٠٦‏/٠٢‏/٢٠١٠

الهولوكست و العرب: كيف دعمنا إسرائيل

hitler

قرأتُ منذ أيام مقالاً لكاتب عربي تزامن نشره مع مرور اليوم العالمي لذكرى ضحايا المحرقة النازيّة (الهولوكست) (السابع و العشرين من كانون الثاني - يناير), و في هذا المقال انتقد الكاتب الصمت و التجاهل العربيين لهذه المناسبة و ربط هذا الصمت بالعداوة تجاه اليهود و التي تجعل العرب يتوزعون بين نكران المحرقة و مباركتها, و هذا موقفٌ غير إنساني و عقيم برأيه لأننا لا يمكن أن ننتظر من العالم أن يتضامن إنسانياً معنا و مع قضايانا عندما نتصرّف بهذه الطريقة.

بعيداً عن الرأي في المقالة و أفكارها (و التي أعتقد أنها كانت قاسية جداً بحق العرب, رغم أنها لم تكن مخطئة تماماً), شكّلت هذه المقالة فرصة لمحاولة ترتيب أفكار متعلّقة بدراسة الموقف العربي العام تجاه المحرقة النازيّة, أسباب هذا الموقف و نتائجه.

كلّ تعميمٍ ظالم, لكنني أعتقد أن هناك جزء كبير (و لا أعلم إن كان رأي الأغلبية) من الرأي العام العربي, بمختلف مستوياته و مشاربه الفكرية, يعتنق و يعبّر و يمارس موقفاً من النازية و محرقتها أعتقد أنه خاطئ مبدئياً و ضار من حيث المفعول, و هذا الموقف من المحرقة النازيّة الذي أتحدّث عنه يتراوح ما بين إنكارها و تبريرها, و أحياناً نجد نفس الشخص ينكرها و يباركها في آنٍ معاً, و يأتي هذا الرأي من أن مفهومنا عن المحرقة هو "قتل يهود", و قتل اليهود أمرٌ يستحق التصفيق على ما يبدو, و كنتيجة لهذا الاستحسان أو الحياد الإيجابي تجاه المحرقة (حتى لو أنكرناها في الوقت نفسه) فهناك إعجاب من نوع معيّن بهتلر منتشر (و هو إعجاب يطال الرّمز و ما يمثّل دون الدخول في العمق الفكري), فكثيراً ما نجد صوره و شعارات النازيّة و عباراته المأخوذة من كتابه "كفاحي" (مع الاعتذار الشديد لكلّ الكتب) في بعض الأدبيات و بعض المواقع و المدوّنات و غيرها.

ليست هذه الظاهرة جديدة أبداً, فهي موجودة منذ الحرب العالمية الثانية حيث أن النازيّة كانت بالنسبة لنا "عدوّة عدونا", و فوقها كان هناك تغلغل استخباراتي ألماني ضخم في المنطقة (لأن الألمان كانوا يعلمون أن إحدى المعارك المصيرية ستحدث عندنا.. و هذا ما حصل في العلمين), و هذا التغلغل الاستخباراتي استفاد من مفهوم "عدو عدوي صديقي" التبسيطي و غذّاه بإشاعة احترام هتلر للعرب و المسلمين, بل و التأكيد على أن هتلر قد أسلم سرّاً و هو ينتظر انتهاء الحرب كي يعلن إسلامه, و لعلّ رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ شاهدٌ أدبي ممتاز على هذا الأمر.

يعلم أي مطّلع على مبادئ الفاشية الأوربية بشكل عام و النازيّة بشكل خاص أن القاعدة الأساسية فيهما هي احتقار كلّ من ليس آريّاً (و طبعاً لديهم تصوّر إيديولوجي حول العرق الآري), بغض النظر عن أيّ شيء آخر, و النازيون يحتقرون العرب باعتبارهم من الشعوب الساميّة, لكن تم تمويه هذا الاحتقار لأسباب مصلحيّة بحتة و لأنه لم يكن لدى هتلر مصالح عندنا و لم يكن هناك جاليات عربية في ألمانيا في ذلك الحين. لو كان هتلر حيّاً اليوم لكانت سمومه موجّهة نحو مئات الألوف من المهاجرين المسلمين (أتراكاً و عرباً و غيرهم) بالإضافة إلى المهاجرين الأفارقة.

من المؤكد أن الجميع يتذكر مأساة قتل السيّدة المصرية المحجّبة الصيف الماضي في ألمانيا, لقد كان قاتلها نازيّاً, و قد قتلها لأنه احتقر كونها مسلمة.. و جميع من لديه ذرّة إنسانية حزن عليها و لعن القاتل و عنصريته المقرفة, و لكن أعتقد أن نفس القاتل القذر هذا لو أنه قتل امرأة يهودية بدل قتله مسلمة لسارع بعضنا إلى البحث عن أصول عربية له ليفاخر بشجاعته.. أليس هذا مؤسفاً؟

لا أعلم كيف يمكن أن نعجب بهكذا شخص و هكذا عنصرية, كيف يمكن أن نعلّق صوره و شعاراته و نقتبس عباراته, لأنه قتل يهوداً؟ و هل قتل اليهود لأنهم يهود إنجازٌ يستحق التهليل؟ أنا معتادٌ على ذكر هذا الرأي, و معتادٌ أيضاً على أن أٌتّهم بالدفاع عن اليهود, أنا لا أدافع عن اليهود بل أدافع عنّا نحن.. أدافع عن إنسانيتنا ضد الوحشية.. وحشية يلصقها البعض بشكل جاهل برأيي بكونهم مسلمين, و على المسلم أن يقتل اليهودي أو يفرح لمقتل اليهودي.. سؤال بسيط: هل أمر الرسول الكريم بقتل يهود المدينة؟ ألم يكن جاره يهودياً؟ إن اليهودية كدين ليست عدوّتنا بل أن الصهيونية هي العدو.. ليس لنا فقط بل للإنسانية جمعاء, هي توأم النازيّة و تلميذتها.

لقد كان ليهودٍ كثر دورٌ في بناء الحضارة الإنسانية بمختلف مراحلها و فروعها.. بل أنه كان هناك يهود داخل البناء الحضاري الإسلامي حتى, خصوصاً في الأندلس, و ما ابن ميمون الأندلسي إلا مثالٌ ساطع على ذلك.

هناك مسألة أخرى هامة جداً و تعنى بضرر هذا الموقف علينا: هذا الموقف من الحقبة النازية و ما حدث فيها هو خير معين للبروباغندا الصهيونية, و ربط الموقف تجاه المحرقة النازية بصراعنا مع إسرائيل و مناهضة الصهيونية هو أفضل خدمة يمكن أن تقدّم للآليّة الدعائية الصهيونية.. لأسباب عديدة سأحاول ترتيبها في التعداد التالي:

أولاً: مشاهد و مواقف الدفاع عن النازيّة و هتلر و الإعجاب بهما تنفع الآلية الإعلامية الصهيونية الجبّارة لتصوير العرب أمام العالم عامةً و الغرب خصوصاً على أنهم أنصار النازية و عشاقها (طبعاً يتم تضخيم هذه الأمور التي ليست بالأساس صغيرة) مع كل ما يعنى ذلك من أمور سلبية بالنسبة لجزء من العالم ما زال يرى في النازية و ويلاتها أبشع كوابيسه, خاصة في أوربا حيث كلّفت مغامرات هتلر أكثر من ستين مليون قتيل. يضاف هذا التصوير إلى ربط آخر للعرب و المسلمين بالـ "إرهاب" و تشجيعه و مسائل أخرى مشابهة, عندما نطّلع على هذه الحملة البروباغندية ضدنا سنفهم لماذا يعتقد بعض ضعيفي الإطلاع ممن لا يعرف عنّا شيئاً أننا كعرب لسنا إلا 400 مليون وحش.

ثانياً: إن من يبارك المحرقة النازية و يعبّر عن إعجابه بهتلر يبرر ذلك بشكل صريح و واضح بكراهيته العميقة لليهود.. و هذا رائع جداً لإسرائيل ! فقط عليها, باستخدام المكبّرات الإعلامية اللازمة, أخذ كلام هذا الشخص و عرضه على العالم و القول: انظروا يا سادة, هؤلاء العرب يكرهوننا فقط لأننا يهود و لا يخفون عنصريتهم ضدنا. هذا تضليل كبير للرأي العام العالمي و جريمة أخلاقية كبرى بحقنا. إسرائيل تغتصب أرضنا و حقوقنا و تمارس بحقنا أبشع أشكال الوحشية الدموية, و لذلك نقاومها و نقف بوجهها.. لا نحاربهم "فقط لأنهم يهود" فلماذا إذن نساعدهم على خداع العالم بهذا الشكل؟

ثالثاً: عندما نربط موقفنا من المحرقة النازيّة بصراعنا مع إسرائيل فإننا نساهم في تثبيتها كوريثة شرعية وحيدة لضحايا هذه الجريمة الكبرى, و لشرح هذه النقطة يجب علينا العودة إلى الخط الزمني التاريخي للحرب العالمية الثانية و لنشوء الصهيونية السياسية, لكن قبل أن ندخل في مقارنة المتوازية التاريخية هذه يجب أن نفكر في نقطة أخرى نحتاج لأجلها بعض الأرقام (و كلها أرقام تقريبية تتوسط التقديرات المختلفة للباحثين التاريخيين) : يقدّر عدد ضحايا المحرقة النازية بين 15 إلى 20 مليون شخص, منهم 5-6 مليون يهودي (أكثر من نصفهم من اليهود البولونيين) و 4,5 مليون مدني من العرق السلافي (أوربيو الدرجة الثانية بالنسبة للآريين العنصريين), 3,5 مليون أسير حرب سوفيتي, 3 ملايين بولوني غير يهودي, 1,3 مليون مُعارض سياسي, 700 ألف غجري, 250 ألف معاق جسدي أو عقلي و عشرات الألوف من المثليين الجنسيين. نلاحظ أنه رغم أن الضحايا اليهود يشكّلون ثلث العدد الإجمالي للضحايا إلا أن مفهوم المحرقة النازية مربوط بشكل وثيق في الأذهان عامةً باليهود فقط, الباقي أكلهم النسيان ! و هذا بالطبع ليس ذنب الضحايا اليهود بل هو نتيجة لعمل إعلامي و بروباغندا محمومة لتحويل الهولوكست إلى قضية صهيونية, و لأجل ذلك تم استخدام كل الطرق الممكنة من أدب و مسرح و سينما و غيرها من وسائل النشر, و بعد النجاح في جعل الهولوكست قضية صهيونية تم تصوير إسرائيل على أنها "الملجأ" لليهود الناجين من المحرقة و تم تحويل الكيان الصهيوني إلى ما يشبه "النصب التذكاري التكريمي العملاق" لملايين اليهود الذين ماتوا في معسكرات الموت النازي.. و هذا مستمرٌ إلى اليوم و يتم الحفاظ عليه بغيرة شديدة, و من يربط الهولوكست بإسرائيل سلباً أو إيجاباً يساعدها على ترسيخ هذه الثروة الكبرى, و التي تستخدمها لابتزاز العالم بأكمله, فالهولوكست بيدها سلاحٌ فعّال ضد كلّ من يجرؤ على انتقاد إسرائيل في الغرب حيث يتم اتهامه بمهاجمة "الصرح التكريمي" لملايين الضحايا الأبرياء, بل و أصبح من المجبر ربط ذكرى ضحايا النازية بإسرائيل.. فلا يمكن البكاء على ميّت دون وضع الزهور على نصبه التذكاري.

من الأجدى و الأنفع و الأصح بالنسبة لنا برأيي أن نفنّد هذا الاحتيال التاريخي بدل أن نتعامل مع الهولوكست و كأننا متهمون بارتكابه. لا علاقة لنا بما حدث في أوربا, و بالتالي ليس علينا أن نتحمّل ويلاته و ليس من واجبنا أن نعوّض لهؤلاء الضحايا من حقوقنا و أراضينا.. هذا في حل كانت إسرائيل فعلاً "ضرورة تاريخية لإنهاء المأساة اليهودية", لكن حتى هذا الزعم ليس صحيحاً, و تفنيده تاريخياً سهل للغاية و من الممكن أن يقوم به أي تلميذ في المرحلة الإعدادية: المشروع الصهيوني في فلسطين أقدم من المحرقة بكثير, بل و أقدم من النازية نفسها, لقد أسست الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر عندما كان هتلر لا يزال طفلاً, و بدأت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل و تسارعت قبل وصول النازيين إلى السلطة, و العصابات الصهيونية مثل الهاجاناه و الأرغون, و التي توحدّت فيما بعد و تحوّلت إلى نواة الكيان الصهيوني لم تكن قبل و خلال الحرب العالمية تقاوم النازية و تدافع عن اليهود الأوربيين بل كانت تمارس إرهابها على الفلاحين الفلسطينيين.. نعم هاجر الكثير من الناجين اليهود من المحرقة فيما بعد إلى فلسطين المحتلة لكنهم هاجروا إلى مشروع صهيوني قائم سلفاً.. منهم من هاجر إلى إسرائيل لأسباب إيديولوجية و دينية, و منهم من هاجر لأنه خسر كلّ شيء في الحرب و كانت تلك هي فرصته الوحيدة للبدء من جديد, لكن أيضاً هناك من لم يهاجر بل بقي في أوربا أو هاجر إلى مناطق أخرى من العالم و لا علاقة لهم بإسرائيل و ما تفعله باسمهم, بل أن بعضهم يعارضها (هناك سيدة يهودية من الناجين من المحرقة النازية شاركت, رغم عمرها, في قافلة شريان الحياة المتضامنة مع غزّة المحاصرة).

