2015/05/13

ست ملاحظات حول تسريب الأورينت

بعد «حرب العلم» إثر المؤتمر الصحفي الذي جمع خالد خوجة، رئيس الائتلاف الوطني، ولؤي حسين، رئيس تيار بناء الدولة، أتى التسجيل الذي بثّه تلفزيون الأورينت لحوار لؤي حسين ونائبته منى غانم مع أحد صحفيي المحطة في جنيف، بعد لقاء دي ميستورا ضمن الجولة التشاورية الحالية، ليشغل الرأي العام المعارض بسجال حامي الوطيس، سجالٌ ليس الأول في سياق السنوات الأربع الأخيرة، ولن يكون الأخير قطعاً، لا سيما وأن الأشهر المقبلة ستحمل تحركات سياسية كثيرة بين الكيانات السياسية المُعارضة، وضمن المجتمع الدولي أيضاً.

أدان تنويهُ رسمي نشرته صفحة تيار بناء الدولة على الفيسبوك سلوك تلفزيون الأورينت ببثه مقاطعاً مجتزأة من حوار لؤي حسين ومنى غانم مع الصحفي. ويحيل التنويه إلى التسجيل الكامل للحوار دون اقتطاعات أو اجتزاءات، طالباً من الرأي العام أن يحكم بنفسه. كما أشار التنويه إلى أن تيار بناء الدولة سيقاضي القناة والصحفي وفقاً للقوانين السارية في البلد الذي جرى فيه التسجيل.

على اعتبار أن التيار قد أحال إلى التسجيل الكامل، وبما أن أعضاءً نافذين في التيار قد قاموا بنشر التسجيل الكامل على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، طالبين من الجميع أن يحكموا بأنفسهم دون الوقوع في شباك تلاعب تلفزيون الأورينت، فيما يلي بعض الملاحظات الشخصية على مضمون التسجيل، وعلى ملابساته:

أولاً: صحيحٌ أنه لا يجوز لصحفي أن يقوم بتسجيل حوارٍ مع شخص دون إذنه الواضح وموافقته الكاملة على ذلك. هذا يخالف الأعراف المكتوبة لمدارس الصحافة المكرّسة، ويخالف أيضاً قوانين النشر في غالبية دول العالم. لكن ماذا عن الممارسة الفعلية؟ سأتحدث هنا عن سوابق حصلت في السياق الذي أعرفه، أي الصحافة الإسبانية: يُصطلح على أن هذا العرف المهني مقدس طالما أن ما هو مسجّل لا يفضح جريمة أو يرفع الستار عن قضية فساد. في حال تمكن صحفيٌ ما من الحصول على تسجيلات غير مُوافق عليها، أكان قد سجّلها بنفسه أو حصل عليها من مصدر أولي آخر، وحوت هذه التسجيلات ما يمكن أن يُشكّل إدانة لسياسي أو لشخصية عامة بشأن جنائي، أو ما يكفي لفتح ملف قضائي ضده، فإن وسيلته الإعلامية تقوم بخرق العرف المهني وتنشر مضمون التسجيلات، ثم توافق على مثولها إلى جانب الصحفي أمام المحكمة إن حصلت، أكان بسبب ادّعاء المتضرر من نشر مضمون التسجيل، أو بسبب تحرّك المُدعي العام ضد الصحفي (عادة ما يتحرّك المدّعي العام هنا من أجل استدعاء الصحفي كشاهد لتفصيل ملابسات حصوله على التسجيلات، ومن حق الصحفي أن يرفض التصريح عن مصادره، وهو حق مضمون في أغلب دساتير الدولة الديمقراطية). لم يحدث في اسبانيا، على حد علمي، أن خسر صحفيٌ قضية من هذا النوع، وأعني تحديداً نشر تسريبات أدت لفتح قضية جنائية ضد سياسي، حيث أن المرجعية القضائية تعتبر أن حق الرأي العام في الحصول على المعلومة هنا أرفع شأناً من خرق القوانين الناظمة للعمل الصحفي.

