2014/01/13

La Siria asediada..


Kinda Khodr

Hace un par de días, unos 65 combatientes de la Brigada de los Mártires de Bayyada (uno de los barrios asediados desde hace meses en Homs), intentaron, a través del alcantarillado del vecino barrio de Qusour, romper el cerco del ejército del régimen para llegar a unos molinos cercanos y conseguir harina. Desgraciadamente, los combatientes fueron detectados por los soldados del ejército del régimen mientras subían a la superficie. Murieron más de 60, y otros 3 o 4 fueron capturados con vida pero con heridas de gravedad.

La tragedia conmocionó a la opinión pública opositora, ya que la Brigada de los Mártires de Bayyada es bastante conocida y admirada dentro y fuera del Ejército Libre. Es a la que pertenece Abdel-Baset Sarout, uno de los activistas más famosos de Homs, y de Siria en general. Sarout, de 22 años, fue portero de la selección siria de futbol sub-21 antes de la revolución, pasando luego a ser el animador principal de las manifestaciones de Homs. Es autor de gran parte de los himnos de revolución siria, y en muchos videos aparecen los miembros asesinados de la brigada del barrio de Bayyada coreando tras él. Abdel-Baset no estaba con la expedición atacada, pero dos de sus hermanos fallecieron.

Sama TV, propiedad del primo del presidente sirio, es uno de los medios de comunicación más fieros en la defensa del régimen sirio, llegando en muchas ocasiones al ridículo más bochornoso con las bravuconadas de sus presentadores, corresponsales, o invitados. El día de la tragedia, el canal informó de que “decenas de terroristas” habían caído a manos del ejército sirio. En el reportaje, Kinda Khodr aseguraba, rodeada de cadáveres y con cara de satisfacción (minuto 1:58), que el ejército sirio era “la voz de la verdad”. 


Este canal fue también autor de otro célebre vídeo en el cual Micheline Azar, otra corresponsal, acompañaba al ejército en una incursión en Dariya, cerca de Damasco. Azar tuvo el estómago de entrevistar a dos niños pequeños que se encontraban sentados al lado del cadáver de su madre, e intentó que los niños dijeran que los “terroristas” eran los que habían matado a su madre. Semanas más tarde, Azzar recibió la felicitación personal de Bashar Al-Asad por su “labor”.

La tragedia de Bayyada pone en relieve la situación dramática de los barrios y localidades asediadas por el régimen. Yarmouk, al sur de Damasco, es el campo de refugiados palestinos más grande de la región. El campo lleva año y medio bajo asedio, primero parcialmente, luego por completo los últimos 200 días. El precio del kilo de arroz dentro del campo ronda los 100 dólares, y ya se registraron al menos 35 casos de muerte por inanición.A finales de agosto, un grupo de activistas e intelectuales sirios y palestinos lanzó un llamamiento internacional contra el asedio a Yarmouk. Nadie hizo nada.

Yarmouk es el caso más simbólico, pero no el único; decenas de localidades de la periferia de Damasco, así como zonas de Homs, Deraa o Aleppo, se encuentran asediadas. El hambre es un arma legítima y efectiva para el régimen, y al mundo parece importarle poco, o incluso nada.







2014/01/07

الحجر صار كلاشنكوف


الكلاشنكوف في البروباغندا الماويّة في الصّين
 قبل إلغائها منتصف العقد الماضي، كانت مادة "التربية العسكرية" جزءاً من منهج المرحلتين الإعدادية والثانوية في سوريا. في هذه المادة، كانت "البارودة الروسيّة" بوصفها "سلاحاً فردياً فعّالاً" هي جوهرة التاج، إذ يستحوذ حفظ عيارات الكلاشنكوف ومقاساته، ثم تعلّم فكّه وتركيبه -بعد إجراء "حركتي أمان"- على الجزء الأكبر من منهج المادة. أواسط المرحلة الثانويّة، ثم في المعسكرات الشبيبيّة الإجباريّة، كان الطلاب يُساقون  إلى حقل الرماية لتفريغ نحو عشر طلقات رشّاً، مع زميلٍ يُساعد في لمّ فوارغ الطلقات

توفي، قبل أيام، عن 94 عاماً، ميخائيل كلاشنكوف، مصمّم السلاح الرشاش الأشهر والأكثر انتشاراً حول العالم. قيل وكُتب الكثير عن المفارقات الأخلاقية والإنسانية لاختراع أداة تقتل نحو ربع مليون إنسان سنوياً. ﻻ شك أنها مفارقات تستحق البحث والتفكير، وربما اكتشاف مفارقات أخرى أكثر أو أقل سطوعاً وبديهيّة منها. عدا ذلك، ﻻ يُمكن تفادي ملاحظة أن الكلاشنكوف هو، بعد السيوف بأنواعها، أكثر الأسلحة حضوراً في التعبيرات الثقافية، السياسية منها وغير السياسيّة، على امتداد جغرافيا الأرض

حظي الكلاشنكوف بمكانٍ تشريفي في صور ورموز حركات التحرّر الوطني، خلال الستينات والسبعينات، من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المختلفة إلى "الفيتكونغ" في فيتنام، مروراً بالساندينيستا في نيكاراغوا والميليشيات اليسارية في غواتيمالا والسلفادور وغيرها. عشرات الألوف من البوسترات الدعائية تترك للكلاشنكوف صدر ألوانها. حيث انتصرت هذه الحركات، تركت للكلاشنكوف مكاناً حتى في رموز الدولة التي أسستها، عرفاناً لدوره المساعد في النصر: الكلاشنكوف موجودٌ، مثلاً، في أعلام الموزامبيق وتيمور الشرقيّة الرسميّة. يظهر الكلاشنكوف أيضاً في شعارات حزب الله والحرس الثوري الإيراني

موسيقياً وشعرياً، تواجد الكلاشنكوف أيضاً في شعارات وأغاني حركات التحرّر والجماعات اليسارية المختلفة. ففي فلسطين على سبيل المثال اشتهر هتاف "مافي خوف مافي خوف، الحجر صار كلاشنكوف" إضافة إلى أغانٍ وقصائد نضالية كثيرة. منها أغنية "كلاشنكوف خلي رصاصك بالعالي" للفرقة المركزية المرتبطة بحركة "فتح". المعاني والتشبيهات مماثلة لتلك الموجودة في أدبيات الحركات اليساريّة في أميركا اللاتينية وأفريقيا. لكنّ الوجود الغنائي للكلاشنكوف لم يقتصر على السياقات النضالية الملتزمة، ففي لبنان هناك أغنية لفيلمون وهبي، بطابعه المميّز، عنوانها "كلاشنكوف". العنوان نفسه الذي استخدمه الموسيقار الصربي-البوسني غوران بريغوفيتش لإحدى أغنياته. بريغوفيتش اشتُهر عالمياً بكونه واضع موسيقى النتاج السينمائي لأمير كوستوريكا.