أعلم أن رأيي ليس جماهيرياً و ربما يصطدم مع الوهج العاطفي و حرقة القلب على ما يحدث لإخواننا الفلسطينيين, لكنني مع ذلك أقوله كمحاولة لطرح نظرة مختلفة فيما أراه ليس فقط مهيناً لنا كبشر ذوو أخلاق إنسانية, بل أنه ضارٌ بنا و بقضيتنا..

ختاماً: العزّة للإنسان... و الحرّية لفلسطين !

...

الصورة: مشاهدٌ كهذه يستخدمها أنصار إسرائيل بكثرة للطعن في منطق الوقوف ضد إسرائيل و ممارساتها عبر ربط من يعادي إسرائيل (العرب و المسلمين) بالنازية. (مصدر الصورة)

٠٥‏/٠٢‏/٢٠١٠

رسالة من ناشر إلى جورج أورويل بخصوص "مزرعة الحيوان"

pensamiento unico

كتبتُ منذ فترة بسيطة مقالاً تعريفياً حول رواية "مزرعة الحيوان" للبريطاني جورج أورويل, و ضمن هذه المقالة تحدّثت عن الصعوبات التي واجهها الكاتب للعثور على دار نشر تقبل طباعة روايته و توزيعها دون محاولة تعديلها لأي سبب كان, و فشلت كلّ المحاولات الأولى, و بعد فترة زمنية وافق مالك إحدى دور النشر على طباعة الرّواية وفق شروط أورويل, لكنّه قرّر استشارة وزارة الإعلام البريطانية (و التي ألغيت فيما بعد, و لم تكن تمتلك صلاحية المنع, أو على الأقل لم تكن تمتلك تلك الصلاحية "رسمياً" ) لمعرفة إن كان نشر هذه الرّواية ملائماً, و فيما يلي أدرج جزءاً من الرّسالة التي تلقاها أورويل من هذا الناشر بعد "استشارته" وزارة الإعلام:

" أود أن أحدّثك حول رأي موظف هام في وزارة الإعلام بخصوص مزرعة الحيوان, و اعترف لك أن رأيه قد جعلني أفكر ملياً في الأمر .. و أنا الآن على قناعة بأن نشر هذه الرّواية في هذه الفترة قد يكون خطيراً جداً. لو أن الرواية تتحدّث بشكل عام عن كل الديكتاتوريين و الأنظمة الديكتاتورية لما وجِدت أي مشكلة, لكن أحداثها تتطابق بشكل كامل مع السير التاريخي لروسيا السوفيتيّة و ديكتاتورييها و لا يمكن إسقاطها على أي ديكتاتوريّة أخرى.

هناك مسألة أخرى يجب أن أحدّثك عنها: سيكون من الملائم لتخفيف الإهانة في الرّواية لو تم استبدال السلالة المسيطرة بصنف حيواني آخر مختلف عن الخنازير, فاختيار هذا الحيوان بالذات قد يعتبر استفزازاً كبيراً, خصوصاً بالنسبة لأناس ذوو حساسيات عالية مثل الروس".

(المقطع مترجم من الاسبانية, و مأخوذٌ من قراءة بحثية للرواية للكاتب الاسباني فرانثيسكو ألونسو, و الذي اقتبسها بدوره من مقال لجورج أورويل بعنوان "حرّية الصحافة").

بطبيعة الحال رفض أورويل "ملاحظات" الناشر و ثبت في إصراره على نشر الرواية بحرفيتها حتّى نجح في ذلك, لحسن حظّنا..

..

مصدر الصورة

٠٢‏/٠٢‏/٢٠١٠

رأي نقدي بخصوص الرمزيّة الشائعة في خطاب مناهضة الطائفية

صليب هلال

قد يبدو هذا العنوان غريباً للوهلة الأولى, خصوصاً إن أسيء فهمه و اعتُقِد أنني أنتقد مناهضة الطائفية ككل, و بالطبع ليس هذا هو القصد و لا هو قريبٌ منه أو مشابه, فكاتب هذه السطور ملتزم بشكل راسخ و عميق بالوقوف في وجه الطائفية بصفتها أحد الأخطار الكبرى التي تنهش من جسد الشعوب العربيّة. ليس هذا المقال انتقاداً لمناهضي الطائفية في مجال النوايا و الإرادة, فهذه بالطبع خيّرة و حميدة و يشترك فيها كلّ باحثٍ عن التعايش و الاندماج في بوتقة الوطن و الانتماء الوطني, و هي ليست محطّ نقد بل أنها موطن إعجاب و شكر كبيرين. هذا المقال هو عبارة عن رأي نقدي يخص بعض الآليات الشائعة الاستخدام في ممارستنا الاعتيادية لمناهضة الطائفية, و تخص بعض طرق التعبير الرمزي (إن كان كرمز مادّي أو لفظي) عن رفض الطائفية و آثارها و التي, رغم حسن نيّة من يقوم بها, ربما لا تأتي بالنتيجة المرجوّة, و قد تكون محصّلتها معاكسة لما هو مراد.

من خلال ممارستنا اليومية, العامّة منها و الخاصة, لمناهضة الطائفية و رفضها وصلنا إلى استنباط مجموعة رموز, قد تكون مادّية أو لفظيّة كما قلنا, و ما أحاول شرحه فيما يلي هو نظرة نقدية تخص هذه الرموز, إن كان بوجودها أصلاً أو المبالغة في حضورها أو في طريقة استنباطها, و هناك شواهد عديدة على ما أقصد منتشرة في الحياة اليومية مثلما هي موجودة في العالم الافتراضي, و المثال الأول قد نجده في صور الجوامع و الكنائس المتجاورة.. ليس هناك خطأ في الصورة فهي بالنهاية نقلٌ حرفي لواقع نعيشه في الكثير من الدول و المجتمعات العربيّة, و بالطبع لها معنى ظاهر و واضح يؤدي, مبدئياً, الغرض المرجو منها.. لكن المأخذ المحتمل هو على المبالغة في استخدامها, فيكاد لا يخلو موقع أو مدوّنة أو مجموعة مضادّة للطائفية من صورة أو صور من هذا النوع, و لا شك أن القصد منها حميد.. لكن عندما نصرّ على إبراز هذا المشهد كأمر مهم نقع في الوقت ذاته في إشكاليّة تصويره كأمر استثنائي أو خارق للعادة, و لذلك فهو جدير بالمشاهدة, و هذا معاكسٌ برأيي لما نريد لأنني أعتقد أن هدف اللاطائفية هو أن يكون التعايش و التجاور أمراً طبيعياً و اعتيادياً, و الأمور الاعتياديّة هي كذلك لأنها لا تلفت انتباه الناس الذين يعايشونها بشكل يومي. قد يلفت هذا المشهد انتباه الزائر الغريب, لكنه سيعجب أكثر إن رأى أن أهل البلد يرونه كأمر طبيعي لا يستحق الدهشة و لا الوقوف عنده..

عندما نحاول "تسويق" هذا المشهد بإصرار فإننا, رغم كلّ حسن نيّتنا, نمنحه طابعاً "مصطنعاً" يناقض ربما بشكل كامل ما نرغب إيصاله.

هناك مثالٌ آخر حول الموضوع, و يخصّ رمزاً رأيته للمرّة الأولى منذ عدّة أشهر, و لفت نظري مؤخراً مرّة أخرى عندما رأيته على شكل قلادة في عنق أحدهم في صورة, و لا أعلم إلى أيّ حدّ هي منتشرة, و هذا الرّمز هو عبارة عن هلال و بداخله صليب (الصورة أعلاه). بطبيعة الحال يقصد مستخدم هذا الرمز منه الإشارة إلى التعايش السلمي و التضامني بين المسلمين و المسيحيين, و لذلك يستخدم رمزاً جامعاً لرموز دينيّة أو تدلّ على الدّين, و لا شكّ أن الفكرة من حيث المبدأ جيّدة جداً و سامية.. لكن لننظر إلى الرّمز من زاوية أخرى: ألا يرسّخ هذا الرّمز التصنيف حسب الدّين؟ ألا يعني هذا الرّمز حرفياً "المسلمون يتعايشون مع المسيحيين"؟ هل هذا هو المعنى الذي نريده كلاطائفيين؟ أليس معنى اللاطائفية هو وجود مجموعة من الناس متعايشة و متفاهمة بشكل طبيعي, دون أن يكون دين الأفراد محطّ نظر أو ملاحظة؟ اللاطائفية تبحث عن إيجاد كيان واحد يجمع كلّ الناس بمختلف أديانهم و طوائفهم, و ليس ترسيخ التقسيم في كيانات مختلفة, أو أقسام ضمن الكيان الواحد لاطائفياً برأيي, حتّى لو تم التأكيد على أن هذه الكيانات أو الأقسام الكيانية "تتعايش بحب".

عندما نشير إلى الديانات بهذا الشكل أو بأي طريقة أخرى فإننا, بدون قصدٍ منا, نصنّف الأشخاص و نقسّمهم.. الطبيعي هو التعايش مع شخص انطلاقاً من أساسيات العلاقة الإنسانية بدون أن يكون دينه أو طائفته جزءاً من هذه الأساسيات. أن يصادف أن هذا الشخص من هذا الدين أو ذلك فهذا جزء من خصوصيته و حقّه في الاختلاف و لا دور لهذا الأمر بعلاقتي الإنسانية معه. و المثال الثالث ينطلق من هذه النقطة و يتحدّث عن عادة موجودة عند الكثيرين, و ربما استخدمناها جميعاً يوماً ما, و أتحدّث عن حالة الشخص الذي "يعلن" لسبب أو بدونه, أن لديه أصدقاء من ديانة أخرى.. مثل أن يتعرّف أحدهم على شخصٍ و يكتشف أنه من دين مختلف, و أيضاً بحسن نيّة و رغبة في إظهار تسامحه و انفتاحه يقول فوراً أن لديه أصدقاء كثيرين من ديانة الشخص الذي يحادثه, طبعاً هو يحاول أن يكون لطيفاً, لكن السؤال الذي قد يجول في البال هو: و ماذا يعني؟ هل يجب أن نصنّف أصدقاءنا حسب الدين؟ أو بمعنى آخر, هل يجوز أن نستخدم أصدقائنا و ديانتهم (و التي هي في النهاية أمرٌ شخصي و خاص بهم) كي نسوّق أنفسنا و تسامحنا؟ أجل من الصحيح أن كلّ من يفعل هذا يفعله من منطلق نيّة حسنة لكن نعود إلى نفس حالة المثال الأول: هل صداقتك لأشخاص من دين مختلف

هو أمر استثنائي حتى يستحق أن يُحكى؟ يا ترى لو كنّا نراه أمراً طبيعياً و اعتيادياً هل كنّا سنحكيه؟ أليس هناك عنصر "اصطناع" غير مقصود؟

هناك ممارسة خاطئة بشكل كبير جداً برأيي, و هي مكافحة الطائفية بمهاجمة الطائفة.. أو بالأحرى ربط التديّن بالطائفية, و هذا ما ليس صحيحاً أبداً... من الممكن أن يكون الشخص متديّناً جداً بل و متشدداً في تديّنه, و أن يكون في الوقت نفسه متعايشاً بشكل صحيح و سليم مع من يختلف معه في الدين و الطائفة و على أساس المساواة في القيمة الإنسانية و الحقوق و الواجبات. و العكس صحيح أيضاً, كثيراً ما رأينا طائفيين و اقصائيين ليسوا متدينين و لا يمارسون دينهم.. بل يوجد ملحدون طائفيون!

ختاماً.. أؤكد على أن هذه الأمثلة البسيطة هي عبارة عن رأي يصب في نطاق النقد الذاتي لمجموعة أشخاص أفخر بأنني أحدهم.. و هي محاولة للمساهمة في تصويب الممارسة كي نصل و نوصل من حولنا إلى الاقتناع الكامل و الراسخ بأن الأرض تتسع لنا جميعاً.. و أن أفضل حياة لأي دين أو طائفة أو حتى إيديولوجيا هي التي تقوم على أرضية من التعايش و التفاهم مع الغير.. مهما كان هذا الغير.

..

مصدر الصورة

٣٠‏/٠١‏/٢٠١٠

الهجرة و جدران العنصرية الجديدة

 inmigrante1

لا يزال السجال, الحاد أحياناً, حول مسألة المهاجرين "غير الشرعيين" قائماً منذ أن أشعل عمدة بلدة فيك (Vic) في إقليم كاتالونيا فتيله منذ عدّة أسابيع, فقد تحوّل الخلاف بسبب إجراء إداري و قانوني إلى مبارزة ما بين أخلاق المنطلق الإنساني و أخلاق "الضرورة" كما أسماها أحد كتّاب الأعمدة المشاهير في جريدة "إل باييس", أكبر صحيفة اسبانية.