في هذه الحالة، وبغض النظر عن الانطباع السلبي الذي يمكن أن تتركه تصريحات لؤي حسين ومنى غانم، فإنهما لم يقترفا جناية وفق أي قانون. لكن أيضاً يمكن أن يُفتح سجال هنا حول أن وضعنا في سوريا لا يشبه وضع أي دولة أخرى، والوضع السياسي لا يسمح بالترفع عن هذا النوع من العمل الصحفي. هذا السجال سيبقى مفتوحاً، ومن الصعب أن يُحسم بأي شكل كان.

ثانياً: بعد ترك أحقية النشر من عدمه جانباً، من الكياسة لو أن الأورينت قامت بنشر التسريب كاملاً منذ البداية. كما كان عليها، حسب الأصول الصحفية، أن تتواصل مع لؤي حسين ومنى غانم وتخطرهما بعزمها على نشر التسريب، وأن تُفسح لهما المجال للتعقيب. كما من حق لؤي حسي ومنى غانم حينها رفض التعقيب، ومن واجب الأورينت هنا الإشارة إلى أنها تواصلت مع المعنيين ورفضوا التعقيب أو التعليق. لم تتصرّف الأورينت بهذا الشكل، كما لم تنشر التسريب كاملاً منذ البداية. قد يُقال هنا أنها لم تنشره كاملاً لضيق الوقت، أو أنها اختارت مقاطعاً دون أن يختل المعنى، ولقلة أهمية ما اهملته. هذه جحّة واهية، لكنها قد تكون مقبولة.

لكن خطيئة الاورينت، بل فعلها اللا أخلاقي، لم يكن بعدم نشرها كامل التسريب، بل في تلاعبها بمضمونه في موضع واحد على الأقل: هناك بضعة كلمات مقتطعة تقنياً من حديث لؤي حسين قبل مقارنته للثورة بأحذية ضباط مخابرات بشار الأسد. لؤي حسين كان يتحدث عن أن «أحذية ضباط مخابرات بشار الأسد» أشرف من الثورة إن كانت الثورة تعني التهديد بالذبح والقتل وغيرها من التهويلات اللفظية، وقد تم اقتطاع الجملة الشرطية لتبقى وكأن الحديث هو عن الثورة بالمطلق. رأيي أن تعليق لؤي حسين، باستخدامه المقارنة مع حذاء ضابط مخابرات، مشين بما فيه الكفاية، لكن الأكثر شناعة هو التزوير.

ثالثاً: للمجالس أسرارها، ولا يمكن لحديث في الحيّز الخاص أن يُحاسب كما لو كان تصريحاً عاماً. قرأت العديد من التعليقات القائلة بأن الكثير من السياسيين الجذريين بمعارضتهم، أو النشطاء الذين لا غبار على انحيازهم الكامل للثورة، يمكن أن يتحدثوا في مجالسهم الخاصة بهكذا طريقة شنيعة، أو ربما أشنع حتى. هذا صحيح. لذلك، وبمحاولة للحكم على الكلام «السياسي» -وقد أصبح مضمون التسجيل سياسياً منذ اللحظة التي أحال إليه تصريح رسمي من تيار الدولة-، لن أتطرق لأسلوب الحديث والألفاظ. لكن يجدر القول أنه من المستغرب من أشخاص مثل لؤي حسين ومنى غانم أن يعتبروا الحديث مع صحفي لا يعرفون عنه إلا أنه يعمل لصالح جهة إعلامية لا يحترمونها، هو حديث شخصي وخاص، ومن الممكن لهما البوح فيه بما لا يُباح إلا أمام الأصدقاء.