كلاشنكوف" هو أيضاً اسم أغنية شهيرة لـ "إيبتوس أونو"، مغني الهيب- هوب الأميركي من أصل مكسيكي، والاسم التجاري للكلاشنكوف، آي كي-47، هو لقب أحدى مغنّي الراب الشهيرين في بولونيا

إحدى أكبر أزمات التشافيزيّة في فنزويلا، مع المؤسسة الكاثوليكيّة الرسميّة، كانت بسبب غرافيتي رسمه عدد من الناشطين الموالين للراحل هوغو تشافيز أمام إحدى الكنائس في كاراكاس، وتظهر فيه مريم العذراء وهي تحمل المسيح الطفل ورشاش الكلاشنكوف في آنٍ معاً

في المكسيك، اشتُهر كتاب للصحافي المخضرم أليخاندرو ألماثان بعنوان "فتيات الكلاشنكوف وقصص أخرى"، يجمع فيه مختارات من عمله الاستقصائي. قصة "فتيات الكلاشنكوف" تروي سيرة مجموعة من الفتيات اللواتي يعملن كقاتلات بالأجرة في شمال المكسيك، المنطقة الواقعة تحت سيطرة كبرى عصابات الإتجار بالمخدرات وتهريبها. سيطرة عصابات المخدرات على شمال المكسيك ﻻ تتوقف على القوّة المسلّحة، بل تتعدّاها إلى الهيمنة اﻻقتصادية والاجتماعية والثقافيّة، وحتى الدينية! هناك نتاج موسيقي وشعري-غنائي قائم على تمجيد قادة عصابات الإتجار بالمخدرات ومقدرتهم على تحدّي "الأقوياء"، ومن المألوف أن تُرفع صور وتماثيل لهؤﻻء القادة في الكنائس حين يُغتالون ويُصلّى لهم وكأنهم قدّيسون. يُعرف الكلاشنكوف في المكسيك باسم "قرن المعزة"، كنايةً عن استدارة مخزن الرشاش

هناك طرفة رائجة بين صحافيي الحروب الذين عملوا في أفريقيا، تقول إنك قد تجد قرى كثيرة ليس فيها أدوية أو لقاحات، وﻻ حتى مياه صالحة للشرب، لكن أياً منها لن يخلو من عنصرين: رشاش الكلاشنكوف وبرّاد الـ"كوكا كولا". الآلية البشرية لإنتاج وإعادة إنتاج رموزها مثيرة للإعجاب والتعجّب في آنٍ معاً.
..

منشور في جريدة المدن اﻻلكترونيّة 







الحرب هي السلام


أواخر الأسبوع الماضي، بعد أيام على بدء حملة القصف الجوّي بالبراميل على أحياء حلب الواقعة خارج سيطرة جيش النظام والميليشيات المُلحقة به، قدّمت الولايات المتحدة مقترحاً لإعلانٍ غير ملزم في مجلس الأمن، ليس فيه من الديباجة أو المضمون القانوني أبعد من التعبير عن "السخط". سُحب هذا المقترح سريعاً عقب رفضٍ روسيٍ شديد، كما سُحبت مقترحات أخرى مُشابهة قدّمتها وفود لوكسمبورغ وأستراليا وبعض الدّول العربيّة. نقل ديبلوماسيّ غربي لوسائل الإعلام يومها أن روسيا هدّدت باستعمال حقّ الفيتو "حتّى من دون قراءة هذه النصوص"، إن لم يسحبها أصحابها. من جهتها، عبّرت الدول الطارحة لمشاريع الإعلان الأممي أنها سحبت هذه المقترحات خشية التأثير سلباً على الاستعدادات لعقد مؤتمر "جنيف2" للسلام بشأن سوريا في 22 كانون الثاني/يناير المقبل.
 
في الأيام التالية لهذا التجمّد الأممي المخزي، استمرّ قصف أحياء حلب "المحررة" (وهي الأكثر شعبيّة، والأفقر، والأقل مقدرة على تحمّل ويلات ما يُسكب على حلب من حقد أعمى) من الجوّ بالبراميل المتفجّرة. وتتلاحق الأنباء والتقارير عن المجازر التي تقع تحت وطأة هذه البراميل بتواترٍ محموم. بضع ساعاتٍ بالكاد تفصل بين نبأ سقوط عشرات الشهداء، عن النبأ الذي يليه. يحدث هذا وسط صمتٍ وتجاهل ثقيلين. ﻻ يجوز أن نُزعج "صُنّاع السياسة العالميّة" بالأنباء ومطالبات المواقف حول مجازر يقترفها النظام الأسدي، فهذا قد يُحبط جهود التوصل للسلام في سوريا!
 
بعد معاناة، أنجبت "ديستوبيا" جورج أورويل، في روايته "1984"، شعار "الحرب هي السلام". يبدو اليوم أن هذا الشعار لم يعد ديستوبياً بالمطلق، بل بات من صميم الواقعيّة السياسيّة الأكثر بديهيّة. هنيئاً لإسرائيل ولبشار الأسد على هذا التحوّل.
 
البرميل المتفجّر هو الاختراع الأكثر تعبيراً عن ماهيّة الحرب التي يشنّها النظام الأسدي على الشعب السوري: مزيجٌ من الحدّ الأدنى من التكنولوجيا مع كثيرٍ من الرثاثة، ومعين ﻻ ينضب من الكره الأعمى والنزعة الدمويّة التدميريّة. هو توقيع النظام السوري على لوحات الخراب التي ينثرها في أركان الجغرافيا السوريّة. لا يمكن توجيه البرميل المتفجّر، وﻻ يمكن اﻻستفادة منه في تحقيق إصابات استراتيجيّة. هو كتلة موتٍ عشوائي يرميها "نسور الوطن" فوق التجمعات السكانية بلا اكتراثٍ بأي عشراتٍ سيموتون وأي عشراتٍ سيجرحون، أو أيّ أبنيةٍ ستسوّى بالأرض. كلّهم سواسية، وكلّهم يجب أن يموتوا! لكنّ ليس هذ الكلام هو المهم. ﻻ فائدة في إعادة التفكير في طبيعة النظام السوري الإجراميّة، للمرّة الألف، بعد أكثر من ألف يوم من المقتلة المستمرّة

سورياً، ﻻ يُمكن، رغم كلّ الحجج والبراهين الموضوعيّة التي يمكن إبرازها لبطلان الفرض، إﻻ أن نتفهّم أولئك الذين يرون أنّه يجب البحث عن حل تفاوضي مع النظام وفق هذه الظروف التي يفرضها العالم علينا. هناك موجبات إنسانية لهذا التفهّم، وهناك حاجة كبرى لقراءة السيكولوجيا التي ترغب بالقفز فوق كلّ القرائن الموضوعيّة التي تُرينا بوضوح أن نظام بشار الأسد ليس إﻻ آلة حرب عصيّة على السياسة، وأنها لن تذهب إلى السياسة إﻻ مرغمة على قتل كثيرٍ من نفسها للحفاظ على القليل منها، ﻷن آلة الحرب ستأكل نفسها وتنهار فور تباطؤ دورانها. ماذا لو؟ دعونا نجرّب؟ هذه الأسئلة مفهومة، بل ومُتضامن معها، ويكاد المرء حقّاً أن يتمنّى أن يكون على خطأ. يتمنّى أن يأتي له غداً أحدٌ ليقول: أترى؟ ألم نقل لك؟ الخارق للمقدرة على التحمّل والفهم هو الرياء الدولي تجاه جنيف2: المُعارضات السوريّة ﻻ تتوقف عن تلقي الضغوطات والابتزازات، تارةً باسم عزل التكفيريين، وتارةً أخرى بابتزازٍ إنسانوي مقيت يربط بين واجب العالم الإنساني ومناورات الأزقة السياسيّة البائسة، كي تذهب إلى جنيف2 من دون أيّ قيد أو شرط. ليس فقط هذا، بل تخرج علينا كلّ أسبوع جرعة دفعٍ نحو إفهام المُعارضين بأن ثمة معادلات دولية، سياسية وأمنية، ستقتضي أن يبقى الأسد ولو إلى حين. الشعب السوري خارج هذه المعادلات بالطبع.
 
من جهته، ﻻ يُطالب النظام السوري بأيّ مقدّمات، وﻻ حتّى من باب إبداء حسن النيّة أمام اﻻستحقاق السياسي المفترض (بل المزعوم). ﻻ إطلاق لسراح معتقلين، وﻻ وقف لقصف المدنيين، ولا فكّ للحصار عن مناطق وأحياء وبلدات، ولا حتّى إدخال لمساعدات إنسانيّة فعالة. المُشككون في أن سلوك نظام الأسد يتوافق بالحدّ الأدنى مع ما يُنتظر من طرف في مفاوضات دولية من أجل السلام، هم الذين يتلقّون اﻻتهامات بتعطيل "الحلّ السياسي"، ﻻ قاصف البراميل فوق رؤوس أطفال حلب. التجهيز لمفاوضات السلام يأتي من باب ترك وارث أبيه يقترف المجازر من دون أن يسمع ولو تنديد على شكل بيان أممي غير مُلزم يُعبّر عن "سخط".