ماذا حدث في فيك..

القصة ببساطة هي التالية: من مسؤولية البلديات, حسب القوانين الاسبانية, إحصاء المقيمين فيها و منحهم "سند إقامة", و هذا الإجراء يسري على جميع المقيمين, إن كانوا أسبانا أو أجانب, و هذه الوثيقة ضرورية للاستفادة من الخدمات التي تقدمها البلدية أو تلك الخدمات الحكومية المقسّمة بناءً على توزيع البلديات (بطاقة الرعاية الصحية, التسجيل في المدارس الحكومية, الخ..), و هذا المستند خاص بالإدارة المحلية و لا علاقة له بإذن الإقامة الشرعي الذي تمنحه إدارة الهجرة في وزارة الداخلية.. و حسب القانون أيضاً فإنه يكفي إبراز وثيقة شخصية (جواز سفر مثلاً) و إثبات الإقامة في المنطقة الإدارية (عقد استئجار منزل أو إقرار خطي من قبل مقيم شرعي يفيد بأن هذا الشخص يقيم معه), و لا يحتاج المهاجر لإثبات وضعه القانوني كي يحصل على هذه الوثيقة و يتمتع بالحقوق التي تمنحها كما أنه لا يتم تبادل المعلومات بين قاعدة البيانات البلدية و سلطات الهجرة, و إجراءات الحصول عليها بسيطة جداً و مجانية بالكامل.

السجال بدأ عندما قرر عمدة مدينة فيك أنه يجب على الأجانب كي يحصلوا على سند الإقامة في البلدية التي يديرها أن يثبتوا قانونية وجودهم في اسبانيا, و بالتالي منع المهاجرين غير الشرعيين (إن كانوا قد دخلوا البلد بشكل غير شرعي أساساً أو انتهت مدّة إقامتهم القانونية) من الحصول على مستند الإقامة و كل ما يتفرع عن امتلاك المستند من حقوق مثل الصحة و التعليم المجانيين و غيرها. و فور انتشار خبر هذا القرار من العمدة ثارت زوبعة إعلامية كبيرة, و ازدادت عندما قررت إحدى المجالس البلدية القريبة من مدريد تطبيق نفس القرار في حال نجحت بلدية فيك في تطبيقه.. و انتهى الخلاف القانوني عندما أصدرت دائرة الشؤون القانونية لرئاسة وزراء اسبانيا تقريراً يؤكد أن هذا القرار غير دستوري و بالتالي يمنع تطبيقه و يطالب بلدية فيك بالتراجع عنه, و هذا ما حصل , إلا أن النقاش لم ينته هنا بل تحوّل إلى مسألة سياسية و خلاف بين الأحزاب حول وضع المهاجرين غير الشرعيين و مسؤولية الدولة تجاههم. فالمناهضون لهذا الإجراء أشاروا إلى أنه لا يمكن معاملة المهاجرين غير الشرعيين كمجرمين و لا يجب السير في الطريق الذي بدأته إيطاليا, كما أن منع الشخص من الحصول على سند الإقامة البلدي يعني منعه من الحصول على الطبابة و التعليم المجانيين, و هذا مناهض للوائح حقوق الإنسان قبل أن يكون مسألة تباين آراء في إجراء إداري, و المدافعون عنه تحدثوا عن أن مرونة القوانين الاسبانية في مجال الهجرة تجعل البلد و إمكانياته مستباحة, و خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة الاسبانية و تنامي العجز في ميزانية الدولة و ضرورة كبح لجام الإنفاق العام الضخم, و ظهرت عبارات شعبوية و بسيطة بين هؤلاء من طراز "هذا البلد لا يسعنا جميعاً" أو "لسنا مسؤولين عن إصلاح العالم و من يعيش فيه لوحدنا", و شعارات تبسيطية أخرى من هذا الطراز.

عليّ أن أشير إلى أن ردّة الفعل العامة على هذا الإجراء المعزول (أصدره مجلس بلدي واحد من بين آلاف المجالس البلدية الموجودة في اسبانيا) أثارت ارتياحي, و لم استغربها بتاتاً, فالشعب الاسباني عموماً ليس عنصرياً, و لا ينسى أنه منذ عقود قليلة كان المواطن الاسباني هو من يحمل حقيبته و يرحل للبحث عن لقمة العيش, إلا أن ما يثير قلقي هو أن خطاب "العنصرية الجديدة" قد وجد موطئ قدم له داخل السجال الشعبي و السياسي, و موطئ القدم هذا صغيرٌ جداً اليوم, لكن القلق ينبع من إمكانية نموه مع استمرار الأزمة الاقتصادية و زيادة عمقها و تنامي أرقام البطالة و العجز و ازدياد معدلات الفقر, فعندما يكون الإنسان خائفاً من المجهول يسهل التحكّم بإرادته و يسهل تسويق فكرة استنباط "كبش فداء", و هذا ما أخاف أن يحصل إن لم يتحسّن الوضع الاقتصادي, لا أخاف من العنصرية الكلاسيكية المبنيّة على التمييز بناءً على العرق و البلد و الدين, فهذه منقرضة أو شبه منقرضة في اسبانيا, بل أخاف من العنصرية الجديدة, و سأحاول شرح ما أقصده

العنصرية الجديدة هي خليط بين الطبقية الاجتماعية و العنصرية الكلاسيكية, تتميّز بخطاب براغماتي و ملتف, وجدت و نمت في ظل النيوليبرالية الاقتصادية, تستخدم مصطلحات و أفكار مبسّطة و شعبوية إلى درجة كبيرة, و لها قدرة إقناع كبيرة جداً بشكل خاص لدى الجزء الأعلى من الطبقة الوسطى من الشعب فما فوق, تنتقد كل أركان مسؤولية الدولة في توفير مستلزمات "مجتمع الرفاهية" و توجّه سمومها المبطنّة باتجاه العالم الرابع (و هي قطاعات الشعوب التي تعيش جغرافياً ضمن العالم الأول لكن بظروف اقتصادية سيئة جداً).. يمكن تلخيص خطابها في مجموعة نقاط تبسيطية من طراز "ذنب الفقر على عاتق الفقير لوحده", "لا يجب أن يدفع الميسور ثمن فقر الفقراء", "الفقير غالباً هو كذلك لأنه كسول و غبي", و بالطبع فإن مصطلحات مثل العدالة الاجتماعية و التضامن و الحماية الاجتماعية هي مجرد خزعبلات "يسارية" تعيق التقدّم لأنها تكبح التطوّر الاقتصادي بسبب الكم الكبير من القوة المادّية التي تسخّرها الدولة لدعم و حماية الطبقات الاجتماعية الفقيرة و المهددة, و تحادث الميسور بلغة مباشرة:" لو لم تصرف الدولة كمية كبيرة من المال من أجل دعم هؤلاء الكسالى و تشجيعهم على الكسل لما أثقلوك بالضرائب و لكانت قوتك الشرائية أعلى بكثير", فكل المساعدات الحكومية من أي نوع و أي خدمة مجانية أو شبه مجانية تقدّمها الدولة هي "تشجيع على الكسل" في نظرهم, فلو لم تقدّم الدولة الطبابة المجانية و التعليم المجاني لعمِل هؤلاء أكثر كي يوفروا ثمن هذه الخدمات, و لدارت عجلة الاقتصاد بشكل أسرع, و المساعدات الحكومية للعاطلين عن العمل بالنسبة لهم تشجيع لهؤلاء كي لا يبحثوا عن عمل آخر بدل الذي فقدوه طالما يتلقّون معونة البطالة... و غيرها من المقارنات و المحاكمات المنطقية الشعبوية و السفيهة.

خطاب هؤلاء موجّه ضد كل فقير أو شبه فقير, لا فرق في أن يكون مواطناً أو أجنبياً, لكن في حالة الأجنبي الفقير (و نؤكد على فكرة الأجنبي الفقير, لأن الأجنبي الغني هو شريك و ليس خصم) فإن هناك نقاط خطابية أخرى و سيئة النيّة مثل الربط بين عدد المهاجرين غير الشرعيين و ارتفاع نسبة الإجرام, أو تحريك الشعور القومي و الخوف على الهويّة القومية بين الحين و الآخر (و أعتقد أن حملة ساركوزي ضد النقاب تصب في هذا المجال, حيث أنها تحرّك الخوف في نفس الفرنسي "الأصلي" من الغزو الرمزي لهؤلاء الأجانب و احتلالهم لمساحة الفرنسي).

يلعب هؤلاء كثيراً على وتر الضرائب.. فمثلاً دار جدل منذ فترة حول ضرورة "وضع حدود" للطبابة المجانية حيث اشتكى البعض من أن سهولة الحصول عليها في اسبانيا قد تسببت في نشوء ما سمّوه بالسياحة الطبية, حيث يأتي الأجنبي المريض (خصوصاً عائلات المهاجرين المقيمين) و يحصل على سند الإقامة ببساطة و يدخل المشفى عن طريق الإسعاف و تتم معالجته بالمجان, و عندما ينتهي علاجه يعود إلى بلاده من دون أن يكون قد دفع شيئاً مقابلها, و بالطبع يريد هؤلاء إيصال رسالة إلى المواطن الاسباني: "لماذا يجب عليك أن تدفع بضرائبك ثمن علاج هذا الأجنبي؟ هذا الشخص يأتي ليتطفّل على خدمة تدفعها كي تستمتع بها أنت و عائلتك, و يقوم بشغل مكانٍ في المستشفى قد لا يكون متوفراً إن احتجته أنت في لحظةٍ ما لأنه مشغولٌ بشخص لا يدفع ثمنه شيئاً".

هناك أمثلة كثيرة من هذا الطراز يمكن سردها كدليلٍ على بساطة خطابهم و شعبويته, خصوصاً في ظل أزمة اقتصادية كالتي تعيشها اسبانيا الآن, و لحسن الحظ فإن مفعولهم حتّى الآن غير منتشر إلا أنه لا يمكن إنكار أنه قد نمى مؤخراً بشكل ملحوظ, و يخشى من تناميه في ظل الوضع الاقتصادي القائم, كما أنه ليس من السهل مجابهة هذا الخطاب و الوقوف في وجهه, و في الشق الخاص بالمهاجرين و انتقاد أثرهم "السلبي" على الحياة الاقتصادية خصوصية تزيدها صعوبة حيث أنهم يحصّنون خطابهم ضد الاتهام بالعنصرية بمهارة كبيرة, فحسب قولهم: "المهاجر المحترم الذي يأتي بشكل قانوني و يعمل و ينتج و يدفع ضرائبه مثلما ندفع و يحترم الأعراف و القوانين الخاص ببلادنا لا يختلف عن المواطن في شيء, مشكلتنا مع من يأتي ليمتص خيرات بلدنا" و ينجح هذا الإطراء السطحي في استمالة الكثير من المهاجرين "الشرعيين" إلى هذا المنطق, و تجدهم يدعمون هذه المسألة, خصوصاً إن كانوا قد حققوا بعض الرخاء الاقتصادي.

هناك الكثير من الحقائق التي يمكن استخدامها لتفنيد هذا الخطاب العنصري الجديد فيما يخص تهجّمه على الهجرة غير الشرعية و دعوته لإغلاق الحدود و طرد المهاجرين غير الشرعيين الموجودين (لا أحب استخدام مصطلح "مهاجر غير شرعي" لأنني لا أؤمن بوجود هجرة غير شرعية.. لا يمكن أن يكون هناك شرع أو قانون ضد حقّ الإنسان في البحث عن غدٍ أفضل). و لعلّ أول ما يجب ذكره هو أن تجريم الهجرة و محاربتها هو وقوف في وجه منطق التاريخ الإنساني, فتاريخ البشرية هو تاريخ هجراتها, و لو فتحنا كتب التاريخ القديم و المتوسط و الحديث لوجدنا أن خرائطها مليئة بالأسهم التي تشير إلى تيارات الهجرة.. شعوبٌ بأكملها انتقلت من مكانٍ إلى آخر و صنعت بانتقالها تاريخاً و حضارة.. و مكافحة الهجرة اليوم هو محاولة منع الإنسانية من الاندماج بشكل نهائي و إنهاء تلك الحواجز, الماديّة منها و النفسية, التي بنيت في نوبات سكر التاريخ, و نستطيع أيضاً أن نقول أن العالم الأول مدينٌ للعالم الثالث بعد قرونٍ من الاستعمار و الاستغلال و النهب, و جزءٌ كبيرٌ جداً من رفاهية و رخاء العالم الأول مصدرها خيرات العالم الثالث المنهوبة.

