة إميليا و اغتيال ابنها, آلت ملكية القصر لإحدى بناتها و أرملة ابنها القتيل, و قررت المالكتان الجديدتان التبرع بالقصر للفرقة اليسوعية بشروط تم رفضها من قبل الأخيرة, في تلك الفترة, كانت الحرب الأهلية على وشك الانتهاء و بدأت نتيجة الحرب المواتية للمتمردين العسكريين بقيادة فرانكو بالتجلّي, عندها قرر العديد من المنافقين من أهالي المنطقة بكسب ود الجنرال المنتصر, و شكّلوا لجنة لجمع التبرعات لشراء القصر و الأراضي المحيطة به و إهدائه للقائد العظيم, يد الله المحرّكة للحملة الصليبية ضد قوى الكفر الشيوعي الأحمر و الماسونية اليهودية.
بعد حملة قصيرة من جمع التبرعات, أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها هجمة لقطّاع طرق من النوع القذر, تم تسليم القصر رسميا للجنرال فرانكو بعد توسيع حديقته عن طريق سرقة الأراضي المحيطة.
قادة مبادرة الهدية الكبيرة تم تكريمهم عن طريق امتيازات سياسية و اقتصادية ضخمة جدا طبعا, و حتى تم إهدائهم ألقابا أرستقراطية, و ترى أبنائهم و أحفادهم اليوم يرثون هذه الألقاب و يتغنون بنبل أصولهم الأرستقراطية... مما يؤكد القانون الحيوي القائل بأن نبلاء اليوم... هم حثالة الأمس.
كان فرانكو ديكتاتورا حقيقيا (و هذا ليس إطراءا, بل وصفا لحالة نفسية), فقد كان مقتنعا أن البلد كله ملكه لدرجة أنه لم يضيّع الوقت في النهب, فمن الغباء سرقة نفسك. و لذلك لم يبق لعائلته ثروة طائلة بعد وفاته, فقط بعض الأملاك العقارية و الأراضي, أغلبها "هدايا" على طراز قصر ميراس, و بعض الأسهم في شركات عقارية ما زالت موجودة حتى الآن. و قد استفاد الوسط المحيط بالجنرال من التساهل الضريبي و الامتيازات الممنوحة لهم في تلك الحقبة (و هذا اسمه فساد, و هو مثير للاشمئزاز مهما كان حجمه, لكن يجب علي الإشارة أن امتيازات عائلة فرانكو مجتمعة في حياته لا يمكن أن تقارن بامتيازات أي مسؤول سوري كبير, مثلا).
لم تكن أي من أملاك الجنرال بعد وفاته محك سجال كبير أو مهم, ما عدا قصر ميراس, لكبره و أهميته, و رمزيته كمقر صيفي للجنرال, و لأنه كان مكان تصوير تلك البرامج الوثائقية التي كانت تصوّر عن حياة الجنرال العائلية و تعرض على شاشات السينما بشكل إجباري قبل عرض الأفلام. و لذلك فقد بدأت محاولات استرجاعه و تحويله إلى ملكية شعبية, أو على الأقل الحصول على سلطات تخوّل بوضع اليد عليه و لو جزئيا.
لكن جميع هذه العراقيل كانت تصطدم بمانع قانوني, فالقصر مسجّل قانونيا و بشكل صحيح في السجلات العقارية باسم الجنرال فرانكو, و قد آل بعد وفاته لزوجته بحسب وصيته. بالإضافة إلى أن وجود حزب الشعب في الحكومة الإقليمية في غاليثيا لمدة 16 عاما قد عرقل الأمور.
بدأت المعركة من أجل قصر ميراس مع سقوط حزب الشعب في الانتخابات الإقليمية عام 2005 و استلام الإئتلاف المؤلف من الحزب الاشتراكي الاسباني و الكتلة القومية الغاليثية الحكم. حيث كان من أولويات الكتلة القومية هي إنهاء ملف قصر ميراس, و من أجل ذلك فقد أمرت وزيرة ثقافة الإقليم بالبدء بالتحركات اللازمة لدراسة امكانية تحويل القصر إلى ملكية ذات أهمية ثقافية (Bien de interes cultural).