الحرب هي السلام
.. 









سوريا: الأزمنة المتلاطمة


ثمة شبكة من التعقيدات الهائلة والثقيلة تجثم على صدر المسألة السوريّة اليوم. بين الوضع العسكري القلق في جموده، وفوضى السلاح وشلال إعلانات توحيد قوى مسلّحة على أسس إسلاميّة، واستفحال الأنواع المتعددة من المآسي التي تسكبها «داعش» يومياً في مناطق شاسعة من الشمال السوري من جهة، والوضع السياسي للمعارضات السوريّة، الحبيسة في افتراضيّة وجودها وقرارها، والمنصرفة لصراعاتها في ما بينها ومع ذواتها من جهة أخرى، وبؤس المقاربات السياسيّة الإقليمية والدوليّة تجاه المأساة السوريّة، والتي لم تنجب أكثر من ضغوطات ووعود محيطة بمبادرة جنيف-2، المبنيّة في شكل أساسي على ابتزازات متراكبة، قليلة التمعّن بمتطلبات الواقع السوري مقارنةً بكونها إرهاص محاولة لإيجاد حلّ وحيد لسلسلة معادلات إقليمية ودوليّة.

تحت شبكة التعقيدات هذه، أرضيّة من صعوبة بناء مقاربات فكريّة سوريّة مُعارضة متكاملة، متحررّة ولو نسبياً من تلاطمات الواقع اليومي. صعوبة آتية في شكل أساسي من التمازج العنيف للأزمنة السياسية، بل التاريخية، التي تمرّ بها سورية اليوم. في «زمن الثورة»، أي في مرحلة اﻻنتفاضة السلميّة وحتى أوج فعاليّة «الجيش الحر» عسكرياً كردّ فعل على همجيّة النظام في محاولته لقمع اﻻحتجاج الشعبي ضدّه، كان من الممكن، بل ربما من المحتوم من وجهة نظر جذريّة في معارضتها لنظام الأسد، بناء موقف أحادي ومتمحور بالكامل حول فكرة إسقاط النظام. كان من المقبول، تكتيكياً على الأقل، البحث عن تحالفات عريضة تجتمع لتحقيق هذه الغاية، من دون الدخول في سجالات فكرية وسياسيّة أُخرى، أكانت من طراز التناقضات العلمانيّة-الإسلاميّة، أو أي نوع آخر من التناقضات الطبيعية والحتميّة. سجالات اعتُبر حينها أن لا مكان لها في الوقت الحالي في ظلّ التناقض الرئيس والوحيد مع نظام منفلت الدمويّة، وأن لهذه السجالات وقتاً آخر يأتي حين تحقق الثورة هدفها في إسقاطه.

اليوم، بعد تعقّد الحال العسكري ودخوله في حالة أشبه بالمستنقع، وبعد ظهور وتبلور حركات جهاديّة إسلاميّة متدرّجة التشدّد، وإن متفقة في وضوح أهدافها السياسيّة، وسط انهيار لفكرة «الجيش الحرّ»، وبعد خيبة الأمل الكبرى من المجتمع الدولي، خصوصاً مع انهيار احتمالات تدخّلٍ عسكري بدا قريباً جداً في نهاية الصيف الماضي بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة، وعُلّقت عليه آمال كثيرة، يبدو واضحاً أن الكثير من السجالات المؤجّلة فرضت نفسها، بشراسة، على مؤجّليها. ليس في هذا تقييم لمنطقيّة تأجيل النزاعات خلال «زمن الثورة»، وهو تقييم غير منصف حين يتم بأثر رجعي، خصوصاً أن في التطرّق المألوف اليوم الكثير من الكيديّة والرغبة بتصفية حسابات عصبويّة، حزبيّة وإيديولوجويّة.

بمعنى آخر، دخلنا منذ أشهر في «زمن ما بعد الثورة»، بمعضلاته الكبرى وأسئلته المصيريّة، من دون أن يسقط النظام السوري، من دون أن ينتهي «زمن الثورة».

هناك امتحانٌ كبير جداً، بأسئلة شبه تعجيزيّة، يكمن في المطالبة بموقف متكامل، واضح، ومتصالح مع نفسه، بخيارات تكتيكية واستراتيجيّة عمليّة، ينفع لزمنين مختلفين تتداخل تحدياتهما وتتلاطم، ﻻ سيما أن الشطر الأكبر من النخب السياسيّة والفكريّة السوريّة ما زالت تتعارك مع ذاتها حول أمراضها وعللها وعقدها القادمة من زمن ثالث، «زمن ما قبل الثورة»، من دون أن تكون الثورة، رغم كونها زلزالاً بكل معاني الكلمة، قد نجحت في خلخلة أوضاع هذه النخب السياسيّة والفكريّة وتغيير أحوالها، أو إنتاج نخب جديدة.

النظام السوري ما زال قائماً، وقدرته على الأذى أكبر من أي وقت آخر، كذلك وضعه الدولي بعد إعادة التأهيل النسبيّة التي حظي بها بعد اﻻتفاق الروسي- الأميركي حول نزع السلاح الكيماوي بعد مجزرة الغوطة. تالياً، ما زال التأكيد على التناقض الرئيسي مع النظام راهناً، والتأكيد على ضرورة رحيله كمبدأ للحل ضرورةً. بالإمكان أيضاً الفرَض والبرهان على أن النظام، من خلال تعنيفه المنفلت للمجتمع السوري، قبل وأثناء الثورة، هو المسؤول عمّا تعيشه البلاد اليوم، أكان ذلك من طريق ما اقترفه وحلفاؤه من قتل وتدمير وتشريد، أو من طريق فتحه كلّ الأبواب للأزمات المركّبة التي تعصف بسورية اليوم. هذا التأكيد المبدئي ضروري، لكنّه لم يعد كافياً، والوقوف عنده وحده يقود للعجز عن مقاربة مشكلات «زمن ما بعد الثورة»، كما في حالة نسب كل الموبقات المقترفة على الأرض، أكانت من «داعش» أو غيرها، إلى عمالة مفترضة للنظام ليست إﻻ ضرباً من نظريّة المؤامرة، وتعامياً عن الظروف الموضوعية الموجودة في سورية وحول سورية، والتي تقود لظهور وتبلور هذه المشكلات.

التحدّي الفكري الأكبر يكمن في اﻻبتعاد عن نظريات المؤامرة هذه، بغض النظر عن مشروعيّة قراءة تلاقي المصالح موضوعياً بين جهات متصارعة، والعمل على تفكيك معضلات الأزمنة المتداخلة والمتلاطمة وتحليلها في شكل منفرد. ليس القصد فقط تشغيل العقل للخروج بنتيجة غير عمليّة من طراز «أنا ضد كذا وكذا وكذا»، والتي تقود لسجال عقيم آخر حول لماذا الـ «كذا» الأولى أتت قبل الـ «كذا» الثانية. هناك حاجة ماسّة لفرز جبهات العمل وفحصها وتحليلها، ودراسة سبل العمل الأمثل لكلّ منها. في هذا، ربما، عودة للإيديولوجيا، وتالياً فرزٌ حازم للعاملين حسب عقائدهم وأهوائهم وانحيازاتهم الفكريّة، لكنّ هذا الفرز يبدو قدراً ﻻ فكاك منه، وﻻ جدوى من الوهم بإمكانيّة تأجيله، فالحلم بجبهة عمل متّفقة على هدف واحد رئيس، ونزيهة في علاقاتها الداخليّة ومتفقة على أخلاق فرسان في ما يخص تناقضاتها وأحلامها في مراحل ﻻحقة، كان أقلّ بكثير من سراب حتى في أوج «زمن الثورة». ما معنى التمسّك بأسمال الحلم المتعفّنة هذه اليوم؟
..
منشور في صحيفة الحياة 







من "كيم" إلى سيّدة حلب


"سيدة حلب"_ محمد الخطيب (فرانس برس)
في الثامن من حزيران 1972، شنّت قوّات فيتنام الجنوبيّة الجوّية، المتحالفة مع الولايات المتحدة حينها ضدّ الـ"فيتكونغ"الشماليين، غارةً جوّية بالنابالم على بلدة "ترانغ- بانغ"، متسبّبة بتدمير البلدة. لم تكن أوّل مجزرة في المطحنة الدمويّة الفيتناميّة، كما لم تكن أكبر مجزرة، لكنّ صورةً التقطها المصوّر نيك أوت، عند مشارف البلدة، قيّدت اليوم والمكان في سجلّ التاريخ، وجلبت لصاحبها جائزة "بوليتزر"، الأهم والأشهر في عالم الصحافة. إنها صورة "كيم".