إن جرّب أحد القرّاء مناقشة أحد متبنّي هذه النظريات العنصرية الجديدة فسيعرف أن ردّه على ما قلت أعلاه سيكون قوله بأنه كلام فارغ و شعارات أكل عليها الزمان و شرب, و أنها مجرّد شماعات تعلّق عليها شعوب العالم الثالث فشلها و وضاعتها, و لكن هناك المزيد من الردود على هذه النزعة التحقيرية, و هي رد مباشر على نظرياتهم في أرضها.. فعلى سبيل المثال إن كانوا يؤمنون فعلاً أن "البقاء اقتصادياً هو للأقوى فقط" و أن "القوي لا يستطيع أن يكون متعاطفاً مع الضعيف.. لأن الضعيف مسؤول لوحده عن ضعفه و لوحده يجب أن يخرج منه" فلماذا يهبّون بالمطالبة بالدعم و المساعدة لإنقاذ الشركات و البنوك؟ أليسوا ضد التدخّل الحكومي في الحياة الاقتصادية؟ أم أنّهم معه عندما يدعم هذا التدخّل الغني فقط؟ هناك حالة أعتقد أنها ساخرة حتّى و تخص رجل أعمال يدعى "خيراردو دياث فيرران" و هو رئيس فيدرالية أصحاب الفعاليات الاقتصادية (أي أصحاب الشركات و رؤوس الأموال الاستثمارية), و من ضمن الشركات التي يملكها يوجد شركة طيران اسمها " آير كوميت " .. و هذا الشخص هو أحد رؤوس النيوليبرالية الاقتصادية في اسبانيا و من كبار المدافعين عنها, و حدث منذ سنتين أو أكثر خلال محاضرة كان يوجّه فيها الانتقاد اللاذع للحكومة الاشتراكية بسبب "تبذيرها للمال في المساعدات و الدعم" و يدافع عن ابتعاد الدولة عن الحياة الاقتصادية و ترك السوق ليحكم نفسه, و في لحظة توهّج لعزيمته الرأسمالية أطلق شعاره المفضّل : " إن أفضل مؤسسة حكومية هي تلك المؤسسة غير الموجودة " مثيراً ضحك الحضور الرأسمالي مثله.. فهو مشهورٌ بـ"قفشاته" و "خفّة دمّه".

جيد.. منذ عدّة أشهر أفلست شركة الطيران التي يملكها.. و حاول بكل وقاحة الحصول على مساعدة مالية من الهيئة الرسمية للقرض, و هي مؤسسة حكومية أنشئت لدعم الشركات الصغيرة و المتوسطة خلال الأزمة الاقتصادية, وقد عارض دياث فيرران إنشاءها بكل قوّته و صفاقة لسانه, و الآن أغلقت شركته و تم الحجز على طائراتها بسبب تراكم الديون.

يستخدم بعض هؤلاء العنصريين أحياناً حيل التظليل و الخداع عندما يتحدّث عن قوانين و أعراف و فساد و ديكتاتورية الدول التي يأتي منها هؤلاء المهاجرين.. و هذا لعمري خطاب غبي و حجّة حمقاء! ألا يكفي أنه يهاجر ليهرب من المأساة التي يعيشها في بلاده حتّى تأتي و تعيّره بها؟

النقطة الأهم في الأفكار المتصدّية للهجوم العنصري الجديد هي الخاصة بتكذيب زعمهم أن المهاجرين غير الشرعيين هم مصدر خسارة لاقتصاد الدولة, هذا غير صحيح بتاتاً.. هؤلاء الناس لهم فضلٌ كبير في سنوات رخاء الاقتصاد الاسباني و خصوصاً في قطاعي البناء و الزراعة.. فهم يقومون بتلك الأعمال التي لم يكن أهل البلد يقومون بها, أو لا يقومون بها بنفس شروط المهاجر غير الشرعي الذي يعمل دون عقد عمل قانوني و دون أن يطالب بأي حقوق مثل ساعات العمل المحدّدة و الإجازات و حقوق أخرى, كما أنهم يتقاضون رواتب منخفضة جداً مما ساهم في تخفيض كلفة تلك المشاريع العملاقة التي طالما تغنّى رأس المال بإنشائها, و من المؤكد أنهم لو حاولوا إنشاءها ضمن الشروط القانونية و باحترام حقوق العمّال لما استطاعوا تنفيذها.

الآن بعد أن امتصوا خيراتهم يريدون معاملتهم كمجرمين؟ لن يمرّوا... لا و ألف لا !

..

مصدر الصورة

٢٥‏/٠١‏/٢٠١٠

حول الطائفية, العنف الطائفي و القبليّة الطائفيّة

no-to-sectarianism

نعيش في منطقتنا مؤخراً دفقاتٍ متكررة من فصول العنف الطائفي بوتيرةٍ أعلى من عقودٍ سابقة, و هذا العنف الطائفي متعددٌ في جبهات الصراع و مختلفٌ في أركانه و أسبابه الظاهرية إلا أن نموذج فصل العنف بأسبابه و طريقة حدوثه و حتّى حلول التهدئة متشابهة باختلاف هويّة المتصارعين و طوائفهم. و لا شك أن العنف الطائفي يثير استنكاراً و رفضاً أكثر بكثير مما تلقى أطرافه من الدعم و التشجيع إلا أنّ هناك التباساً مهمّاً برأيي في هذه المسألة حين يتم اختصار الطائفية ككل في حادثة العنف الطائفي, فالطائفية هي ممارسة يومية اجتماعية و سياسية و اقتصادية و ثقافية, و هي المناخ الذي يحتضن فصول العنف الطائفي التي ليست إلا ظهوراً تعبيرياً للطائفية بمعناها الأشمل, أي أن علاج العنف الطائفي الجذري ليس بتهدئة الأطراف المتنازعة لحظة نشوب المشكلة و تمنّي ألا يتكرر الاقتتال أو العنف.. هذا أشبه بمسكّن الألم المؤقت, الذي قد نستخدمه لمساعدة المريض على تحمّل الآلام الناتجة عن مرض باطني ريثما نجد علاجاً لهذا المرض, أو ريثما يبدأ مفعول هذا العلاج الجذري.

لا أستطيع, و لا أبغي, أن أجد أصل الطائفية و أن أعالجه في مقالٍ واحد أو في مجموعة مقالات, و محاولة التشخيص و البحث عن الأصل ليست إلا جهداً فكرياً متواضعاً لشخصٍ قلق من هذه الآفة و نتائجها المدمّرة و يحاول فهمها بالبحث عن أصولها.

أعتقد أن بداية بحثنا عن محرّك الطائفية و العنف الطائفي لا يجب أن تكون في الفكر الديني, و لا أعتقد أننا سنجد في الدين بحد ذاته أو في تأويلات و تفسيرات النص الديني مهما كانت هذه متطرّفة و متزمّتة منبت الطائفية و أصلها, فالمشكلة برأيي تبدأ في مكانٍ آخر, و قد تتعزز بآراء دينية متطرّفة و إقصائية, لكن هذه الآراء ليست هي الأساس.

إن أساس مشكلة الطائفية عندنا (و أعتقد أن هذا الأساس موحّد لكل الاتجاهات و التيارات الإقصائية) يكمن في التركيبة النفسية الأساسيّة لغريزة الانتماء عندنا, و هذه التركيبة الغريزية ما زالت رهينة القبيلة و المنطق القبلي و الرمزية القبلية بجميع عناصرها.. أجل بأشكالٍ أخرى محدّثة و بلغة أخرى و طرق تعبير جديدة.. لكن الهيكل العام قبلي بامتياز. و بطبيعة الحال لست أكتشف شيئاً جديداً عندما أتحدّث عن هذا الإسقاط, و ليست المرّة الأولى التي أستخدمه أيضاً و ذلك لأنني, كما قلت منذ قليل, أعتقد أنه أساس كل نزعة اقصائية لدينا, فالأسلوب القبلي في الانتماء لا يقتصر عندنا على الانتماء الديني بل أنه يمتد ليشمل جميع الدوائر الانتمائية, فنحن ننتمي للأسرة و العشيرة و الوطن و الايديولوجيا و القومية بل و حتّى لفريقنا الرياضي المفضّل بنفس الهيكل النفسي الذي يُبنى عليه الانتماء القبلي القديم, و بنفس العنجهية القبلية (و هذا ينفع كتفسيرٍ لغرابة أن تكون إمكانية نشوب مشاجرة بسبب مباراة بين فريقين أوربيين في أي مقهى عربي أكبر من احتمال نشوبها في الملعب بين المشجعين المنتمين إلى مدن الفرق الرياضية المتبارية).

كثيراً ما يحدث أن تتداخل هذه الدوائر الانتمائية - القبلية, خصوصاً في الجانبين السياسي و الديني, و قد يصل هذا التداخل إلى حدّ التناقض الذي يتم التكيّف معه على مبدأ "التفكير المزدوج" لأورويل.. أي أن الإنسان يمكن أن يصل لمرحلة يعتقد بها بأمرٍ ما اعتقاداً راسخاً و عميقاً بنفس الوقت الذي يعتقد فيه بنقيض هذا الأمر, أيضاً بشكل راسخ و عميق, دون أن يشعر أنه قد دخل في تناقض حيث أن الأمور مرتّبة بشكل ممتاز (أو هو يراه ممتازاً) في عقله.

مثل كلّ القبائل, للقبائل الانتمائية شيخٌ و نبلاء, و لكن في حالتنا هذه قد لا يكون هؤلاء أشخاصاً محددين بل ربما نجدهم على شكل مؤسسات أو أحزاب أو مجموعة أشخاص ربما لا نعرفهم بالاسم لكننا نعلم أنهم القيادة التي تقرر (بطرق مختلفة) و تجعلنا نعلم (أيضاً بطرق مختلفة) مَن هو العدو و متى و كيف يجب غزوه (لأن للـ "غزوة" أشكالٌ و طرق مختلفة أيضاً) و لا تشترط علاقة مباشرة بين "شيوخ" القبيلة الافتراضية و مريديهم, بل قد لا يعرفون بعضهم بشكل متبادل فالعلاقة نفسية بحتة, و إحدى طرق التواصل و التحشيد هي تلك التي تعتمد على "شعراء القبيلة".

من هم شعراء القبيلة..

كما نعلم من تراثنا و تاريخنا القديم فإن لكلّ قبيلة شاعرٌ أو أكثر, و لهذا الشاعر مهمّة تجييش عواطف و أحاسيس رجال القبيلة و و إذكاء نار حماسهم, كما أنهم مكلّفون بالحديث ببلاغة و شاعرية عن رفعة و مكانة هذه القبيلة و من ينتمي إليها و زرع الفخر و الاعتزاز في نفوس أبنائها بنفس الوقت الذي يهجون فيه القبائل العدوّة و يطعنون بحسبها و نسبها و أخلاقها و كرامتها.. ألا يمكن أن نجد توازياً بين دور شعراء القبيلة و دور بعض رجال الدين و أشباههم؟

قد يلعب بعض رجال الدين و المتشبهين بهم و المتطفلين عليهم هذا الدور, و كثيراً ما يلعبونه دون قصد واضح و صريح, فربما يكون رجل الدين نزيهاً مع نفسه عندما يقول ما يعتقد مهما كان متطرفاً, لكن هناك من يأخذ كلام و خطاب رجل الدين هذا و يضعه في سياقٍ و في قنوات و شبكات ناقلة للمعلومات تحوّل هذا الرجل إلى شاعر قبيلة دون قصدٍ منه, و هذا لا ينفي وجود كثيرٍ منهم يرضى و يفرح بدوره كشاعر قبيلة.

و لماذا تقوم الغزوات و تنشأ الحروب؟

للإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نبحث عن سبب ثانوي بعيد تماماً عن الغريزة الانتمائية (و هذا ليس نظرية مؤامرة) و مصلحة لهؤلاء الشيوخ المفترضين أو لحلفاءٍ لهم.. قد تكون أسباباً اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.. أو قد تكون مجرّد رغبة الشيخ بأن يكون شيخاً و نجاحه في تحقيق ذلك, فبالنظر إلى الطائفية بشكل مجرّد نجد أن هناك رؤوساً و شخصيات تكون قيادية و بارزة و تنال التأييد و الدعم فقط ضمن مناخ الطائفية و العنف الطائفي, و لو لم توجد الطائفية لما كان لهم أي امتيازات, و لذلك فهم يحافظون على هذا المناخ الذي جعل منهم, بشكل أو بآخر, قادةً ينالون التقدير و الإعجاب و المباركة.