بحسب القانون الإسباني, في حال وجود ملكية خاصة ذات أهمية ما (ثقافية, اقتصادية.. الخ) بالنسبة للمجتمع, فإن الملكية الخاصة تتقيّد, و يكتسب المجتمع حقوقا على هذه الملكية, و في حال الأهمية الثقافية لعقار, فإن ذلك يجبر المالكين على الخضوع لتوصيات مهندسي وزارة الثقافة للحفاظ على هذه الملكية, و كذلك فأن عليهم فتح هذه الملكية للعامة لأيام محددة في الشهر لكي يستطيع جميع الناس زيارتها دون قيد أو شرط.
و هنا بدأت المشاكل و المحاكمات, فعائلة فرانكو ترفض السماح لمفتشي وزارة الثقافة بالدخول و فحص القصر, و هذا سبب صراع قانوني ما زال مستمرا حتى اليوم, و سينتهي حتما بمشهد الشرطة الاسبانية و هي تفتح باب القصر عنوة لكي يدخل المفتشون.
هذا المشهد, قد لا ينفع أحد ماديا... لكنني أعتقد أن رؤية الشرطة تدخل قصر ميراس بالقوة قد يكون مثلجا لصدور أبناء و أحفاد القتلى و المصابين و المهجّرين و المفقودين, طيلة عقود من حكم "سيد ميراس", كما كان يدعى الجنرال فرانكو. و سيكون لحظة تاريخية من لحظات تاريخ اسبانيا الحديث.
أكاد أكون مستعدا لإعطاء شيء ما, مقابل وجودي في رأس أحد أبناء فرانكو, و معرفة ما يجول بخاطره وهو يرى كيف أنه تحوّل من ابن فرعون... إلى نكرة...
و هذا.. درس أعتقد أنه يجب أن يتعلمه كل طاغية.. فالتاريخ لا يرحم.. و عاجلا أم آجلا... ينتقم
عرض صور القصر (عرض شرائح مشترك مع التدوينة السابقة.. مع الاعتذار)
منذ يومين استغليت سفري إلى مدينة كورونيا لحضور افتتاح معرض صديقي العزيز, الرسام التشكيلي السوري علي العلي, كي أذهب بعد ذلك لزيارة منطقة Sada, حيث يقع قصر ميراس (Pazo de Meirás ).
هذا القصر ملك لعائلة الجنرال فرانكو قانونيا, و قد كان مقر إقامته الصيفي في حياته, و بالتالي مقر الحكومة الاسبانية الديكتاتورية.
قصر ميراس, أو أبراج ميراس كما يدعوها البعض, هو قصر شيدته إميليا باردو باثان (أديبة اسبانية شهيرة و سليلة عائلة من الأرستقراطية الإقطاعية في غاليثيا) بداية القرن العشرين على أنقاض تحصينات من القرن السابع عشر, و بعد وفاة إميليا و اغتيال ابنها, آلت ملكية القصر لإحدى بناتها و أرملة ابنها القتيل, و قررت المالكتان الجديدتان التبرع بالقصر للفرقة اليسوعية بشروط تم رفضها من قبل الأخيرة, في تلك الفترة, كانت الحرب الأهلية على وشك الانتهاء و بدأت نتيجة الحرب المواتية للمتمردين العسكريين بقيادة فرانكو بالتجلّي, عندها قرر العديد من المنافقين من أهالي المنطقة بكسب ود الجنرال المنتصر, و شكّلوا لجنة لجمع التبرعات لشراء القصر و الأراضي المحيطة به و إهدائه للقائد العظيم, يد الله المحرّكة للحملة الصليبية ضد قوى الكفر الشيوعي الأحمر و الماسونية اليهودية.
بعد حملة قصيرة من جمع التبرعات, أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها هجمة لقطّاع طرق من النوع القذر, تم تسليم القصر رسميا للجنرال فرانكو بعد توسيع حديقته عن طريق سرقة الأراضي المحيطة.
قادة مبادرة الهدية الكبيرة تم تكريمهم عن طريق امتيازات سياسية و اقتصادية ضخمة جدا طبعا, و حتى تم إهدائهم ألقابا أرستقراطية, و ترى أبنائهم و أحفادهم اليوم يرثون هذه الألقاب و يتغنون بنبل أصولهم الأرستقراطية... مما يؤكد القانون الحيوي القائل بأن نبلاء اليوم... هم حثالة الأمس.