بان- ثي- كيم- بوك كانت في التاسعة من عمرها حين تساقط النابالم على بلدتها وأصابها. هربت باكيةً ومذعورة من البلدة وهي تخلع بقايا ثيابها المشتعلة. نجت من المحرقة، وإن بعد أكثر من 14 شهراً في المشافي، و17 عمليّة زرع جلد لتعويض ما اكتسحه النابالم من جسدها. التقط نيك أوت مشاهداً لـ"كيم" عاريةً ومذعورة ومحروقة وهي تبحث عمّن يعينها على النابالم الذي كان ينهش جسدها نهشاً، وجابت هذه الصور العالم لتبرز الفظاعات المجّانية المرتكبة ضد الفيتناميين.

تعيش "كيم" اليوم في كندا، حيث تعمل على أن "تنسى وتُسامح"، مستعينة لأجل ذلك بإيمانٍ ديني عميق.

أما الصورة الأخرى فالتقطها مصوّر "فرانس برس" محمد الخطيب في حلب، الأحد الماضي، في اليوم الأول لحملة القصف الجوّي بالبراميل المتفجّرة التي تعانيها أحياء حلب الخارجة عن سيطرة النظام منذ ذلك اليوم، والتي أوقعت، بحسب تقديرات ناشطين محليين ومنظمات مثل "أطباء بلا حدود"، أكثر من مئتي شهيد وعدد أكبر من الجرحى، يُعانون ضعف الإمكانيات اللوجستية لعمليات الإنقاذ، إضافة إلى نفاد أغلب الموارد الطبية اللازمة لعلاجهم. تُظهر هذه الصورة سيّدة مغبرّة الثياب ودامية الوجه، تمشي في الشارع مبتعدة عن مكان سقوط أحد البراميل المتفجّرة التي ضربت حلب يومها. على يمينها طفلٌ لا نرى ملامحه بوضوح خلف ذراعه المنبسطة أمام وجهه وقبّعته الخضراء، وعلى يسارها طفلٌ آخر مُدمّى الوجه.

السهل والمنطقي، عند تمعّن الصورة، هو افتراض أن السيّدة والطفلين بفي حالة ذهول كامل بعد تلقّي عنف الضربة المتفجّرة. الأرجح أن يكون الأمر كذلك، لكنّ لنظرة السيّدة مغناطيسيّة معيّنة يصعب شرحها أو فهمها. يبدو أنها تنظر بثبات إلى نقطة معيّنة، تتجه نحوها في مسيرها. يبدو أيضاً أن الطفل الذي على يسارها ينظر تجاه هذه النقطة أيضاً. لعلّ هذه النقطة شخصٌ يُراد منه العون، أو نقطة طبّية. ربما قريب أو صديق، أو ببساطة شخص معروف. ربما تكون هذه النقطة، ببساطة، مكاناً ﻻ نار وركام فيه، يمكن اللجوء إليه بعيداً من همجيّة القصف، وترنّح المكان المقصوف واختلاجاته.
"كيم"_ نيك أوت

الطفل الآخر، الذي على اليمين، يستعين بذراعه وقبّعته وثياب السيّدة، التي تمسك به بقوّة، كي يغمض بصره. ﻻ يريد أن يرى أمامه وﻻ خلفه. السيّدة تقوده وهو يذهب معها. ربما هو الأقل ذهولاً وصدمةً ولذلك شرع يبكي، وسيلتحق رفاق رحلة الغبار والدم ببكائه بعد قليل. ﻻ يريد أن يُشاهد، وهذا حقّه. السؤال عن أخلاقيّات من ﻻ يريد أن يُشاهد تبعات الإجرام المنفلت رغم أنه قادر أن يفعل شيئاً، ولو بسيطاً، للمساهمة في وقف هذا الإجرام محقٌّ أيضاً.

بين صورة "كيم"، التي أضحت رمزاً لمناهضة الحروب حول العالم، واستُخدمت بكثافة في حملات المطالبة بتحريم إنتاج واستخدام النابالم في القوانين الدوليّة، وصورة سيّدة حلب والطفلين، أكثر من 41 عاماً. تغيّرت في العقود الأربعة هذه أشياء كثيرة، من بينها، طبعاً، تقنيات التصوير. لم تتغيّر الوحشيّة المنفلتة لدى أباطرة الإجرام كثيراً، والتي تجعلهم يستسهلون، بل ويستمتعون، بالقتل والتدمير والتعذيب لأهداف سياسيّة سلطويّة، أو اقتصادية استغلاليّة، أو حتى من دون سبب إﻻ إثبات أنهم أقوياء، قادرون، بيدهم مصير هؤﻻء التعساء، وفي عقلهم الدنيء تقدير اللحظة التي يمارسون فيها قدراتهم على مصائر الناس. هذه الوحشيّة، كالتصوير، انتقلت من الـ"الأنالوغ" إلى "الديجيتال"، وأصبحت تنشر رياءها على "انستغرام". بشار الأسد هو المثال الأبلغ على وحشيّة الصورة، بكل ما للوحشيّة من تجليات وأشكال.
..






2013/12/15

اسبينوزا نصير السوريين..خطفته داعش


 
ريكاردو بيلانوبا وخابيير اسبينوزا
نهاية آب الماضي، وحين كان الجدل على أشدّه، حول الردّ الدولي على مجزرة الكيماوي في الغوطة، نشر خافيير اسبينوزا مقالاً بعنوان "دعهم يقتلون بعضهم البعض" في مجلّة "جوت داون" الثقافيّة الاسبانيّة. في المقال، سرد اسبينوزا جزءاً من مشاهدات مأخوذة من أكثر من عشر زيارات إلى سوريا منذ اندلاع الثورة، جاعلاً إياها رداً قوياً على الخطاب السلموي الذي لم يرَ حينها حرباً في سوريا إﻻ تلك التي يُفترض أن الولايات المتحدة كانت ستشنّها. لم يكن هذا الموقف غريباً على خافيير، الذي كان دوماً نموذجاً ﻻمعاً للدوافع الإنسانية والأخلاقية المحرّكة لعمل صحافي محترف.

بعد نشر المقال بأقل من عشرين يوماً، خطفت "داعش" خافيير اسبينوزا، ورفيقه المصوّر ريكاردو غارثيا بيلانوبا، في ريف الرقة الشمالي، حين كانا في طريقهما لمغادرة الأراضي السوريّة بعد تغطية وتوثيق جانب من الحرب الوحشيّة التي شُنّت على دير الزور.

اسبينوزا مراسل حرب متمرّس، خلفه عقدان ونيف من تغطية الحروب والكوارث، خصوصاً في الشرق الأوسط. يقيم في بيروت منذ سنوات مع شريكته، الصحافيّة مونيكا غارثيا برييتو، وطفليهما. غطى اسبينوزا، خلال عمله كمراسل في الشرق الأوسط لجريدة "إل موندو"، الأحداث الكبرى التي عصفت بالمنطقة العربية منذ أواسط التسعينات. لكنّ الثورة السوريّة كانت نقطة فاصلة في عمل خافيير، إذ انغمس سريعاً في تغطية مجرياتها من دون إخفاء انحيازه للثورة وتعاطفه مع ضحايا الحرب المسعورة التي شنّها النظام على السوريين.