رابعاً: يقول التنويه الرسمي لتيار بناء الدولة أن «الحديث كان ينتقد سياسة تلك القناة الإعلامية التي تحاول الترويج لـ "ثورة" تختلف جذرياً عن ثورة الحرية والكرامة التي قام بها أبناء الشعب السوري». لا يبدو هذا الكلام مقنعاً. صحيحٌ أن جلّ الغل والمعاني السلبية أتت وكأنها موجّهة ضد غسان عبّود، مالك قناة الأورينت، لكن يبدو، عند سماع كامل الحديث، أن ثورة «العلم الأخضر» هي كلها ثورة غسان عبود بالنسبة للؤي حسين ومنى غانم. المقطع الذي يقول فيه لؤي حسين أنه يكره الثورة لم يكن في سياق الحديث عن غسان عبود، بل كان خلال حديثه عن السجال حول مكان علم الثورة في منصة المؤتمر الصحفي المشترك مع خالد خوجة.

يتسق هذا التصوّر مع قول لؤي حسين، غاضباً، أنه هو الثورة، وليس «الصيع». ما هي «ثورة الحرية والكرامة» التي يتحدث عنها تيار بناء الدولة الآن؟ هذا سؤال مشروع سياسياً، وجوابه واجب لمصلحة موقف أنصاره، لا لإقناع أعدائه.

على كل حال، لا أعتقد أن كره لؤي حسين للثورة هو الحدث السياسي الهام بحد ذاته. يصدق الرجل حين يقول أنه لم يدّع يوماً أنه من الثورة. كتاباته ومواقف تياره الرسمية تُشير إلى ذلك بوضوح. لا نكتشف جديداً هنا، لا بل يُفضّل لو أن هذا الكلام كان أكثر وضوحاً على المستوى السياسي لعموم الجمهور. تيار بناء الدولة عرض نفسه دوماً كخط سياسي مُعارض للنظام ومُغاير لخط الثورة، وكان يتخذ من وجوده العلني في دمشق حجة ضد «معارضة الخارج» (سيُشار إلى هذه النقطة أدناه). المُتغير الآن هو إعلانه أنه لم يعد قادراً، أو لم يعد يرغب، بالبقاء في دمشق، ورفع سقف لغته ضد النظام كثيراً في الأسابيع الأخيرة. لكن هذا لا يعني أنه قد «اقتنع» بجذرية الثورة ضد النظام، بل أنه أعاد تموضع موقفه من النظام انطلاقاً من موقعه الأساسي كـ «معارضة سياسية» متمايزة عن «المعارضة السياسية» المتماهية مع الثورة والساعية لتمثيلها سياسياً. هذه النقطة مهمة للغاية لفهم موقع التيار على الخريطة السياسية. لا أهمية هنا لعدد أعضائه (ما عدد أعضاء أي حزب أو كتلة أو تجمع داخل الائتلاف؟ وما أهمية أعداد أعضائها بالمقارنة مع علاقاتها فيما يخص تقييم نفوذها؟) بل كيف يتلاقى خطاب التيار مع المزاج الدولي. لتيار بناء الدولة شبكة علاقات دولية واسعة، أكان مع قوى وشخصيات سياسية أوروبية وهيئات إعلامية كبرى، أو مع منظمات مجتمع مدني أوروبية ودولية.

المنطق في فهم موقع تيار بناء الدولة لتحديد موقف سياسي منه ومن التعامل معه سياسياً (وأتحدث هنا عن مجال عمل عام، لا عن آراء شخصية، ولا عن محاكمات نوايا) شديد الأهمية. السجال حول صواب أو خطأ توجّه قيادة الائتلاف نحو تلقّف الدعوة للحوار التي وجهها لؤي حسين حين خروجه من سوريا، والبحث معه عن نقاط التقاء حول الموقف من ضرورة رحيل النظام حسب خطاب تيار بناء الدولة الجديد هو سجال مشروع. من حق الموافق أن يوافق والرافض أن يرفض، ومن حق أصحاب الرأي أن يحللوا أسباب وخلفيات تغيّر سلوك تيار بناء الدولة الآن بالذات ضمن السجال السياسي. التفكير حول رأي محكم بالموضوع كان أهم، برأيي، من تركّز الضجيج حول «معركة العلم»، دون أن يعني ذلك قلة عناية بأهمية المسألة الرمزية في الخطاب السياسي.