كان فرانكو ديكتاتورا حقيقيا (و هذا ليس إطراءا, بل وصفا لحالة نفسية), فقد كان مقتنعا أن البلد كله ملكه لدرجة أنه لم يضيّع الوقت في النهب, فمن الغباء سرقة نفسك. و لذلك لم يبق لعائلته ثروة طائلة بعد وفاته, فقط بعض الأملاك العقارية و الأراضي, أغلبها "هدايا" على طراز قصر ميراس, و بعض الأسهم في شركات عقارية ما زالت موجودة حتى الآن. و قد استفاد الوسط المحيط بالجنرال من التساهل الضريبي و الامتيازات الممنوحة لهم في تلك الحقبة (و هذا اسمه فساد, و هو مثير للاشمئزاز مهما كان حجمه, لكن يجب علي الإشارة أن امتيازات عائلة فرانكو مجتمعة في حياته لا يمكن أن تقارن بامتيازات أي مسؤول سوري كبير, مثلا).
لم تكن أي من أملاك الجنرال بعد وفاته محك سجال كبير أو مهم, ما عدا قصر ميراس, لكبره و أهميته, و رمزيته كمقر صيفي للجنرال, و لأنه كان مكان تصوير تلك البرامج الوثائقية التي كانت تصوّر عن حياة الجنرال العائلية و تعرض على شاشات السينما بشكل إجباري قبل عرض الأفلام. و لذلك فقد بدأت محاولات استرجاعه و تحويله إلى ملكية شعبية, أو على الأقل الحصول على سلطات تخوّل بوضع اليد عليه و لو جزئيا.
لكن جميع هذه العراقيل كانت تصطدم بمانع قانوني, فالقصر مسجّل قانونيا و بشكل صحيح في السجلات العقارية باسم الجنرال فرانكو, و قد آل بعد وفاته لزوجته بحسب وصيته. بالإضافة إلى أن وجود حزب الشعب في الحكومة الإقليمية في غاليثيا لمدة 16 عاما قد عرقل الأمور.
بدأت المعركة من أجل قصر ميراس مع سقوط حزب الشعب في الانتخابات الإقليمية عام 2005 و استلام الإئتلاف المؤلف من الحزب الاشتراكي الاسباني و الكتلة القومية الغاليثية الحكم. حيث كان من أولويات الكتلة القومية هي إنهاء ملف قصر ميراس, و من أجل ذلك فقد أمرت وزيرة ثقافة الإقليم بالبدء بالتحركات اللازمة لدراسة امكانية تحويل القصر إلى ملكية ذات أهمية ثقافية (Bien de interes cultural).
بحسب القانون الإسباني, في حال وجود ملكية خاصة ذات أهمية ما (ثقافية, اقتصادية.. الخ) بالنسبة للمجتمع, فإن الملكية الخاصة تتقيّد, و يكتسب المجتمع حقوقا على هذه الملكية, و في حال الأهمية الثقافية لعقار, فإن ذلك يجبر المالكين على الخضوع لتوصيات مهندسي وزارة الثقافة للحفاظ على هذه الملكية, و كذلك فأن عليهم فتح هذه الملكية للعامة لأيام محددة في الشهر لكي يستطيع جميع الناس زيارتها دون قيد أو شرط.
و هنا بدأت المشاكل و المحاكمات, فعائلة فرانكو ترفض السماح لمفتشي وزارة الثقافة بالدخول و فحص القصر, و هذا سبب صراع قانوني ما زال مستمرا حتى اليوم, و سينتهي حتما بمشهد الشرطة الاسبانية و هي تفتح باب القصر عنوة لكي يدخل المفتشون.
هذا المشهد, قد لا ينفع أحد ماديا... لكنني أعتقد أن رؤية الشرطة تدخل قصر ميراس بالقوة قد يكون مثلجا لصدور أبناء و أحفاد القتلى و المصابين و المهجّرين و المفقودين, طيلة عقود من حكم "سيد ميراس", كما كان يدعى الجنرال فرانكو. و سيكون لحظة تاريخية من لحظات تاريخ اسبانيا الحديث.
أكاد أكون مستعدا لإعطاء شيء ما, مقابل وجودي في رأس أحد أبناء فرانكو, و معرفة ما يجول بخاطره وهو يرى كيف أنه تحوّل من ابن فرعون... إلى نكرة...
و هذا.. درس أعتقد أنه يجب أن يتعلمه كل طاغية.. فالتاريخ لا يرحم.. و عاجلا أم آجلا... ينتقم
عرض صور القصر (عرض شرائح مشترك مع التدوينة السابقة.. مع الاعتذار)