شكّل حصار بابا عمرو في شتاء 2012 محطة أساسيّة في عمل اسبينوزا في سوريا، وفي حياته الصحافية ككل. نجا بأعجوبة من قصف المركز الإعلامي في الحيّ، والذي قُتلت فيه ماري كولفين وزميلها ريمي أوشليك. خرج اسبينوزا من بابا عمرو في آخر قافلة غادرت الحي، مشاركاً في إجلاء الجرحى. أعلنت وكالة "سانا" يومها أن عناصر الجيش وجدوا جثّته، رغم أنه كان قد وصل إلى بيروت قبلها بساعات. كان النظام قد استدعى اسبينوزا قبلها بأسابيع، رسمياً، حين سلّم الأمم المتحدة قائمة بالصحافيين غير المرغوب فيهم في البلاد، وضمّت اسمه، وذلك بسبب "خرقهم (الصحافيين) قوانين الدخول، العمل من دون تصريح، وتقديم أخبار كاذبة ومنحازة"، بحسب النظام.

بعد بابا عمرو، توجّه عمل اسبينوزا نحو الشمال: حلب، فادلب، فالرقة، فدير الزور. في الشمال بدأت مرحلة العمل المشترك مع ريكاردو غارثيا بيلانوبا، وهو مصوّر فوتوغرافي متخصص في مناطق الكوارث والحروب، وله سمعة مهنية طيّبة ويشكّل، برفقة مانو برابو (أحد حائزي جائزة "بوليتزر" لهذا العام عن تغطيته لقصف مشفى دار الشفاء في حلب)، جيلاً جديداً من المصوّرين الصحافيين، يلي جيل خرباسيو سانجيث في الثمانينات والتسعينات. غطّى بيلانوبا محطات عديدة من المقتلة السوريّة، ﻻ سيما في حلب، والتي عاش فيها شهوراً عدة، في شقة مشتركة مع أطباء وناشطين. من هذه الشقة اعتقلته "داعش" للمرة الأولى، قبل أن تطلق سراحه بعد فترة وجيزة.

على عكس حالة مارك مارغينيداس، الصحافي اﻻسباني الذي خطفته "داعش" في بداية أيلول، أي قبل خطف زملائه بعشرة أيام، ثم أُعلن عن خطفه بعد أيام قليلة، لم يُعلن عن اختطاف اسبينوزا وبيلانوبا حتى العاشر من هذا الشهر. كان هناك أملٌ في إمكان التفاوض عبر وسطاء ومن دون ضجيج إعلامي، لا سيما أن "داعش" ادّعت في اللحظات الأولى أنها فقط تريد التحقق من إخباريات وردتها ومفادها أن هؤﻻء الصحافيين "جواسيس".

اختطاف خافيير اسبينوزا وريكاردو بيلانوبا يرفع عدد الصحافيين الأجانب المخطوفين والمفقودين إلى 37، يُضاف إليهم حوالى 60 صحافياً وناشطاً إعلامياً سورياً. ثمة عناوين كثيرة يمكن استخدامها  للإشارة إلى ضرورة الوقوف طويلاً عند هذا الواقع، والعمل على ابتداع وسائط لحلّه. من الواجب التضامن مع المخطوفين وعائلاتهم، والمرافعة عن حقّ الصحافة بالعمل بحرّية، لكن هناك أيضاً مصلحة سوريّة، إنسانيّة أو سياسيّة في أن يتم التصدّي لهذه الآفة.

إرهاب "داعش" للصحافيين والإعلاميين، السوريين منهم والأجانب، يسدل ستاراً من الظلام الإعلامي على المناطق الخارجة على سيطرة النظام، مع كل ما يعني ذلك من انعدام إمكان تظهير الواقع الإنساني في هذه المناطق. أما سياسياً، فتعود بنا "داعش" وأخواتها إلى الزمن الذي كان السوريون يطالبون فيه بإجبار النظام على السماح بدخول وعمل الإعلام في سوريا لكي يوثّقوا انتهاكات النظام بحقّ شعبه. اليوم "داعش" تقمع أي عمل إعلامي في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، فيما يلتقط النظام اللحظة لاستقطاب صحافيين أجانب كي يجولوا في دمشق. إنه مشهد من زمان منقلب، وما أكثر هذه المشاهد اليوم.
..






2013/12/13

ردّة روبير مينار


روبير مينار
لا غرابة في أن يغيّر الناس آراءهم وأهواءهم السياسية مع مرور الوقت. أن يكون أحدهم يسارياً في شبابه ليصبح يمينياً مع تقدّم العمر أو العكس، والعكس أقل حصولاً. الملفت، والضائع بين الطرفة والمأساة، هو أن يُسمع مؤسس أحدى أهم الهيئات الدولية المعنيّة بالحرّيات الإعلامية وهو يؤكد أن "الصحافيين هم الخطر الأكبر على حرّية التعبير". المنظمة هي "مراسلون بلا حدود". والقائل هو روبير مينار.

روبير مينار هو ابن عائلة فرنسية عاشت في وهران الجزائرية، منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى عودتها إلى فرنسا، حين أنهت الثورة الجزائرية الوجود اﻻستعماري الفرنسي فيها، وكان عُمر مينار حينها تسع سنوات. في العام 1985 أسس منظمة "مراسلون بلا حدود"، المعنيّة بالمرافعة عن الحريات الإعلامية في العالم، أكان من طريق إصدار تقارير وبيانات عن اﻻنتهاكات بحقّ الصحافيين، أو بتقديم الدعم القانوني والمادي للصحافيين المنتهكة حقوقهم المهنيّة وعائلاتِهم، وشغل منصب الأمين العام للمنظمة منذ تأسيسها وحتى العام 2008.

أتى تأسيس روبير مينار للمنظمة بعد تجربة نضال يساري في صفوف"الرابطة الشيوعيّة الثوريّة"، كما نشط في الأوساط التروتسكيّة والأناركيّة الفرنسيّة. في هذه الأوساط شارك في التيار الإعلامي الملتزم نضالياً، والذي شكّل لاحقاً شبكة محطات "الراديو الحر" في فرنسا، ثم عمل في تأسيس محطة راديو مستقلة ضمن هذا الإطار. في هذا الجو، خرج بفكرة إنشاء منظمة دوليّة تقوم بدور الحَكَم الأخلاقي في ما يخصّ الحريات الإعلاميّة حول العالم.

 لم يبتعد مينار فعلياً عن دائرة الضجيج خلال عمله في "مراسلون بلا حدود"، فالمنظمة تلقّت الكثير من اﻻنتقادات على تقاريرها، لا سيما تصنيفها السنوي للبلدان بحسب أوضاع الحريات الصحافيّة فيها. منها أن منتقديه يرون في التصنيف انحيازات مبنيّة على أهواء سياسيّة، أو على أمزجة الممولين، ما ينقص من علميّة وموضوعيّة التصنيف، بحسب وجهة النظر هذه. على سبيل المثال، اتُهمت "مراسلون بلا حدود" مراراً  بالمبالغة في التركيز على وضع الحرّيات اﻷعلامية في كوبا، ودفعها دائماً نحو أسفل القائمة دوناً عن دول أخرى تُرتكب فيها تجاوزات أكبر. وقد عزا المنتقدون سبب هذا الانحياز إلى تلقي "مراسلون بلا حدود" تمويلاً من تجمّع لمعارضين كوبيين في الولايات المتحدة. لكنّ تصريح مينار التفجيري الأول، على المستوى الشخصي، أتى العام 2007، أي قبل عامٍ من تركه منصب الأمين العام لـمنظمة "مراسلون بلا حدود"، حين اعتبر، خلال حوارٍ مع "راديو فرنسا الوطني"، أن تعذيب المعتقلين مبرر "في بعض الحالات".