هناك مسألة أخرى مهمّة و تصلح لدعم فكرة الهيكل القبلي للانتماء و هي الرمزية و العنف الرمزي, و الفكرة هي التالية: لو عدنا إلى تاريخ القبائل سنجد أن السبب الظاهر و العلني للحروب و المعارك بينها (أي السبب الذي سيستخدمه شعراء القبيلة, و هو مختلف عن السبب الأساسي الذي هو مصلحي بحت, سياسي أو اقتصادي أو استراتيجي) يلعب على وتر ما يعتبر رموزاً مميّزة للقبيلة, قد تكون مقدّسة أو لا.. فربما كان يتم استعمال قصيدة هجاء لشاعر القبيلة العدوّة, أو شجارٌ على تجارة أو مبارزة شعرية أو سباق خيل, أو اعتداءٌ على نساء القبيلة بالنظر أو باليد أو باللسان.. الخ, و هذا يشبه الأسباب المباشرة و الظاهرة إعلامياً للمشاكل الطائفية في مختلف المناطق, فمن شبه المستحيل أن نجد أن أحداث عنفٍ قد نشبت بسبب الاختلاف الفكري على قضية فقهية تمس صميم المعتقدات (و غالباً يكون من ينخرط في صراعات طائفية لا يفقه شيئاً عن صميم الأساس الفكري لطائفته أو للطائفة العدوّة.. فقط يعرف أنه ينتمي إلى هذه الطائفة و يعرف رموزها, و تلك الطائفة عدوّة لطائفته و لذلك عليه أن يكرهها و يقاتلها), بل أن المعتاد هو أن يكون السبب رمزياً بحتاً كمحاولة بناء دار عبادة لدينٍ أو طائفة في "منطقة نفوذ" طائفة أخرى, أو بسبب حديثٍ لشخصٍ من دينٍ أو طائفة عن دينٍ آخر يراه أنصاره مهيناً, أو بسبب مشاكل تخص نساء هذه الطائفة أو تلك (علاقات عاطفية بين أبناء طوائف مختلفة لا يجوز اجتماعياً أن تنشأ, و هنا نجد تشابهاً يصل حد التطابق مع الإرث القبلي), و دائماً يكون الرّد من جنس العمل مع زيادة تضمن صورة النصر و رد الاعتبار.. إن بنوا دار عبادة في مناطقنا فسنبني في مناطقهم أكثر من دار عبادة لنا و إلا هدمنا البناء الذي يقيمونه.. أو إن دنسوا مقدساتنا فسندنس مقدساتهم بما هو أشنع.. إن اغتصبوا (و هنا الاغتصاب قد لا يكون بهذا المعنى الدقيق لكن الغيرة الذكورية ترى كل ما يخص النساء اغتصاباً) منا امرأة فسنغتصب منهم عشرة.. الخ و هذا يشبه إلى حد كبير نزعة الثأر القبلي و استعادة الكرامة المهدورة.

أمرٌ مهمّ آخر يخص الرمزية, و هو أنه يبدو أنه ليس من المهم جداً أن يكون الاعتداء على الرمز قد حصل أم لا, و ليس من المهم التأكد إن كان من روى ما حصل قد هوّل أو بالغ.. كل هذه الأمور ليست مهمّة, فمجرّد الحديث عنه يكفي لإشعال فتيل الغيرة على الرمز الانتمائي, و هذا ما هم بحاجته فقط.

بقي أن نذكر أيضاً أن القبائل الانتمائية ليست ثابتة أو دائمة, بل قد تنشأ و تنتهي طبقاً لأحداث حقبة معيّنة من الزمن, و قد يكون أعضاء قبائل متقاتلة بالأمس حلفاءً في قبيلة تنشأ اليوم, و هذا يعود إلى احتياجات من يثير هذه الزوابع و مصالحه و مهارته في حشد و بناء "قبيلة" في لحظة معيّنة.

لماذا يستمر الهيكل القبلي و الطريقة القبلية في الانتماء إلى اليوم؟

لعلّ سبب هذا الاستمرار يعود ببساطة إلى أنه لم يُسمح لنا بتعلّم الانتماء بطريقة أخرى لأنه لم يكن من مصلحة أولياء الشأن (داخليين كانوا أم خارجيين) أن تذوب الهيكلية الانتمائية القبلية, المعتمدة على الغريزة و العاطفة و العنف, و أن يحل محلها نموذج انتمائي أقل عاطفة و أكثر عقلانية, فالسيطرة على الإنسان العاطفي و الغريزي سهلة جداً و لا تحتاج لجهد كبير.. و لأن النموذج الجديد يحرّر من يستخدمه من السلطة النفسية لشيخ القبيلة و يحصّنه من تأثير شاعر القبيلة, و هذا الأمر لا يخص العرب بمختلف دياناتهم و طوائفهم, إنما هو موجودٌ في مناطق أخرى من العالم, بل أن النموذج القبلي في الانتماء قد عاد لينال قوّة و انتشاراً في بعض المناطق من العالم خلال مراحل معيّنة (مثل الولايات المتحدة خلال حقبة المحافظين الجدد, و الحقيقة أنني أعتقد أن هناك تشابهاً كبيراً في طريقة الانتماء العربية و الأسلوب الموجود بكثرة في الولايات المتحدة.. و قد يكون هذا الأمر هو أحد أسباب الصدام).

لا يمكن برأيي الانتهاء من الطائفية و كل النماذج الفكرية الاقصائية الأخرى إلا بتطوير النزعة الانتمائية و تحويلها إلى نوع جديدٍ آخر, أكثر تضامناً و أقل غريزية و عاطفة, و يمكن أن يتم ذلك عن طريق إنشاء دوائر انتمائية جديدة و بخصائص مختلفة و عناصر بعيدة جداً عن تلك الخاصة بنهج القبيلة, و ربما يكون الانتماء الوطني العقلاني و المنهجي و زرع بذرة التضامن و الإخاء بين أبناء الوطن الواحد فيما بينهم, و بينهم و بين أبناء أوطانٍ أخرى أيضاً, دون أن يؤثر ذلك على انتماءهم الديني أو الفكري أو الإيديولوجي و لا يتعارض معه بأي شكل.. إلا أن المشكلة في هذا المجال تكمن إلى أن نزعة الوطنية و الانتماء الوطني التي ظهرت خلال القرن العشرين (ضمن مشاكل و صعوبات و أخطاء كثيرة, لكنها كانت بذرة صالحة) قد انتكست و عادت إلى صف الانتماءات القبيلة, بشيوخها و شعرائها, و بنزعتها الإقصائية و عنجهيتها و شوفينيتها بل و عنصريتها. و هذا ما يجب التخلّص منه.. إن كنا نريد أن نبني أوطاناً مكان مضارب القبائل و ساحات داحس و الغبراء الحديثة..

..

الصّورة

٢٢‏/٠١‏/٢٠١٠

مزرعة الحيوان – جورج أورويل

orwell

لجورج أورويل (1903- 1950) بصمةٌ و تاريخ في أدب القرن العشرين لا يمكن تجاهله مثلما يصعب تصنيفه كأديب, فهو كاتب المقالة و البحث و الرواية في قضايا الاستبداد و التحكّم بالشعوب و تسييرها بتزامن مع أزمنة سوداء في أوروبا و العالم و هي حقبة ظهور النزعات القومية و الحروب الأهلية الأوربية, مروراً بالحرب العالمية الأولى و ظهور الديكتاتوريات الأوربية الكبرى, المختلفة المشارب الفكرية و المتشابهة في ممارساتها القمعية, نهايةً بالحرب العالمية الثانية و سقوط بعض هذه الديكتاتوريات على حساب توطيد ديكتاتوريات أخرى, و أعتقد أن اختصار نتاج أورويل الواسع في أنه "أدب سياسي" هو رأيٌ كسول بتعبيره, فتوصيفه للديكتاتور و نظامه و أسلوبه, الرمزي منه و الصريح, يتجاوز السياسة البحتة ليمر في كافة مجالات العلوم الإنسانية من فلسفة و علم نفس و علم اجتماع, و يعبّر عن موقف إنساني عنيد و صلب ضد التيارات التي تدعم أو تبرر أو تتفهم الاستبداد و القمع, و المحيطة به من جميع الجهات, و قد يكون من الممكن اعتبار نتاجه البحثي و الصحفي مظلوماً على حساب رواياته التي أصبحت عناويناً كلاسيكية في الأدب العالمي, و بالأخص روايتيه الأخيرتين (مزرعة الحيوان المنشورة عام 1945 و هي مجال حديثنا اليوم و 1984 المنشورة عام 1949, و التي سبق لي الحديث عنها في مقال قديم), رغم أنني لا أعتقد ذلك لأن رواياته هي خلاصة حياة مسخّرة للوقوف ضد الطغيان و الظلم, و كاتبها أرادها كذلك.

مزرعة الحيوان رواية يمكن اعتبارها ساخرة بقدر ما هي عميقة في رمزيتها, تدور أحداثها في مزرعة إنكليزية عندما تثور الحيوانات ضد قسوة صاحب المزرعة و رجاله متأثرة بأفكار خنزيرٍ عجوزٍ روى لجميع الحيوانات أحلامه بحيوانات متحرّرة من تسلّط و استغلال الإنسان لها قبل أن يموت, و تنجح الحيوانات في طرد البشر من المزرعة و يقيمون لأنفسهم نظاماً حيوانياً برموزه و أعلامه و مبادئه الثابتة الخاصة باحترام الحيوانات و حقوقها و حريتها, و سرعان ما تبرز الخنازير كقائدة لهذه المزرعة بسبب الإرث الطبيعي للخنزير العجوز صاحب الأفكار التحررية الحيوانية و أيضاً بسبب نسبة ذكائها الأعلى بكثير من ذكاء باقي الحيوانات التي رضيت بهذه القيادة و آمنت بحكمتها و وثقت بقراراتها, و مشت الأمور بشكل ممتاز و جميل برهةً من الزمن إلى أن نشب خلاف بين أبرز خنزيرين في المزرعة انتهى بطرد أحدهما من المزرعة و اعتباره خائناً للقضية الحيوانية و موالياً لأعدائها و تنصيب الآخر حاكماً مطلقاً على المزرعة, و يبدأ عندها تحوّل المزرعة من الجنّة الموعودة للحيوانات الحرّة إلى نظام ديكتاتوري قمعي بقيادة الخنازير التي بدأت تستحوذ على امتيازات كبيرة في جميع المجالات و باستخدام الكلاب كقوّة قمعية ضاربة.

أبدع أورويل في وصف طريقة تحوّل المزرعة إلى الديكتاتورية الخنزيرية, خصوصاً في تصويره الرمزي لدور البروباغندا التي استخدمها الخنازير لإقناع الحيوانات الأخرى بأن الأمور تتطوّر كل يومٍ أفضل من اليوم السابق, و تزوير الأحداث و التلاعب بالذاكرة و تغلغل الحيرة في عقول الحيوانات التي تجعل كلّ واحدٍ منها يشك بنفسه و بعقله قبل أن يشك بحكمة الخنزير الكبير و صواب قراراته.

بطبيعة الحال لم يخترع أورويل أسلوب استخدام الحيوانات الرمزي في الرواية, فهذا الأسلوب قديم ربما كقدم فن الرواية بحد ذاته, لكنه نجح في تسخير هذا الأسلوب لقلمه و أفلح في نسج نص روائي بسيط بسرده و عميق بأفكاره, بلغة شيّقة و ممتعة في جميع مراحلها, و بالطبع مع نهاية رائعة جداً.

عانى أورويل الكثير من الصعوبات في محاولته نشر هذه الرواية, فعلاقة الحلفاء المتوتّرة بين بريطانيا و الاتحاد السوفيتي عند نهاية الحرب العالمية الثانية جعلت وزارة الإعلام البريطانية (في تلك الحقبة كان هناك وزارة إعلام في بريطانيا) "تنصح" دور النشر بعدم التورّط في هذا الاستفزاز للنظام السوفيتي, و في دراسة نقدية حول هذه الرواية قرأتها منذ مدّة وجدت رسالة من مسؤول إحدى دور النشر إلى أورويل يطلب منه تعديل بعض الأمور في الرواية كي يستطيع نشرها له, مثل ألا تكون الخنازير هي الطبقة الحاكمة للمزرعة, و هو طلب قوبل بالرفض من قبل أورويل الذي نجح في نشر الرواية في النهاية دون تعديلات.

لا يمكن الحديث عن هذه الرواية دون المرور بتوجّهها النقدي المباشر للاتحاد السوفيتي و النظام الستاليني القمعي, و من السهل بمكان على أي عارفٍ بتاريخ الاتحاد السوفيتي أن يجد أن شخصيات الرواية مرادفة للشخصيات القيادية في الاتحاد السوفيتي, لكنها برأيي رواية تصلح لكل الأنظمة الشمولية و القمعية, إن كانت ضمن دول أو حتى عابرة للدول و القارات. فأغلب (إن لم نقل جميع) الثورات على مرّ التاريخ قامت كفورة شعبية ضد الظلم و الطغيان و الفقر, و بآلية معيّنة, تكاد تكون موحّدة تاريخياً و عالمياً, تظهر قوى مستبدة و تنجح باختطاف أحلام الشعوب و تطلعاتها و تحوّلها إلى أداة و سلاح فعّال و مفيد في تطويع هذه الشعوب و قمعها.. و تدور الحكاية..