خامساً: أتوقف هنا عند نقطة كانت سبباً لسجالٍ حامٍ حين اعتُقل لؤي حسين قبل عدة أشهر. في سياق ذمّه للتوجّه الطغياني لـ «ثورة غسان عبود»، أشار لؤي حسين إلى أنه كان يتصرف في دمشق كمعارضة، ولم يفعل النظام ضدّه إلا اعتقاله «بأدب» مرتين، وأنه لم يُشتم حتى أثناء اعتقاله من قبل النظام. تدخلت منى غانم بعد استنكار الصحفي لتقول أن حسين هنا يتحدث عن «تجربته الشخصية» وأنه «لا يدافع عن النظام».

حين اعتُقل لؤي حسين، حصل سجال كبير في شبكات التواصل الاجتماعي، فالكثير من رافضي سلوك التيار الذي يرأسه، والمعتقدين بأن خطابه يخدم النظام، أطلقوا تعبيرات تراوحت بين الشماتة والسخرية، وردّ المدافعون عن لؤي حسين بأنه قد تحدّى النظام في عقر داره، وأنه لهذا السبب أفضل من أولئك الذين فضّلوا الهروب إلى الخارج.

لن أدخل هنا في محاكمات نوايا أو توقع خبايا من أي نوع. ليس ذنب لؤي حسين أنه لم يُعتقل بعنف، أو أنه لم يمكث في ظروف سجن أسوأ، أو أنه -لا سمح الله- قد صُفّي أو قضى تحت التعذيب. لكن على لؤي حسين، وتيار بناء الدولة إجمالاً، مسؤولية سياسية جراء خطاب المزاودة بالوجود في دمشق. لقد كان لهذا الخطاب معاني مهينة ومُزاودة وغير نزيهة ليس فقط بحق الذين اضطروا لترك سوريا بسبب وجود خطورة مباشرة على سلامتهم (أي نفس السبب الذي أخرج لؤي حسين من سوريا الآن، حسب تصريحه لصحيفة الشرق الأوسط)، بل أيضاً بحق الذين يقبعون في السجون منذ عدة سنوات، أو بحق الذين لاقوا مصيراً أسوأ بكثير. أكرر أنه لا ذنب للؤي حسين في أن النظام لم يشتمه حين اعتُقل، لكنه حين يتحدث عن خبرته الشخصية وكأنها فضيلة للنظام فإنه يهين الآلاف من الضحايا تحت التعذيب. وكأن النظام عاملة جيداً لأنه كان «وطنياً»، في حين أنه بطش بالآخرين لأنهم لم يكونوا كذلك. في هذا الكلام اعتراف للنظام بصلاحية ومرجعية لا يستحقها.

سادساً: نجد في ختام التسجيل منطقاً في الكلام لدى لؤي حسين ومنى غانم يستحق الوقوف عنده. يبدأ الحديث عن انتهاء الثورة وسرقتها من قبل «اللصوص والسفلة والمجرمين» وغيرها من التعبيرات. ليس هذا هو المهم، بل ما يأتي بعده، حين يسأل الصحفي «بعيداً عن النظام والثورة، ماذا عن الناس الذين استشهدوا؟» تردّ منى غانم وكأن مسألة الشهداء يجب أن تبقى عائمة، أو بالأحرى يجب أن تتبخر: «باسل الأسد شهيد، والعسكري شهيد، والذي تدهسه سيارة شهيدة، والذي يموت “فطيس” شهيد. كل واحد يسمّي الشهداء حسب مزاجه» لتردف «هو قرر يقاتل ويستشهد».