منذ خروجه من "مراسلون بلا حدود"، تسارعت هجرة مينار الإيديولوجيّة نحو اليمين، وبنى علاقات طيبة مع حزب "الجبهة الوطنية الفرنسيّة" اليميني المتطرّف، والذي أسسه جان ماري لوبان، وترأسه اليوم ابنته مارين. يكرر مينار، خلال تصريحاته الإعلامية، بأنه "رجعي"، وأنه "قادم من اليسار للعمل على توحيد اليمين الفرنسي".

مؤخراً، قرر دخول معترك السياسة بترشّحه في قوائم "الجبهة الوطنية" لمنصب عمدة بيزييه (نحو 70,000 نسمة) في اﻻنتخابات المحلّية العام المقبل. يتبنّى مينار، رغم تأكيده على أنه "مستقل"، كامل خطاب وسياسات "الجبهة الوطنيّة"، أي التطرّف اليميني، الشعبويّة، الخطاب القومي المغالي في انغلاقه، معاداة الاندماج في اﻻتحاد الأوروبي والمطالبة بالخروج عنه سياسياً، ونبذ اليورو وما ينتج عنه من فقدان لاستقلاليّة اقتصاديّة والعودة إلى الفرنك الفرنسي، وبطبيعة الحال، العنصرية اتجاه المهاجرين، لا سيما العرب والمسلمين منهم.

ربما يبدو انقلاب مينار مدعاة فكاهة بعض الشيء، ﻻ سيما عدائيته إزاء الحريات الصحافيّة، وهي القضية التي أمضى عمره يعمل من أجلها. لكنّ ثمة نظرة أقل ظرافة هنا، تتعلّق بتحوّل روبير مينار نفسه -على استعراضيته وتطرّفه- في سياق تنامي نفوذ اليمين المتطرّف في فرنسا، والذي وصل، خلال أزمة الأعوام الأخيرة الاقتصاديّة، إلى مستويات لم يكن يحلم بها قبل سنواتٍ قليلة. ليست فرنسا استثناء أوروبياً على كلّ حال، فالعديد من الأحزاب اليمينية المتطرّفة والعنصريّة، شريك في حكومات أوروبيّة، أو له كُتل مهمة ووازنة في برلماناتها. من هولندا وحتى اليونان.
..






2013/12/06

Siria: Refugiados, inmigrantes ilegales, deportados..


Desde el derrocamiento de los Hermanos Musulmanes a principios de julio, la situación de los refugiados sirios en el país no ha parado de empeorar. Varias asociaciones de DDHH han publicado informes sobre laescalada de abusos sufridos por los sirios a manos de la autoridad militar, encubierta por una campaña mediática inmoral que se ha centrado en señalar a los sirios y palestinos residentes en Egipto como colaboradores de los Hermanos Musulmanes, en base a que el apoyo a la revolución siria y la relación orgánica con Hamas en Gaza fueron, durante meses, pilares básicos del discurso de la administración de Mohammad Morsi, el expresidente hoy encarcelado.
Dentro de esta lamentable situación general, existe otro drama: el de los sirios y palestinos detenidos mientras huir por vía marítima hacia Europa. Es frecuente que sean interceptados de manera violenta, llegándose a producir muertes. Tras la detención, son encarcelados en pésimas condiciones, sin asistencia humanitaria ni jurídica. Solo los afortunados, los que pueden pagarse un billete a algún país que no exija visado de entrada a los sirios, logran salir de la cárcel para ser expulsados de inmediato del país.
Ahmad, de 20 años, residente en Barza, una de las localidades de la periferia de Damasco más castigadas por el ejército de Bashar Al-Asad, era un estudiante de diseño mecánico en la Universidad de Damasco cuando fue detenido, en abril de 2012, acusado de pertenecer a la Coordinadora revolucionaria de Barza y de participar en manifestaciones contra el régimen. Pasó 8 meses en la cárcel antes de ser liberado, en enero de 2013, en un intercambio de prisioneros que canjeó a 2130 presosen las cárceles del régimen por la liberación de 48 iraníes, que habían sido secuestrados por un comando del Ejército Libre, acusados de pertenecer a la Guardia Revolucionaria iraní, que ya prestaba ayuda al régimen en su guerra contra la rebelión popular.
Tras su liberación, y visto el empeoramiento de la situación en Barza, Ahmad decide partir hacia Egipto. Algunos de sus familiares ya habían partido hacia allí, y las leyes de equiparación de los sirios y egipcios a nivel de sanidad y educación, aprobadas por el gobierno de los Hermanos Musulmanes, le permitían retomar los estudios sin costes imposibles de asumir para su familia. Llegados los militares al poder, las esperanzas de Ahmad se esfumaron. Las leyes de equiparación se suspendieron, y estudiar en Egipto, de ser aceptado, le costaría una fortuna. A parte de esto, la situación de los sirios se volvía cada vez más peligrosa. Es aquí donde Ahmad, animado por un familiar que había logrado llegar a Europa ilegalmente por vía marítima, decide subirse a un barco rumbo a Italia.
Pagó 3500 dólares, pasó varios días encerrado, junto a decenas de sirios y palestinos en su misma situación en pisos “seguros” agenciados por los contrabandistas a la espera del día de la partida. A diferencia de otros compañeros de viaje, sorprendidos por una patrulla de policía mientras trataban de llegar al embarcadero, Ahmad logró abordar el barco. Esto no supuso más que el comienzo del calvario, ya que las lanchas de los guardacostas egipcios interceptaron el barco de manera violenta, abriendo fuego contra la embarcación, lo que causó la muerte a dos personas; un chico de Harasta, cerca de Damasco, y una señora palestino-siria. El resto de los migrantes, 265 en total, fueron conducidos a comisaría. 
Celda en la que Ahmad fue encarcelado
Sin asistencia médica ni jurídica, Ahmad pasó 22 días encerrado en una comisaría. Su documentación, incluida la tarjeta de refugiado expedida por la ONU, fue requisada, pero no su teléfono móvil, con el que logró fotografiar la celda en la que se amontonaban los detenidos. Su familia logró comprarle un billete de avión para que las autoridades egipcias lo expulsaran a Turquía, a donde llegó a mediados de octubre. No sabe cuántos compañeros de travesía padecieron su suerte, ni cuántos todavía siguen en prisión.
Ahmad reside ahora en un barrio en la periferia de Estambul. Trabaja más de 12 horas al día en un taller de costura. Solo piensa en poder volver a estudiar, y cuenta con angustia los semestres perdidos desde su detención. Le pregunto si piensa volver a intentar el salto a Europa y me contesta que posiblemente lo haría si tuviese dinero.
El encuentro con Ahmad no duró mucho, ya que el chico tenía que coger el último autobús desde el centro de Estambul hacia el barrio donde vive. Me despedí de él deseándole suerte con la frases típicas, y pensando que la mirada de este chico, alto y atlético, de apenas 20 años, era la mirada más triste y anciana que había visto jamás.
Tres días después de ver a Ahmad, una compañera turca me comenta que unos amigos suyos, que dirigen una especie de centro cultural autogestionado, habían acogido a dos sirios, padre e hijo, que habían llegado por la mañana tras ser deportados de Egipto. Ese mismo día conozco a Abu Majd, de unos 55 años, ex encargado de comedor de un conocido hotel de Damasco, y a su hijo Majd, de 19 años, estudiante de turismo en la Universidad de Damasco. Antes de partir a Egipto vivían en Douelaa, una localidad al sur de Damasco poblada por los desplazados de los Altos del Golán tras su ocupación por Israel en 1967.
A diferencia de su hijo, Abu Majd estaba aturdido, nervioso. En Egipto había dejado a su esposa y a 4 hijos, tres niñas y un niño. La familia había escapado de Siria en marzo presa del pánico por la brutalidad del ejército y las Fuerzas de Defensa Nacional (un cuerpo paramilitar formado por el régimen para apuntalar las carencias del ejército regular, y que incluye en sus filas a libaneses e iraquíes. Una investigación de la BBC de hace unas semanas demostraba que esta milicia estaba siendo entrenada por oficiales iraníes). Tras un breve paso por el Líbano, Abu Majd y familia deciden irse a Egipto animados, al igual que Ahmad, por las condiciones existentes en aquel entonces. Se instalan en Alejandría.
Abu Majd cuenta que la situación de la familia era aceptable durante los primeros meses. Había conseguido empleo en un restaurante, sus hijos pequeños habían podido ingresar en la escuela de inmediato, y los dos mayores completaban las solicitudes de acceso a la universidad para incorporarse al inicio del curso siguiente. El cambio político trastocó esa tranquilidad. Las posibilidades de que los dos hijos mayores retomaran sus estudios a un coste asumible se desvanecieron, y la familia comenzó a sufrir hostilidad por parte de algunos vecinos, que les acusaban de ser simpatizantes y colaboradores de los Hermanos Musulmanes. En ese momento, e influenciado por el marketing de los contrabandistas que prometía infinitas oportunidades y comodidades en Europa, Abu Majd decide subirse a un barco junto a su hijo mayor con la esperanza de llegar a Europa y traer al resto de la familia mediante el reagrupamiento familiar posterior a la consecución del exilio legal. Las mafias cuentan a la gente que todo este proceso legal es pura formalidad y tarda pocas semanas en culminar.
Junto a varias decenas de compañeros de fallido viaje, padre e hijo fueron detenidos en el supuesto piso seguro de los contrabandistas. El resto de su historia es, prácticamente, un calco de la experiencia de Ahmad.
Majd y su padre siguen viviendo en la casa de acogida tres semanas después de llegar a Estambul. No logran encontrar empleo, y Abu Majd, desesperado, se debate entre quemar lo poco que le queda de sus ahorros en intentar cruzar la frontera turca con Bulgaria y regresar a Siria “a morir en mi tierra con lo que me queda de dignidad”.
Tanto Abu Majd como Ahmad, al recordar la pesadilla de los últimos meses en Egipto, se preguntaban por qué las autoridades egipcias se esforzaban en actuar implacablemente contra los sirios que intentaban huir a Europa. “Si no paran de decir que allí sobramos, que somos un problema económico y de seguridad nacional. ¿Por qué nos disparan cuando intentamos huir? ¿Qué más les da si llegamos o morimos ahogados?” Pregunta Ahmad aun sabiendo que no tengo la respuesta. Más bien tendría otra pregunta: ¿Habrá algún tipo de acuerdo entre las autoridades militares de Egipto y la Unión Europea, como antes lo hubo con Gadafi, para que Egipto colabore en la “lucha contra la inmigración ilegal”?