حديقة الحيوان و 1984 هما, كما قلنا, خلاصة حياة أورويل, و قد كتبهما بعد معرفته بإصابته بالسل, هذا المرض الذي سينهي حياته بعد نشر روايته الأخيرة بسنة و بضعة أشهر عن عمر لم يصل إلى الـ 47 عاماً, و سيرة حياة أورويل هي قصّة نضالٍ فكري محموم من أجل زرع مبادئ الحرية و الإنسانية في وجه السلطة, قصة رجلٍ سبح ضد كل الأمواج و عانى عداء و تجاهل أغلبية الطبقة المثقفة في عصره, المتوزّعة بين الماركسية العاشقة للعملاق السوفيتي و بين اليمين الليبرالي أو المحافظ البريطاني, و هناك جزئية تنال إعجابي بشدة في سيرة حياته و هي الخاصة بسجالاته العميقة و علاقته العدائية مع الماركسيين البريطانيين رغم كونه يسارياً و اشتراكياً مرّاً.. فأورويل كان ضد الطغيان, أي طغيان.. بل أنه ربما يعادي الطغيان المستند على فكره و انتماءه السياسي أكثر من غيره, و ليس فقط الانتماء السياسي بل و الوطني حتى, ففي بداية حياته عمل موظفاً لدى الجيش البريطاني في إحدى المستعمرات إلا أنه استقال بعد أعوام قليلة و قضى فترة زمنية طويلة بعدها ينتقد التوجّه الاستعماري البريطاني بشراسة بدت و كأنها تكفيرٌ عن عمله لدى الجيش البريطاني في سنين يفاعته و شبابه الأول.

وضع أورويل في أعماله الكثير من المصطلحات التي ما زالت تستخدم إلى اليوم مثل "الأخ الأكبر" أو "التفكير المزدوج".. و لعلّ من انتكاسات الإنسانية الكبرى أنه رغم انقراض و عدم صلاحية الكثير من المصطلحات و المفاهيم التي كانت سائدة منذ عشرين عاماً فقط في مجالات أخرى من الحياة مثل العلوم و التكنولوجيا إلا أن المصطلحات الأوريلية الخاصة بالاستبداد و الظلم و الطغيان ما زالت سارية المفعول.. بل ينبغي علينا جلب مصطلحات جديدة نظراً لتطوّر هذا المجال... بدل انقراضه و ضياعه في أوراق التاريخ الغابر.

..

مصدر الصورة

١٨‏/٠١‏/٢٠١٠

ماكيافيلي .. العربي

Maquiavelo

نفذ صبر ماكيافيلي في قبره..

منذ سنواتٍ طويلة و هو يتحمّل غمز زملائه من الأموات و همساتهم.. لا يكفّون عن السخرية و الهمهمة كلّما علا صوته مادحاً عبقرية نظرياته و أفكاره في السُلطة و كيفية الوصول إليها و الحفاظ عليها. تجاهلهم أول الأمر, ثم غضب منهم و هجرهم.. لكنه كان يحتاج جمهوراً يسمعه, حتى لو سمعه مكرهاً و دون تصفيق..

يوماً ما, قرر ماكيافيلي أنه لم يعد يحتمل يوماً آخر من الجهل بسبب همهمة زملائه و ضحكهم من أحاديثه العبقرية, فقرر الإمساك بأول وافدٍ جديدٍ إلى مملكة الموت و استجوابه قبل أن يفسده معشر الساخرين الشامتين و يصير واحداً منهم, و لأجل ذلك افترش الأرض مقابل بوّابة السرّ الكوني منتظراً ذلك الوافد الذي سيبحر به من زورق الشك القلق إلى برّ راحة اليقين. و انتهى انتظاره الذي لم يطل كثيراً عندما فُتحت دفتا البوّابة الضخمتين و دخل شابٌ أسمر البشرة عابس الوجه متلفتاً حوله في مزيجٍ من الخوف و الفضول أضيفت إليهما الدهشة عندما رأى رجلاً يقف من جلسته على الأرض و يهرول نحوه و كأنه يبغي منه صدقة, فربت الشاب على جيبيه و كأنه يريد أن يشير إلى المتسوّل المحتمل أنه لا يحمل شيئاً يمكن أن يعطيه منه.. لكن ماكيافيلي تجاهل هذه الحركة و اقترب منه و عرّفه عن نفسه و ما فعل و ألّف و علّم, و فرح عندما أفهمه الشاب أنه يعرفه و يعرف نتاجه العابر للقرون و دغدغت النرجسية لسانه فانطلق يسأل الشاب إن كان يعلم لماذا يسخر منه معشر الأموات عندما يتحدّث بفخر عن علمه و فكره.. فردّ الشاب باسماً: "من الطبيعي يا ماكيافيلي العظيم أن يضحكوا, فرغم أنك من كبار علوم الحكم و الدولة و صاحب تلك النصوص التاريخية عن كيف يصنع الأمير نفسه و يبني حاشيته و يطوّع شعبه و يسخّره لخدمته إلا أن حديثك اليوم هو كافتخار أحدهم بعربته التي تجرّها البغال في حين يركب غيره الطائرة النفاثة", و احتجّ ماكيافيلي مؤكداً أن تعاليمه تصلح لكل البلاد و الدول و الأمراء و الطغاة, و لكل زمان و لكل شعبٍ و ملّة, لكن ضحكة الشاب العالية قاطعته و حين نظر إليه مستنكراً سخريته أجابه الشاب:" يا صديقي العظيم هناك من غلبك في فنّك, ربما تتلمذوا يوماً على تعاليمك لكنهم جعلوا منها لهو أطفالٍ أمام ما صنعوا اليوم" فسأله ماكيافيلي بلهفة: "و من يكون هؤلاء العباقرة ؟", فأجابه الشاب: " يسمّون بالأمراء العرب" فتعجّب ماكيافيلي: "العرب؟! هل تطوّر العرب و علومهم و معارفهم عما كانوا عندما كنت على الأرض؟ على حدّ علمي كانوا غارقين في ظلمات دامسة بعد ماضٍ مجيد و عالقين في حروبٍ كثيرة و أزمات متتالية يتمرغون فيها بانتظار فرسان الأمس القادمين لنجدتهم" فأجابه الشاب: "لم يتغيّر الأمر عمّا كان في عهدك بل أنه اليوم أسوء.. فقط فن الاستبداد متطوّر و مزدهر و يشكّل ثروة إستراتيجية لهم و ذخراً يصونونه بأرواحهم, عفواً, بأرواح شعوبهم".. و لم يقتنع ماكيافيلي بالكلام فسأل الشاب: "و هل تعرف الأمراء العرب جيداً؟" فأجابه الشاب باسماً:" و كيف لا أعرفهم و أنا قادمٌ للتو من أقبية عسسهم!", و حين همّ الشاب بإكمال الحديث عمّا يعرف فوجئ بماكيافيلي يستدير و يهرول مبتعداً عنه دون أن يودعه, فناداه كي يسأله عن أين يجب أن يذهب هو الآن لكنه لم يتلق أيّ رد.

أمضى ماكيافيلي الأسبوع التالي للقائه الوافد العربي منعزلاً صامتاً لا يختلط بأحدٍ, يقضي جلّ يومه في المشي و هو يحادث نفسه هامساً, ثم يأوي إلى فراشه ليلاً و يستسلم لنوم متقطّع و تقلّباتٍ.. و استغرب الجميع حالته و تصرّفاته, و حاول البعض محادثته للاطمئنان عليه و معرفة سبب قلقه و همّه, لكنه رفض الحديث معهم و نفر منهم, كما استشاط غاضباً عندما سأله أحدهم عن أين يذهب في الصباح الباكر كل يومٍ.. و عند نهاية الأسبوع دهشوا لرؤيته حاملاً حقيبته و متجهاً نحو البوّابة, فظنّوه قد جنّ و حاولوا إيقافه لكنه أبعدهم بجفاء و قال لهم أنه حصل على التصريح و الوسيلة لزيارة أرض الأحياء و العيش فيها لمدّة شرط ألا يفصح عن هويته الحقيقة, فتركوه و شأنه بعد أن عجزوا عن جعله يفصح عن سبب عودته إلى الأرض.

..

وصل ماكيافيلي بلاد العَرب متلهفاً, عيناه جائعتان لتصيّد كلّ مظاهر الحياة فيها و عقله متيقّظ متحفّز لتحليل كلّ ما يراه و فهمه.. و منذ الساعات الأولى لوجوده فيها عرف أن ذلك الشاب الأسمر القادم إلى الموت من أقبية العسس لم يكذب عليه و لم يبالغ.. فقد رأى أمراءً يمتطون صهوة شعوبهم و يسوقونهم في سهول الطاعة العمياء و الولاء المطلق.. فالأمير وليّ نعمتهم و سيّد أمرهم..

إن تنحنح زلزلت الأرض, و إن ضحك أشرقت الشمس..

هواءُ النَّفَس يدخل رئاتهم بأمره و مباركته.. و إن لم يرد ذلك اختنقوا مصفّقين..

تتابع الأيام و المراحل بفضل حكمته و نظرته الثاقبة, فهو الذي وضع للأيام و الشهور التي صنعها اسماً, و جعل لكل محصولٍ موسم بذكائه و سعة معرفته.. إن أمطرت السماء فإن الفضل له, و إن لم تمطر فالسبب حكمةٌ يعرفها هو و لا يحاول فهمها غيره..

حبّه و تبجيله في السرّ و العلن محتوم.. و عدم وصول جبهة المواطن إلى تراب الأرض في انحناءه له استهتارٌ بأمره مشكوك..

مشى ماكيافيلي في شوارع المدينة مبهوراً.. و نظر إلى عاليات القصور الترفة التي يعيشها الأمراء و أتباعهم مجبرين و ليس برغبتهم, فالتفكير في شؤون الشعب و مصالحه يقتضي ذلك.. بل أنهم يتعذّبون في الإقامة فيها بدل العيش في أكواخ الصفيح كمواطنيهم المحبوبين.

علم ماكيافيلي أن كلّ أميرٍ ينتقي حاشيته و خدمه و عسسه بعد التيقن من ولائهم و صلاحيتهم عن طريق امتحانٍ يلي فترة تحضيرٍ و تجهيزٍ و دراسة, فقرر أن يحاول الدخول كي يدرس هذه الأعجوبة المعجزة من الداخل, و أيضاً لأن ثقته بنفسه اهتزت لدرجة أنه نسي هاجس منافسة الأمراء و أصبح يشك بأن علمه المشهود قادرٌ على أن يجعله يكون خادماً من هؤلاء الخدم المخلصين..

درسَ ماكيافيلي و تعلّم و حفظ, و عرف كيف الولاء العربي يكون, و كيف يصان العرش و جالسه, و قضى شهوراً يجهّز نفسه لذلك الامتحان الذي أصبح مصيرياً له و لسلامة عقله, و لم ينس أن يترك أثراً لغيرته على الإمارة و الأمير و سلامتهما بتقديمه خدماتٍ على شكل رسائل تشير إلى بعض الخونة المتقاعسين عن تبجيل الحكم و الحاكم..

و جاء يوم الامتحان..

دخل ماكيافيلي القاعة و ركبتاه تدّقان و ترقصان و تغنيان في آن معاً.. و وجد نفسه أمام طاولةٍ معدنية صدئة يجلس عليها رجلان.. أحدهم هو المسؤول عن تقرير كفاءته و الآخر مساعدٌ له و كاتبٌ لملاحظاته و قراراته..

بدأ المسؤول البدين بطرح الأسئلة السريعة و كأنها طعناتُ حاوٍ غجري في سيرك جوال, و ماكيافيلي يجيب بسرعة و فصاحة, دون أن ينسى تحيّة الأمير و رجاله المخلصين الأشداء كالسادة الفاحصين بين كلّ جوابٍ و شقيقه. و حين انتهى الامتحان نظر المسؤول إلى ماكيافيلي بثبات و استهانة, و شرع يسخر منه و من اعتقاده الجسور بأنه يستحق أن يكون خادماً للأمير, و وبّخه على وضاعته و غبائه... و حين اغرورقت عينا ماكيافيلي بالدموع و شرع عقله المضطرب يفكّر في العودة إلى ديار الموت ليحبس نفسه فيها إلى الأبد أنهى المسؤول تدخين غليونه.. و بعد لحظة صمتٍ طويلة و ثقيلة أشار إلى ماكيافيلي و صاح به: "من حسن حظك أنني اليوم بمزاجٍ حسن, و قد أشفقت عليك بقلبي الكبير الحنون الذي بنيته على وصايا الأمير الخيّرة, و لذلك سأعطيك فرصة الدخول في خدم الأمير... هيا اغرب عن وجهي" و اختلطت دموع الفرح و الخوف في عيني ماكيافيلي الذي هرول إلى خارج القاعة دون أن يدير للجالسين ظهره و هو يكرر دعواتٍ مضطربة للمسؤول بطول العمر و المقام الرفيع في الدنيا و الآخرة, و أغلق الباب خلفه مسرعاً خوفاً من أن يغيّر المسؤول رأيه..