سؤال الصحفي كان واضحاً «بعيداً عن النظام والثورة»، وبالتالي لم يكن الحديث عن المقاتلين في مختلف الفصائل المقاتلة على الأرض فقط. لكن لنفترض فهم السؤال وكأنه تخصيص للمقاتلين. صحيحٌ أن المقاتل حين يدخل معركة يجب عليه أن يتوقع أنه قد يموت، لكن يغيب هنا أي اعتبار لأولئك الذين قاتلوا دفاعاً عن أنفسهم وقراهم وأهاليهم، وهم ليسوا قلة. تنميط المقاتل بأنه منضوٍ إرادي وفاعل وإيجابي بالتعريف ضمن مشروع عسكري ليس سلوكاً نزيهاً في التحليل. هؤلاء موجودون بالطبع، وعددهم أكبر اليوم، لكنهم ليسوا كل الواقع، بل أنهم لم يكونوا كتلة وازنة وغالبة في الواقع إلا مؤخراً. هل يُعقل أن يُقارن المقاتل الذي رفع السلاح ضد ماكينة قتل ساحقة أتت ضد وجوده ووجود ذويه، بمن مات في حادث سيارة، أو بمن مات «فطيس»، أو، بما هو أشنع الشناعة، بباسل الأسد؟؟

أما جواب لؤي حسين «ليأت الشهيد ليطالبني بحقه، أنت لا علاقة لك»، فلا وضوح فيه يكفي لفهمه بشكل كامل. إما أنه يعتبر أن القناة التي يمثلها الصحفي غير مخوّلة بالحديث عن الشهداء، وهذا شأنه ورأيه؛ أو أنه يرفض حقاً عاماً لقضية القتلى أثناء مقاومة النظام، ويعتبرها مسألة خاصة بالشخص المعني فقط، وانتهت بوفاته.

لا شك أن هذا التسريب هو مأزق سياسي لتيار بناء الدولة، ويأتي في لحظة يحاول فيها بلورة موقف جديد، في مكان جغرافي وسياسي مغاير لما سار عليه منذ تأسيسه. لكنه مأزق أكبر للائتلاف الوطني، ولخالد خوجة شخصياً، فالائتلاف يظهر الآن وكأنه خُدع من قبل لؤي حسين، واضطر للمساومة على الرمز الثوري الأقدس من أجله (وهنا لا ينفع اعتذار خالد خوجة عن الواقعة في مؤتمر صحفي، لأن المحرك الأساسي للاستهجان بخصوص العلم لم يكن -باعتقادي- العلم بحد ذاته، بل رفض التعامل مع شخصية مكروهة في الأوساط الثورية الجذرية مثل لؤي حسين). وهذا ما سيحدّ من إمكانية التحرك السياسي لملاقاة قوى سياسية أخرى من «معارضة الداخل» قد تفكر باتخاذ نفس الخطوات التي اتخذها تيار بناء الدولة إن رأت أن الدفع الإقليمي والدولي باتجاه الخوض في احتمالات حلول سياسية للمسألة السورية قد ازداد، بل ربما يُعطّل هذه الإمكانات تماماً، مؤقتاً على الأقل.


2015/05/11

علاء الدين الأيوبي.. رحيل إمام النادمين

علاء الدين الأيوبي
أوائل التسعينات، حين كانت الرقة لا تزال مدينة فراتيّة صغيرة وشبه منسيّة، عصفت جريمة كبرى - بمعايير الرقة في ذلك الوقت - بالهدوء العام، وأصبحت حديث الناس طوال أسابيعٍ، إذ سطا شخصان على فرع البنك الصناعي وسط المدينة ليلاً، وقتلا حارسه، ثم قتل أحد اللصوص زميله بعد إتمام السرقة. لم يذهب المجرم بعيداً بعدها، فقد أُلقي القبض عليه بعد ساعاتٍ قليلة.

توالدت الشائعات والثرثرات في مدينة غير معتادة على أحداث أمنية أبعد من المشاجرات أو بعض السرقات الصغيرة، وكثرت التكهنات والتحليلات عن مصير المجرم، وحول تبعات نوع الحكم الذي سيناله، وعن ردود أفعال أقارب المتورطين في الجريمة وضحيتها. إحدى الشائعات التي راجت في الأسابيع التالية هي أن المجرم سيظهر في "الشرطة في خدمة الشعب" على شاشة القناة الأولى في التلفزيون السوري.