2013/11/29

جنيف2: أرض- أرض


مكان وقوع الصاروخ في شارع 23 شباط- شبكة أخبار الرقة
 ليلة الأربعاء، ضرب صاروخ أرض- أرض شارع 23 وسط مدينة الرقة، متسبباً بمقتل 6 أشخاص على الأقل وجرح العشرات، بالإضافة لإلحاق دمارٍ كبير في دائرةٍ واسعة محيطة بمكان سقوط الصاروخ. صدف، لحسن الحظ، أن المنطقة المستهدفة هي سوق الهال القديم، وأن الأفران المحيطة به (الفرن السياحي، مكان ارتطام الصاروخ بالضبط، وفرن 23 شباط، الواقع على بعد حوالي مئتي متر غرباً) كانت مغلقة. حجم المجزرة كان يمكن أن يتضاعف عدّة مرات لولا هذه الصدفة. هرع أهل المنطقة للمساعدة في انتشال الجرحى والضحايا، وتم ذلك بسرعة قياسيّة، رغم ضعف الإمكانات إلى درجة صعوبة توفير إنارة جيّدة للموقع. عدا ذلك، تجمهر عدد كبير من أهالي الرقة أمام المشفى الوطني للتبرّع بالدم حتى ما قبل وقت الفجر بقليل، على ما صوّرت شبكات إعلاميّة عدّة عاملة في المدينة.

وُزّعت صور المنطقة المنكوبة في وسائل التواصل اﻻجتماعي، وباتت، بوصفها شاهداً جديداً على همجيّة نظام بشار الأسد، بمتناول يد من يريد أن يرى هذا الواقع القاتل.

بعد أقل من 24 ساعة على الهجوم الصاروخي، ضرب صاروخٌ أخر جنوبي المدينة، تحديداً في المنطقة الواقعة خلف مبنى الهجرة والجوازات، المشرف على تقاطع شارعي سيف الدولة وهشام بن عبد الملك. لحسن الحظ، مجدداً ونسبياً، ضرب الصاروخ أرضاً خالية، واقتصرت أضراره -نسبياً، مجدداً- على موجة من التدمير طالت خطّ البيوت المشرف على منطقة سقوط الصاروخ، وجرح حوالي عشرة أشخاص بخطورات متفاوتة، وإن كان جميعهم بحالة مستقرّة حسب الناشطين والسكان الذين هُرعوا إلى موقع اﻻعتداء للمساعدة.

بعد سقوط الصاروخ الثاني بنحو ساعة، خرجت مظاهرة غاضبة جابت شوارع المدينة، عبّرت عن سخط الأهالي من موجات الموت المدمّرة القادمة من السماء. ليست هذه الصواريخ ظاهرةً معزولة في المحافظة، فقصف الطيران والمدفعيّة واقعٌ شبه يومي، أكان في مدينة الرقة نفسها أو في مناطق أخرى من المحافظة. على سبيل المثال، في بلدة "المنصورة"، الواقعة على بعد 35 كيلومتراً غربي الرقة، قتل القصف المدفعي من جهة مطار "الطبقة" العسكري قبل أيامٍ قليلة ستة أطفال.

ما يجري في الرقة هو جزء بسيط من كامل مشهد القتل الذي يتعرّض له السوريون يومياً، من شمال جغرافيا البلد حتى جنوبها، لكنه ينفع كمثال بالغ السطوع للطبيعة الإجرامية للعصابة الحاكمة، التي حوّلت مقدرات الدولة ومواردها إلى آلة قتل عملاقة، تسحق مواطنين لم يُنظر إليهم يوماً إﻻ كهلامٍ فاقد للمعنى، بالإمكان هرسه وفرمه دون مساءلة، بل دون سبب!

لنوضّح: مهرجان القتل والتدمير الجديد الذي تعانيه الرّقة، ومناطق كثيرة أخرى من سوريا أيضاً، ﻻ علاقة له بقمع الثورة الشعبية، وهو خارج تماماً عن أيّ نقاشٍ حول "داعش" ودورها كقوّة فاشيّة تلقي بثقلها على رؤوس أهل الشمال السوري. هو قتل لأجل القتل، في منطقة تبعد مئات الكيلومترات عن أقرب جبهة عسكرية جدّية. إن كان استهداف المدنيين العالقين في خطّ النار جريمة فادحة ضد الإنسانيّة، فماذا يكون استهداف المدنيين بالصواريخ البالستية المدمّرة في ظلمة الليل. حتى لو كان هناك أدنى جدوى عسكرية لهكذا اعتداء فهو جريمة حرب.. ﻻ يوجد حتى جدوى أو فائدة!

