27 أيلول 2008

لوركا.. ذاكرة التاريخ



بعد أكثر من اثنين و سبعين عاما على اغتياله, يعود الأديب و الشاعر الاسباني فيديريكو غارثيا لوركا (1898-1936) إلى افتتاحيات صحف بلاده, لأسباب لا علاقة لها بنتاجه الأدبي, هذا النتاج الذي أصبح رمزا من رموز الأدب العالمي في القرن العشرين.


اغتيل لوركا فجر يوم من منتصف آب عام 1936, بعد أيام من الاعتقال, حيث اقتيد إلى طريق زراعي بعيد ثم أطلق النار عليه و دفن هناك برفقة مساجين آخرين. كانت الشهور الأولى للحرب الأهلية الاسبانية, التي كلّفت الكثير من النفوس طيلة سنواتها الثلاث, و تركت في البلاد شرخا ما زال موجودا.. و جرحا لم يبرأ بعد.

انتهت الحرب الأهلية الاسبانية عام 1939 بفوز الجنرال فرانكو و قواته, و إقامة ديكتاتورية عسكرية يمينية متطرفة دامت حوالي الأربعين عاما, و انتهت بوفاة الديكتاتور عام 1975, حيث بدأ التحويل الديمقراطي الاسباني (Transicion) الذي صار درسا من دروس الديمقراطية و الوعي الديمقراطي, عندما جلس قادة "الاسبانيتين" و قرروا ترك خلافاتهم الإيديولوجية جانبا و التعاون من أجل إقامة النظام الديمقراطي الذي تنعم به اسبانيا اليوم.

طوال الأعوام الأربعين التي دامت فيها ديكتاتورية فرانكو, كان ضحايا الطرف الجمهوري المنهزم, من قتلى و جرحى و مشوّهين و مفقودين, منسيّين تماما, بل و منبوذين, مقابل تمجيد "شهداء" الطرف القومي المنتصر. و كان وجود قتيل أو مفقود من الطرف الجمهوري لدى أي عائلة هو وصمة عار لها, و عيب كبير تتستر عليه و تخبئه بخجل.. و ألم.


عند نهاية العهد الديكتاتوري و بدء المسيرة الديمقراطية, بقيت أمور عديدة عالقة بسبب وجود مسائل أخرى طارئة, أو لأنها كانت أمورا محك خلاف شديد, و كان الوضع حرجا و خطرا بشكل يستدعي التدقيق على الإرادة المشتركة و ترك الأمور المسببة للتباين لفترة أخرى أكثر هدوءا. و مسألة ضحايا الحرب الأهلية و إصلاح الضرر الناتج عنها و إعادة الحقوق لأهلها كانت إحدى هذه المسائل الشائكة, لذلك تم تأجيلها إلى فترة أخرى و مقابل ذلك تم التركيز على إنهاء الملاحقة السياسية و الاعتقالات, و تعليق كل القوانين المجحفة ريثما تنتهي صياغة الدستور الجديد و القوانين المدنية و الجزائية الملائمة له.


منذ سنوات قليلة, بعد فوز الحزب الاشتراكي العمالي بالانتخابات التشريعية, بدأ العمل بأحد أكثر نقاط البرنامج الانتخابي إثارة للسجال: قانون الذاكرة التاريخية (Ley de Memoria Historica). هذا القانون ينص على مسح جميع آثار الحقبة الديكتاتورية و آثار الحرب الأهلية, و كذلك على تكفّل الدولة مصاريف استكشاف المقابر الجماعية لقتلى الطرف الجمهوري و التعرّف على البقايا, كي تستطيع عائلاتهم دفنهم في مقابرهم العائلية, بعد سبعين عاما على موتهم.

هذا القانون أثار ضجة كبيرة, لأن اليمينيين اعتبروه "نكشا" للآلام القديمة, أو هذه كانت حجتهم للاعتراض على القانون الذي أثلج صدر الكثيرين من أبناء و أحفاد قتلى الجمهوريين. و بعد مداولات عديدة في البرلمان تم التصويت لصالح القانون بإجماع قوى اليسار ضد الرفض اليميني. و دخل حيّز التنفيذ و بدأت بلديات البلاد جميعها بإزالة جميع آثار عهد فرانكو, كأسماء الشوارع و التماثيل و اللوحات. و منذ أيام تمت صياغة الأمر القضائي الملزم لجميع الجهات بتقديم كل المعلومات المتوفرة حول مقابر جماعية أو مدافن سرية للقتلى الجمهوريين, ما يعني البدء بالخطوة الرمزية الأكثر أهمية..


إحدى نتائج هذه الخطوة كانت عودة لوركا إلى الذاكرة الإسبانية, حيث أن المدفن الذي يفترض أنه موجود فيه, و الذي كان طيلة سنوات الديكتاتورية محجا سريا للمثقفين, يزورونه ليلا ليقدموا احتراماتهم لأحد أبرز شعراء لغة ثرفانتس, سيتم فتحه للبحث عن بقايا عظام القتلى الذين دفنوا معه. و قد قدّمت عائلة الشاعر درسا في احترام المشاعر عندما أعلنت عن رغبتها ببقاء جثته مدفونة في نفس المكان, لكنهم يحترمون رغبة العائلات الأخرى في إيجاد جثث قتلاهم و نقلها إلى مدافنهم العائلية, و قد كتبت ابنة أخيه, التي هي دكتورة أدب اسباني, مقالا جميلا جدا عن عمها, و رمزية عمها, و رغبة العائلة أن يبقى عمها رمزا لكل المنسيين و المنبوذين في الأرض.


مازال هناك من يرفض توجّه حكومة ثاباتيرو نحو استعادة ضمير التاريخ و إنصاف المظلومين, حيث يرون في ذلك دافعا شخصيا كونه حفيد ضابط جمهوري أُعدم في نهاية الحرب الأهلية, لكن هذه الاتهامات لا تعدو عن كونها أحقاد من ساد طيلة أربعين عاما, و مجّد قتلاه و نظامه على حساب دهس حقوق الآخر.

تلخيص للسجال الدائر اليوم في اسبانيا, و الذي يدل, إلى حد ما, عن أن الحرب الأهلية أقرب ذهنيا مما يبدو زمنيا, هو حوار سمعته منذ أيام في الراديو, حيث كان هناك ضيفان في برنامج يتكلم عن الموضوع, أحدهما برلماني من حزب الشعب اليميني, و الآخر ابن أحد مفقودي الحرب الأهلية. بدأ البرلماني اليميني بالحديث عن عدم جدوى قانون الذاكرة التاريخية و أنه ليس إلا خطة لتحويل الأنظار عن مشاكل أخرى. و أن هذه الخطوة ليست إلا فتحا لجراح قديمة بأسلوب غبي. و كان رد ابن المفقود مفحما, فقد قال بهدوء شديد جملة واحدة:"الجراح لن تفتح.. لأنها ببساطة لم تغلق قبلا".




لوركا... شاعر الإنسان و الحياة و الحب... كان رمزا, و هو رمز, و سيبقى رمزا...



...