سرت تلك الشائعة على النسق الذي كانت تسري فيه كل الأخبار الآتية من دمشق، مثل موعد إعلان نتائج امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية، أو تعيينات المحافظين أو مسؤولي الدوائر الحكومية: فلان لديه صديق يعمل في وزارة ما وأخبره أن حلقة جريمة المصرف الصناعي في الرقة ستُعرض الثلاثاء المُقبل، أو شقيق زوجة فلان آخر مقيم في دمشق وله صديق يعمل في التلفزيون أكد له أن الحلقة قد سُجلت قبل أسبوع.. الخ.

اهتم أهل الرقة بمتابعة البرنامج لمشاهدة تفاصيل الجريمة التي حصلت في مدينتهم، أو ببساطة لمشاهدة أي شيء له علاقة بالرقة في التلفزيون، وهو أمر كان نادراً جداً في تلك الأيام. لم تُعرض الجريمة في الثلاثاء الأول، ولا في الثاني، ولا في الثالث، وتراجع بعدها الاهتمام والانتظار. لا أذكر حقيقةً إن كانت حلقة ما عن "جريمة العصر" في الرقة قد عُرضت أصلاً بعدها، لكن برنامج "الشرطة في خدمة الشعب"، نال جماهيرية طوعيّة في المدينة لمدة أسبوعين أو ثلاث. أقول "طوعية" لأن البرنامج، كما كل برامج التلفزيون السوري في قناتيه، كان الخيار المتاح الوحيد في تلك الأيام السابقة على انتشار الأطباق اللاقطة للقنوات الفضائية.

لم تكن الفكرة العامة لبرنامج "الشرطة في خدمة الشعب" اختراعاً سورياً، فمن الشائع في طول العالم وعرضه، وجود برامج تلفزيونية تعرض عمل أجهزة الشرطة أو أجهزة أمنية أخرى، وبعض هذه البرامج هوليوودي الصيغة والإخراج. لم يكن البرنامج كذلك، بل كان باهتاً ورمادياً ومملاً بطريقة تبدو مقصودة، بل ومشغول عليها بتمعّن. كان برنامجاً بعثيّ اللغة والإخراج، وشخصية علاء الدين الأيوبي، مقدم ومدير البرنامج، والذي أعلنت وكالة سانا وفاته الأربعاء الماضي إثر أزمة قلبية، كانت التفصيل الأكثر بعثيّة فيها: مظهره وطريقة لباسه، لغته الخشبية، مصطلحاته البائتة، طريقة أدائه.. وهذه تفاصيل مشتركة بين غالب كوادر التلفزيون السوري. لكن ثمة تفصيل امتاز به الأيوبي عن غيره جعل له شعبية ساخرة عاشت بعد انقطاع الناس عن متابعة التلفزيون السوري لسنوات طويلة. فقد كان، عدا كونه مذيعاً نمطياً للتلفزيون السوري في زمن حافظ الأسد، يجمع كل تفاصيل الصورة النمطية - والكاريكاتورية بما يكفي لاستخدامها في مسلسلات التلفزيون السوري ذاته بشكل ساخر- لضابط الشرطة أو الأمن الجنائي السوري.

كانت شارة البرنامج تصدح بموسيقى عسكرية مُعلّبة، لتخبرنا الشاشة أن البرنامج هو ثمرة تعاون بين إدارة التوجيه المعنوي في وزارة الداخلية والتلفزيون العربي السوري. بعد الشارة، يظهر علاء الدين الأيوبي مُعاقباً الجمهور بخطاب ممل، مُكوّن من جمل مُتكلسة يُعاد تركيبها وصفّها في كل حلقة، عن حتمية وقوع قبضة العدالة على رؤوس المجرمين، وعن كفاءة وتفاني "العيون الساهرة على أمن الوطن والمواطن" في مكافحة الجريمة. لينتقل بعضها لتقديم ما سيُعرض: عصابة سلب، تاجر مخدرات، مُغتصب، قاتل بقصد السرقة.. الخ.