أمام هذا الواقع، ﻻ خيار إﻻ في مساءلة المجتمع الدولي على خياره الأوحد في "جنيف2”، المرسوم بصيغةٍ تفتقد لأدنى حساسيّة تجاه السوريين القابعين تحت الحصار في مناطق، وتحت القصف الإجرامي في مناطق أخرى، بصيغةٍ تبصق على المواثيق والمعاهدات الدوليّة وتحوّل مسؤوليات العالم تجاه مدنيين يعانون حرب إبادة إلى مادّة قابلة للتفاوض على مائدةٍ لا أرجل لها إﻻ اﻻبتزاز. المعارضة السوريّة بمختلف أطيافها، وصوناً لما تبقى لها من كرامةٍ أمام شعبها، مدعوّة لاتخاذ موقفٍ قوي وعزيز بتعليق مشاركتها في "جنيف 2” إلى أن يقوم العالم بواجبه في إجبار العصابة الحاكمة على اتخاذ سلوكٍ متوافق، ولو بحدوده الدنيا، مع ما يُنتظر من جهة جادّة في البحث عن مخرج سياسي للصراع.

عصابة ابن سكود عاجزة عن أن تكون إﻻ آلة قتل ودمار، لكنّ موقفاً كهذا من شأنه التصدّي للهزل الدولي حول بيع أوهام "الحل السياسي"، والذي ليس، بصيغته الحاليّة، إﻻ كسباً للوقت لصالح حسابات القوى الدوليّة، دون اكتراثٍ لأنه أيضاً وقتٌ مكتسب لطاحونة دماء السوريين.

إلى حين ترفد الأخلاق أروقة السياسة ولو قليلاً، سيرقب أهل الرقة غروب الشمس غداً برعب، بانتظار ما يمكن أن يأتيهم على متن الظلام.






2013/11/16

الذاكرة التاريخية: الأمم المتحدة توبّخ اسبانيا


مقبرة جماعية في مالقا، جنوب اسبانيا
 في التقرير الصادر، قبل أيام، عن لجنة التغييب القسري التابعة للأمم المتحدة، تلقّت الحكومة اﻻسبانية توبيخاً أممياً لتقاعسها عن حلّ قضيّة المُغيّبين قسرياً خلال الحرب الأهلية اﻻسبانيّة (1936-1939) وخلال حكم الديكتاتور فرانثيسكو فرانكو (1939-1975)، ومطالبة بالعمل على إنصاف الضحايا وذويهم، أكان بالتحقيق في ظروف اختفائهم أو وفاتهم، أو الإشارة للفاعلين ومحاسبتهم، أحياءاً كانوا أو أمواتاً، أو بتوفير الموارد القانونية واللوجستية والمادية للبحث عن جثامين عشرات الألوف من المقتولين على يد ديكتاتورية فرانكو أثناء وبعد الحرب الأهليّة، أو بعدم عرقلة عمل أنظمة قضائية أجنبية، كالأرجنتيني، لجأ إليها ضحايا ديكتاتورية فرانكو بعد أن سدّ القضاء الاسباني الباب بوجههم باسم قانون العفو الصادر عام 1977، والذي أسس لـ"مصالحة وطنية" أقيمت عليها فترة التحويل الديمقراطي اﻻسباني بعد وفاة الديكتاتور.

عاد موضوع "الذاكرة التاريخية" إلى الواجهة السياسية في اسبانيا أواسط العقد الماضي، بعد عقدين ونصف من التغييب باسم "النظر إلى الأمام ونسيان جروح الماضي"، على يد رئيس الوزراء آنذاك، اﻻشتراكي ثاباتيرو، ولقي مقاومة صلبة من الحزب الشعبي اليميني الحاكم اليوم، والمنحدر، سياسياً وعائلياً، من التيارات "الإصلاحيّة" المنبثقة عن الثلث الأخير من حكم "الجنراليسيمو". بعد مداولات سياسية وإعلامية عنيفة دامت أكثر من سنتين، تمكّن ثاباتيرو من تمرير قانون "الذاكرة التاريخية" في البرلمان، وإن منقوصاً وقاصراً عن تلبية الحاجات الفعلية لذوي القتلى والمغيّبين. اقتصر القانون فعلياً على خطوة رمزيّة، إذ لم يُسائل قانون العفو عام 1977 ولم يخصص أي ميزانيّة للتنقيب عن آلاف المقابر الجماعية في عموم الجغرافية الاسبانية، والتي بقي البحث عنها على عاتق ذوي الضحايا ومنظمات المجتمع المدني الناشطة في الموضوع.

تلقّت قضيّة "الذاكرة التاريخية" صفعة كبرى بعد إقرار قانونها بسنتين ونيف إثر عزل القاضي بالتاسار غارثون من صلاحياته. غارثون، والملقّب بـ"القاضي النجم" بسبب جرأته في القضايا الهامة التي تصدّى لها (قضية "الحرب القذرة ضد الإرهاب" في اسبانيا، احتجازه لبينوتشيه في نهاية التسعينات، ملاحقة مافيات المخدرات الكبرى، قضايا فساد، قضايا إرهاب.. الخ)، بالإضافة لميله الكبير للظهور الإعلامي، حرّك قضيّة ضد فرانكو نفسه، بالإضافة لكبار مسؤولي نظامه كمحاولة لأن يكون التحقيق في الاغتيالات والتغييبات، بالإضافة لنبش المقابر الجماعيّة، جزءاً من التحقيق في القضيّة، لكن السلطات القضائية اعتبرت أنه تعدّى صلاحياته بشكل واعٍ ومقصود، وأصدرت قراراً بعزله من الجهاز القضائي وسط فرحة عارمة من الأوساط اليمينية الإعلامية والسياسيّة

خريطة للمقابر الجماعية الموثّقة في اسبانيا (وزارة العدل)

بالتاسار غارثون، والذي أضحى اليوم نجماً "يسارياً" بعد أن كان معشوق "اليمين" لدوره في إضعاف حكومة اﻻشتراكي فيليبي غونثالث في التسعينات في قضيّة "الحرب القذرة" هو أحد الذين قدموا إفادتهم للجنة الأمم المتحدة مطلع هذا الشهر.

يُقدّر المؤرخون والناشطون في مجال الذاكرة التاريخية عدد الضحايا القابعين في مقابر جماعية في اسبانيا بين 110- 140 ألفاً، وهو ثاني أكبر رقم في العالم بعد كمبوديا، ويعتبر اليسار الإسباني، بأجنحته المتناحرة، أن "الذاكرة التاريخية" هي جزءٌ من القصور الديمقراطي الذي نتج عن تحويل سياسي منقوص في نهاية السبعينات، وﻻ تغيب رموز القضية عن أي نشاط مُطالب بـ"إعادة تأسيس ديمقراطي" يُنهي العلل الموجودة في النظام الحالي، سياسياً وقانونياً واجتماعياً واقتصادياً.

توبيخ الأمم المتحدة هذا هو ثاني صفعة يتلقاها النظام القضائي في اسبانيا في غضون أسابيع، إذ أصدرت المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان نهاية تشرين الأول الماضي حكماً ببطلان "مرجعيّة باروت"، وهو حكم أصدرته المحكمة العليا في اسبانيا عام 2006 بعد طعن قدّمته محامو عضو منظمة “إيتا” الإرهابيّة هنري باروت. “مرجعيّة باروت" كانت تسمح للقضاء الاسباني باستخدام نظام مختلف لحساب فترات السجن القصوى في حال تراكم الأحكام بقضايا كبرى مثل الإرهاب، ما يعني حرمان المحكومين بهذا النوع من القضايا من امتيازات وإعفاءات في مدد الحكم، كما في حالة حسن السلوك أو الدراسة داخل السجن أو إبداء الندم. وقد أدّى حكم المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان لخروج عشرات المحكومين بقضايا إرهاب بعد إجبار القضاء اﻻسباني على احتساب مدد حكمهم حسب النظام العام، ما أدى لحنق كبير في جمعيات ضحايا الإرهاب (المقرّبة عادةً من الأوساط السياسية والإعلامية اليمينية)، وفي الحزب الشعبي الحاكم. دولوريس دي كوسبيدال، الأمينة العامة للحزب الشعبي، طالبت أمس في مناسبة حزبية بتعديلات قانونية ودستورية تحصّن القضاء الإسباني من "التدخلات الخارجيّة". 
..