بعد أن رحل ماكيافيلي نظر المساعد إلى المسؤول بفضول و سأله: "يا أبا نضال هلاّ أخبرتني لماذا لم تمنحه درجة النجاح منذ البداية؟ من الواضح أنه رجلٌ صالح لخدمة الأمير و أنه تفانى من أجل تحقيق ذلك, و لم يمر بنا رجلٌ بكفاءته قبلاً!" فنظر إليه المسؤول أبو نضال بابتسامة صفراء ترفض الإفصاح عن السر مبدئياً لكنها تطلب بعض الإلحاح الذليل في السؤال, فأعاد المساعد سؤاله: " يا أبا نضال, بحياة أبنائك نضال و جهاد و كفاح و ثورة و تحرير و نصر.. أخبرني عمّا جعلك تكاد ترفضه".. فقهقه أبو نضال عالياً و قال لرفيقه:" يا صاحبي لم أكن سوف أرفضه, لقد رأيته صالحاً و متفانياً, و لكن ربما سيرتقي في أجهزة خدم الأمير و حاشيته و قد يصبح مسؤولاً كبيراً يوماً ما.. و لذلك أفهمته أن قبوله في الخدمة مكرمةٌ مني, كي لا ينسى مهما ارتقى أن له وليّ نعمةٍ فتح له الباب... فالزمن غدّارٌ يا صديقي و يجب أن يأخذ المرء احتياطاته".

و بنظرة إعجابٍ و تأثر بذكاء أبي نضال و حكمته الفائقة.. وقف المساعد و بصوتٍ عالٍ رفع أيديه إلى السماء قائلاً: " وفّقك الله يا أبا نضالٍ و أدامك ذخراً للبلاد و أميرها" ...

..

الصورة : نيكولو ماكيافيلي (تعريف بحياته) (مصدر الصورة)

١٤‏/٠١‏/٢٠١٠

مدينة الرّقة و الأولويات..

دار الحكومة الرقة

ماذا نقول عن الذي يقتصد من طعامه كي يوفّر ثمن قميص أرماني أو بنطلون فرزاتشي؟ ألا نعتقد عندما نسمع به أنه يخطئ في ترتيب أولوياته ؟ أنه لا يوظف ماله المحدود في ما هو أولى بل يبذّره في مظاهر باذخة لا تنفعه شيئاً؟ ربما نعرف جميعنا أشخاصاً كهؤلاء.. يبخلون على الأساسيات لكنهم ينفقون بلا حساب على مظاهر و علامات الترف و المنفخة.. و حين يكونون أصدقاءً مقرّبين قد نهمس لهم ناصحين أو معاتبين, و حين لا يكون بيننا هذه العلاقة نصمت و نقول "هذا ماله فليفعل ما يشاء"..

لكن ماذا لو لم يكن ماله؟

منذ عدّة أيام شاهدتُ للمرة الأولى صوراً لقاعات و ممرات دار الحكومة (مقر محافظة الرقة) الجديدة في ساحة السيّد الرئيس عند المدخل الجنوبي للمدينة, و دار الحكومة مشروعٌ بدأ منذ سنوات عديدة و وصلت كلفة تنفيذه إلى 332 مليون ليرة سورية (المصدر), و منذ أن بدأ إنشاء هذا البناء الفخم و هو "مفخرة" محافظة الرقة, إعلامياً على الأقل, فصوره, الخارجية منها و الداخلية, تُنشر باستمرار للدلالة على الفن الهندسي الرفيع الذي تم توظيفه لبناء مقر حكومي من الطراز الرفيع في مدينة الرقة.

جيد و جميل و ممتاز... لكن لدي سؤال.. هل من المفروض عليّ كرقيّ يبغي أن يكون صالحاً أن أصفّق لإنشاء هكذا بناء؟ هل يجب أن أفخر به؟ أن ألتقط له الصور لأتباهى بها شرقاً و غرباً و شمالاً و جنوباً؟

سؤال أكثر إلحاحاً.. ما تفسير أنه على بعد عشرات الأمتار فقط من "قصر الـ 332 مليون" هناك منطقة مخالفات لا يوجد بها شارع معبّد؟

إن جاءني اليوم أحد أعداء الأصالة الهندسية الرفيعة و سألني بخبث إن كانت احتياجات الرقة الأساسية موفّرة بشكل جيد قبل الإنفاق على أبنية فخمة.. ماذا عليّ أن أجيبه؟

ليست المشكلة مشكلة بناء واحد.. إنما في بذخ أراه غير مبرر أبداً.. لقد تم توظيف 332 مليون ليرة سوريّة في إنشاء قصرٍ مبالغ بفخامته سيستخدم من قبل عدد قليل جداً من الأشخاص هم المحافظ و أعضاء مجلس المحافظة و بعض الموظفين المحظوظين.. أبناء المحافظة على الأكثر سيمشون على رصيفه الواسع و يرونه من الخارج, أو ربما سيدخله بعضهم يوماً في زيارة أو عمل.. و هذا لا يتوقف عند هذا البناء و حسب فمحافظ الرقة يتمتع بقصر للإقامة هو من أفخم المساكن المخصصة للمحافظين في سوريا, إن لم يكن الأفخم, و أزيد من الشعر بيتاً و أشير إلى إنشاء "قصر ضيافة" أيضاً لاستقبال كبار الزوار الوافدين على المحافظة (يعني أنه سيستخدم مرات معدودة كل عام) .. سؤال برئ: قصر المحافظ واسع جداً بحدائقه و ملاعبه و أبنيته, ألم يكن من الممكن تخصيص جناح في القصر, الموجود سلفاً, للزوار بدل إنشاء قصر جديد بما يعنيه ذلك من كلفة مادية عالية ؟ أيضاً لا يقف الأمر هنا بل أن هناك الكثير من الأبنية الحكومية الجديدة يتم إنشاؤها بناءً على معايير الترف و الفخامة بدل أن يكون المقياس هو كم هذا البناء عملي و ملائم للعمل الذي سيجري فيه.. لا يكون البناء جيداً فقط لأنه ملبّس بالحجر السوري الفخم, أو مبلّط بالرخام, أو أن تكون أبوابه من هذا النوع من الخشب أو ذاك.. هناك معايير أكثر أهمية من ذلك.

قصر محافظ الرقة

كلفة الأبنية المنشأة حديثاً أو التي في طور الإنشاء أو سيبدأ إنشاؤها قريباً في مدينة الرقة تتجاوز الـ 600 أو 700 مليون ليرة سورية.. في مدينةٍ صغيرة تعاني من حالة اقتصادية تعيسة جداً, تفتقر لأمور أساسية جداً في أي مدينة في العالم.. أجل من الجميل إنشاء منصفات شوارع ملبّسة بالحجارة.. لكن قبل ذلك أصلحوا الشوارع و مجاريها يا سادة! شيّدوا أبنية فخمة و جميلة.. لكن قبل ذلك أصلحوا الموجود! أصلحوا المرافق العامة من مستشفيات و مدارس و دوائر حكومية بناءً على معايير الجودة و الفاعلية و ليس بناءً على غلاء كلفة تلبيس الواجهة بالحجر الأصفر.. اهتموا بآثار المحافظة التي تئن و تتعذّب.. ألم يكن من الممكن توظيف كلفة قصر الضيافة في الإسراع بنقل المنطقة الصناعية من بين الأوابد و الآثار الرقية؟ ألم يكن من الممكن توظيفها في صيانة سور الرافقة العباسي و حمايته من مفعول الزمان و عبث العابثين؟ أيعقل أنه لو جاء سائحٌ أو باحثٌ أكاديمي ليشاهد سوراً عمره ألف عامٍ و من الممكن أن يكون من التراث الإنساني العالمي فسيجد "جداريات" مخطوطة بالدهان و البخّاخ على السور الأثري من طراز "عبد الرزاق شيخ الشباب" أو "عنودي عنودي" أو "برشلوني للموت" أو "عقارب الرقة" ؟ هل من يصعب إزالتها, أو بالأحرى منع وجودها أساساً؟, عدا عن الحدائق الجرداء المحيطة و آثار محلات الميكانيك و صيانة المركبات المحيطة بالسور.

ربما ليس بيد البلدية أو المحافظة حلّ أزمة الجفاف و توابعها الاقتصادية و الاجتماعية المؤلمة, لكن بيدهم تحسين جودة الحياة اليومية لمواطنيهم, توفير المستلزمات العامة و العناية بها و إنشاء مشاريع و آليات تفيد عامة الناس من محاولة تحسين الواقع الصحي و التعليمي و صيانة المدارس, أو حتّى تحسين البنية التحتية السياحية و محاولة جذب السياحة الثقافية و الدينية و الاستجمامية إلى المحافظة عن طريق الدعاية و التسويق.. بدل أن تكون محافظةً منسيّة حتى في داخل سوريا.. هذه الأمور و الكثير غيرها بيدهم, لا بل هي واجبهم....

و ليس حلّ غيابها بناء القصور... مهما علت و لمعت

سامحوني على بوح حرقة القلب ... و عمـــــــــــــــــــــــار يا بلد

..

الصورة الأولى: مقر محافظة الرّقة الجديد "دار الحكومة" (المصدر)

الصورة الثانية: قصر المحافظ (للأسف لم أجد صورة أوضح) (المصدر)

١٢‏/٠١‏/٢٠١٠

الموت الرحيم.. قرارٌ بين الفلسفة و الأخلاق, و العلم و الدّين

eutan

لعلّ الموت الرحيم و ما يتعلّق به من إشكاليات فلسفية و أخلاقية و دينية يشكّل أحد أكبر معضلات و جدليات الأخلاق الطبية (ربما نستطيع التنويه إلى جدليات أخرى تثير قدراً مشابهاً من الضجة مثل الإجهاض الإرادي و دراسة الخرائط الجينية لتوقّع إمكانية أمراض مستقبلية, و كنت قد تحدّثت عن هذه الأخيرة في مقال سابق), و محكومٌ على هذه الجدليات بالاستمرار إلى ما لا نهاية باعتقادي لأنه إن كان الجدل (الصدامي أحياناً) ما بين بعض المواقف العلمية و الروحانيات الإيمانية و الدينية كافياً لمدّ هذه الإشكالية بوقود أبدي فإن الأمر لا يتوقف عند ذلك فقط بل أن هناك جدلاً داخلياً أيضاً بين المواقف الإيمانية لمختلف الأديان و المعتقدات الروحية, بالإضافة إلى الجدل العلمي الناتج عن التشكيك كمنهج علمي ديناميكي.

علينا أن نشير إلى وجود الكثير التباين و الاختلاف و ربما أحياناً بعض اللغط و الخطأ عند الحديث عن مفهوم القتل الرحيم خارج الوسط الطبي و العلمي (و أحياناً داخله أيضاً) حيث يتم دمج حالات و مصطلحات ليس هناك إجماعٌ على اعتبارها من داخل القتل الرحيم كمفهوم معرّف و مصنّف داخل الأدبيات الطبية (و خصوصاً تلك المتعلقة بالأخلاق الطبية و الـ "بيو إيثيكس") و لذلك سأحاول شرح تعريف القتل الرحيم و شرح تصنيفاته باختصار للتمييز بين ما يمكن تصنيفه قتلاً رحيماً و ما لا يمكن تصنيفه كذلك, حتى لو كان مشابهاً أو قريباً أو متعلقاً.

الموت الرحيم باختصار هو مجموعة إجراءات و قرارات تتخذ لمحاولة تقليل ألم و عذاب المريض المصاب بمرض مميت في مراحله الأخيرة (و قبل أن نستمر نشير هنا إلى لغط شائع حين يقال "مرض لا شفاء منه" بدل "مرض مميت في مراحله الأخيرة".. مريض السكري مثلاً لا يشفى, و لكن قتل مريض سكري ليس قتلاً رحيماً !) و يضاف لغوياً و شعبياً و حتّى أدبياً حالة بعض المرضى المزمنين الذين يعيقهم مرضهم عن ممارسة حياة طبيعية بالحد الأدنى و لذلك يرغبون إنهاءها, هذا أشبه بالانتحار, و هو فعلاً انتحار, أو طلب مساعدة للانتحار, و لا أستطيع تصنيفه مع حالة المرضى بداء مميت في مراحله الأخيرة لأنه حالة مختلفة, لذلك سأتحدّث بدايةً عن هذه الأخيرة قبل الانتقال إلى "الانتحار الرحيم", و ليس لأنني أخترع تصنيفاً جديداً لهم و أخالف من يدرجهم في نفس التصنيفات المذكورة أدناه و إنما لسهولة شرح رأيي ليس أكثر.

أغلب الجمعيات و الجهات الأكاديمية المعنيّة بالدراسات الأخلاقية الطبية تصنّف الموت الرحيم في موت رحيم مباشر و غير مباشر, و الموت الرحيم المباشر بدوره يصنّف في موت رحيم مباشر فعّال و موت رحيم مباشر سلبي (رغم أن الكثير من الجهات الأكاديمية, مثل المنظمّة الطبية الاسبانية, ترفض تقسيم الموت الرحيم المباشر بين فعّال و سلبي), و سأحاول شرح التصنيفات المذكورة بشكل مختصر:

يمكن تعريف الموت الرحيم المباشر بأنه إجراءات تؤدي إلى تقديم ساعة الوفاة بشكل مقصود و مباشر, و تصنّف في نوعين: فعّال و سلبي. الفعّال هو التسبّب بموت هذا المريض بشكل مقصود و واضح باستخدام جرعات مميتة من بعض الأدوية مثلاً, و نقول عنه أنه فعّال لأن الطبيب "فعل شيئاً" للتسبب بالوفاة, أما السلبي فهو وقف العلاج الذي يبقي المريض "مبدئياً" على قيد الحياة, مما يسبب وفاته, أو وقف التغذية عن طريق الوريد لضحايا الموت الدماغي, و نقول عنه أنه سلبي لأن الطبيب "امتنع أو توقف عن فعل شيء" للتسبب بالوفاة

أما الموت الرحيم غير المباشر فهو التسبب في تعجيل الوفاة و لكن بدون أن يكون هذا الأمر هو المقصد المباشر, و للتوضيح نذكر مثال استخدام جرعات كبيرة و متواصلة من المورفين لمريض ببعض أنواع السرطان المميت في مرحلته النهائية فالمقصود من المورفين هو ألا يعاني هذا المريض من آلام و عذاب الساعات الأخيرة, لكن المورفين يتسبّب بانخفاض مستوى الوعي و الإدراك لدى المريض و قد يدخله في غيبوبة, كما أنه يعجّل حصول الوفاة.

كما يقول أحد الصحفيين الأسبان المشاهير: في هذه النقطة تنتهي المعلومة و يبدأ الرأي.

أبدأ من النهاية: أعتقد أن الموت الرحيم غير المباشر هو تصرّف إنساني بحت دون أن أرى أيّ حجّة أو فكرة منطقية تعارض ذلك لأننا نتحدّث عن مريض دخل مرحلة الموت بشكل واضح و تظهر جميع دلالات اقتراب وفاته, و ما يفعله هذا الموت الرحيم غير المباشر هو العمل على ألا يتعذّب هذا المريض و تتعذّب أسرته و المحيطين به في هذه الساعات الأخيرة, الفرق بينه و بين الموت بدون مسكّنات قوية ربما يكون مجرد ساعات, أو يوم أو يومين على الأكثر, و ربما لا يكون هناك فرق.. لكن المريض يموت بسلام و دون ألم, أو على الأقل دون آلام فائقة لا تطاق, و أعتقد أنه لا توجد عائلة تعترض على ذلك, بل أنني رأيت كثيراً من العائلات تطلب من الطبيب "أن يفعل شيئاً" كي لا يتعذّب قريبها في ساعاته الأخيرة, و هناك عدّة حالات عرفتها عن عائلات تطلب من الطبيب بشكل واضح أن يموت قريبها و هو نائم كي لا يشعر بشيء, و أرى أن تسمية هذا الإجراء الطبي بـ "القتل الرحيم" ليس إلا مسألة نظرية بحتة لأنه عملياً إجراء طبي متّخذ لتوفير أفضل خيار ممكن للموت دون عذاب, و كثيرٌ من الأطباء يستخدمونه دون أن يعتبروه موتاً رحيماً, و في موقف راديكالي ربما من طرفي لا أرى مانعاً في استخدامه دون الحديث مع الأسرة حتّى, ربما لكي لا يزاد على همّهم هاجس أنهم تسببوا في موت قريبهم الذي سيموت حتماً (و نقول سيموت حتماً لأن المورفين بجرعاته الشائعة طبياً لا يقتل بحد ذاته و إنما قد - و نؤكد على "قد"- يسرّع الموت قليلاً), و أعتقد أن كلّ نظام صحّي يسمح باستخدام المورفين للمرضى في المراحل النهائية يشرّع عملياً هذا النوع من القتل الرحيم النظري, حتى لو لم يسمّه كذلك بشكل صريح.

أما عندما ننتقل إلى تقييم و إبداء الرأي بالموت الرحيم المباشر فربما لا نستطيع إطلاق أحكام مطلقة على المصطلح ككل و إنما يجب التفريق بين الحالات, فكل حالة ربما تكون عالماً مستقلاً بحد ذاته, فعلى سبيل المثال في حالة المهزلة الطبية و الأخلاقية التي تسبّب بها سيلفيو برلسكوني (بالتواطؤ مع اليمين الإيطالي الفيلو-فاشي و بعض أوساط الفاتيكان) في إيطاليا منذ شهور عندما رفض بشكل شعبوي و غبي (مثل كل ما يفعل هذا الشخص ربما) أن يستطيع والد شابة وقف تغذية ابنته الميّتة دماغياً منذ أكثر من 17 عاماً كي ينتهي موتها الذي بدأ فعلاً عندما ماتت دماغياً. هذه المسكينة كانت "حيّة" لأنها تتنفس فقط, لا تشعر بشيء و لا يوجد أي أمل بأن تشفى لأن دماغها ميّت! و أعتقد أن منع والدها من إيقاف تغذيتها وريدياً (أو بالأحرى محاولة منعه لأنه بالنهاية استطاع تنفيذ ما أراد عندما نقل ابنته إلى مشفى خاص, لكن برلسكوني سنّ قانوناً جديداً سيمنع هذا الحل عند تكرّر هذه المسألة مستقبلاً) كان جريمة أخلاقية بحق هذا الأب المسكين. نعم هو موت رحيم مباشر لأنه لو استمرت التغذية الوريدية لربما استمرت المريضة بالتنفّس لسنين طويلة, لكن أليست ميّتة فعلاً حتى لو تنفّست؟ لماذا لا يفكرون بهذا الأب الذي رُبط بغرفة ابنته مدّة 17 عاماً و يريد أن ينهي عذابه و يترك ابنته تموت بسلامٍ كي يدفنها و يبدأ حياته من جديد؟ لا! هذا موت رحيم و أخلاقنا تمنع ذلك... أتمنى لو أنكم تتذكرون "أخلاقكم" في ساحات أخرى (فشة خلق ببرلسكوني و أمثاله, أرجو أن تسامحونا عليها).

كيف نستطيع التمييز بين حالات "مبررة" للموت الرحيم و أخرى "غير مبررة"..

هذا هو السؤال المحوري المعقّد و الصعب جداً.. و ربما لا يوجد جواب نهائي للجميع بل يوجد (أو يجب أن يوجد) سلّم مسؤوليات واضح يحدّد أي رأي من الآراء هو صاحب الحق بأن يتحوّل إلى قرار... و أعتقد أن القرار يجب أن يعود بدايةً و قبل أي شخصٍ آخر إلى رغبة المريض الحرّة المسؤولة المعبّر عنها بعد فهم و وعي كاملين للحالة المرضية و ما يمكن أن ينتج عنها, و أشرت إلى رغبة المريض حصراً دون عائلته لأن هكذا قرار يجب أن يتّخذه صاحب الشأن فقط و ليس عائلته, فبدايةً هذا القرار صعب جداً لابن أو أم أو زوج.. بل أنه شبه مستحيل و ربما ينتج عنه بعد ذلك ندم و شعور بالذنب في هذا الفرد قد يعذّبه سنوات طويلة, أو مدى الحياة. من السهل أن تقرر عن نفسك لأن هذه حياتك و عندك معتقد و ثوابت واضحة بالنسبة لك, لكن من الصعب جداً أن تقرر عن شخصٍ آخر مهما كان قريباً, بل أنه قربه مشكلة إضافية!

لو تقرر تشريع الموت الرحيم للمصابين بأمراض مميتة في مراحلها الأخيرة, و هذا ما أعتقد أنه يجب أن يحدث دون إبطاء في جميع دول العالم, لكنت مع الرأي القائل بوجوب إخبار المريض بحالته و نتائجها و كيفية تطوّرها بعد موافقة لجنة طبية مختصة بذلك, و أن يتم التأكد من أنه فهم بشكل أكثر من ممتاز ما شُرح له بحيادية و موضوعية علمية فائقة من قبل أكثر من 3 أطباء مختلفين, و إن أراد هو أن يختصر على نفسه المرحلة الأخيرة من المرض و عذابها و آلامها و تأكد من رغبته تلك فأنا مع مساعدته في هذا الاختصار, و إن لم يرد أو تجاهل الموضوع فيجب أن يمشي العلاج حتى النهاية. هذا رأي شخصي مبني على قناعة ذاتية و لا يمكن اعتباره معلومة اختصاصية.. أنا مع رغبة المريض و مع سلطته على نفسه.. هو من سيموت و هو من سيتحمّل الآلام, لذلك هو يقرّر. و أرى مشكلة كبيرة في أن يُترك القرار و التشريع لمن لا علاقة له لا بالوسط الطبي و ليس لديه أي احتكاك أو علاقة بالمرضى خارج نفسه و أسرته, هذا تشريع ناقص أيّاً تكن مواده, و لا يكفي أن "يؤخذ" رأي الوسط الطبي فقط بل يجب أن يكون القرار للوسط الطبي فهو الأقدر على تقييم هذه الأمور, بالطبع للقناعة الدينية دورها, لكن المريض عند تقريره لما سيحدث معه سيأخذ هذا العامل بعين الاعتبار, و ربما ستكون القناعة الدينية هي السبب الوحيد و الكافي له لرفض حلول بديلة, و هو حرّ في ذلك, كما أنه من حقّ كل طبيبٍ ألا يمارس شيئاً ضد قناعته و أن يحيل المريض إلى طبيبٍ آخر.. لكن أن يأتي رجل قانون أو رجل دين لا علاقة لهما بالوسط الطبي و يقررا عن الجميع فهذا خطأ, أو ما يحدث في بعض الدول حيث تحتاج بعض العمليات و الإجراءات الطبية الاعتيادية (نتحدث عن علاجات و ليس عم موت رحيم) إلى موافقة المرجعية الدينية للمريض.. لماذا يجب أن يوافق, أو يرفض, شيخ أو كاهن أو حاخام أو أيّاً يكن ما سيحدث لمريض قد لا يعرفونه شخصياً حتّى؟ هذا غير منطقي! المسائل الطبية معقدة و صعبة و لا يمكن وضعها بيد من لا يفهم فيها و من يمكن أن يطلق أحكاماً سطحية, ربما بحسن نيّة, لكنها تبقى سطحية إن لم يكن هناك معرفة و إطلاع قريب و شامل.

أرجو ألا يفهم أحدٌ أنني أهاجم النظرة الدينية للموضوع بقولي السابق, أنا مع احترام معتقدات و مواقف و قرارات المريض, الدينية و غير الدينية, إلى حد التقديس, كما أنني مع حقّ الطبيب بألا يفعل شيئاً يخالف قناعته, دينيةً كانت أم غير ذلك, فقط أعترض على منح سلطة إيديولوجية أو عقائدية, أي سلطة كانت, حقّ التشريع على الجميع بما يلاءم معتقداتها و مواقفها. و موقفي هذا لا ينحصر في هذه المسألة بل يمكن إسقاطه على جميع جوانب الحياة.

الموضوع بعيدٌ جداً عن أن ينتهي فهناك الكثير من النقاط التي يجب الحديث عنها و أيضاً بعض الحالات العملية و الأحداث التي ربما يساعد شرحها على بناء وجهة نظر و رأي تجاه الموضوع, لذلك سأكتفي في هذه المقالة بما كتبته عن حالة المصابين بأمراض مميتة في مراحلها الأخيرة و نكمل في مواضيع لاحقة بعد نشر هذا الموضوع و النقاش فيه لمن يرغب ( و بالتأكيد أرحّب بكل الآراء و الاستفسارات و النقاشات, ففيها فائدة للجميع).

..

مصدر الصورة

١١‏/٠١‏/٢٠١٠

شظايا .. X (عن الأوطان)

humanity1

الشهادة فكرة سامية و قديمة تقوم على مبدأ الفداء.. هي تضحية بالحياة في سبيل الحياة. يموت الشهيد كي يعيش أقرانه بالوطن و لأجل الوطن.. و لذلك إن اعتقدنا أن الوطن يعيش فقط بموت أبنائه من أجله فسنضيع بين الحياة و الموت, و ستكون الأوطان مجرد غرف إنعاش.. أو مكاتب دفن موتى.

نمجّد ذكرى من مات من أجل الوطن بأن نحيا.. لأجل الوطن و لأجله و لأجلنا...

...

إن اختصار الوطن بالبندقية تناقضٌ يُشبّه بكتابة قصيدة بممحاة..

...

مسكينٌ من يريد وطنه جزيرةً بعيدة.. لأنه قد يحكم على نفسه بالغرق في بحر الكراهية

...

بين الوطنية و التعصّب بينٌ كالذي بين العشق و القتل..

...

هل تقدّس علم وطنك؟ إذن اتركه عالياً و مرفرفاً في السماء و لا تنزله لتجعل منه خرقةً تحاول أن تمسح بها كل "الأوساخ" التي تلتقي بها..

...

لا أؤمن بالأوطان التي تحيطها الجدران.. حتى لو كان حرس حدودها من النسّاك القدّيسين, أو من أرق شعراء الغزل..

...

لا يمكن أن يتناقض الوطن مع أي فكرة سامية ., و هو جزء من الإنسانية.. جزءٌ لا يخالف الكلّ و لا يبرر انتهاكه إلا في الأذهان الخاطئة لأبناءٍ متعصّبين.

...

هل سمعتَ يوماً بأمّ ترى في ضرب ابنها لشقيقه دليلاً على أنه يحبها؟ إذن لماذا تضرب باسم الوطنية؟

...

دمتم لأوطانكم و دامت أوطانكم لكم...

مصدر الصورة