متن الحلقة، وفقرتها الأكثر كوميدية، لقاء مع المجرم أو المجرمين. هنا يتحول علاء الدين الأيوبي من مقدم تلفزيوني ممل ومتخشب إلى ضابط تحقيق شرس، من دون أن يتخلى عن دوره ولغته التلفزيونية- سوريّة في أداء الأسئلة. يتصرّف المُستجوَبون أمام الكاميرا وكأنهم فعلاً في تحقيق، لكنه تحقيق مُدجّن، وانعدام الاهتمام بإخفاء تدجينه مضحك فعلاً.

المجرم صافي التفكير دوماً، يعرض سير الأحداث بترتيب ووضوح، وكثيراً ما يستخدم نفس عبارات ومصطلحات الشرطة أو الموظفين الرسميين. في إحدى الحلقات الموجودة على موقع وزارة الداخلية السورية، يقول عضو عصابة سرقة سيارات أن زعيم العصابة كان يجمعهم كل صباح كي يعطيهم التعليمات قبل أن يقول لهم، حرفياً، "هيا بنا إلى السلب".

إحدى العبارات الخالدة في قاموس الأيوبي، كانت إصراره على سؤال السارقين إن كانوا قد صرفوا ما جنوه من بيع مسروقاتهم على "ملزّاتهم الشخصية". هنا مفارقة طريفة، فالأيوبي لافظ جيد للغة العربية، وقادر على إخراج الأحرف اللثوية بسلامة، لكن "الذال" كانت تصبح "زاياً" في السؤال من دون التخلي عن التعبيرات والمصطلحات والجمل بالفصحى حتى لو تكلّم بالعاميّة. هذه الطريقة في الكلام مألوفة لدى الموظفين العامين، وخصوصاً الشرطة، واستُخدمت بكثرة في المسلسلات الكوميدية، مثل شخصية "المختار" التي أداها زهير رمضان في مسلسل "ضيعة ضايعة" الشهير.

على أن أكثر اجتهادات الأيوبي خلوداً في ذاكرة السوريين، هو سؤاله المعتاد، آخر كل لقاء مع المجرم أو عصابة المجرمين إن كانوا قد ندموا على "ما اقترفتهم أياديهم الآثمة من إجرام". في غير حالة، وحين كان المجرم صغيراً، كان الأيوبي يضيف "يا ابني" على هذا السؤال بالتحديد.

ضابط التحقيق الحديدي يترك هنا نافذة صغيرة مفتوحة للإنسان في داخله كي يلتقي مع الإنسان داخل المواطن المُجرم، ليتعانقا على حبّ الوطن والندم على إقلاق راحة المواطنين. هنا، ينتحب المواطن المجرم باكياً، أو يُبدي من الخجل والحزن ما يُرادف البكاء إن عجز عنه، ويقول له "ندمان!". كثيراً ما كان تعبير الندم يأخذ صيغة "والله ندمان يا سيدي!"، وكأن المجرم يتحدث مع ضابط. هذا التعبير هو أكثر ما يمكن أن يتذكره أي سوري إن قيل اسم علاء الدين الأيوبي أمامه.

تنتهي الحلقة أيضاً بخلاصات الأيوبي واستنتاجاته، وتأكيداته الواثقة بأن يد الجريمة قصيرة أمام حزم قوى الأمن الداخلي وعدم تساهلها في كل ما له علاقة باستتباب الأمن والأمان، وتأتي هذه الخلاصات بعد لقاء مع أحد الضباط المشرفين على إلقاء القبض على المجرمين. حديث الأيوبي والضابط هو دردشة بين "زملاء"، لا سيما إن كان الضابط من رتبة عقيد أو عميد، أي قائداً للشرطة في إحدى المحافظات أو أحد معاونيه، أو أحد رؤساء أفرع الأمن الجنائي. أما إذا كان الضابط أقل رتبة، كأن يكون مدير مخفر مثلاً، فعليه أن يشير في سرده للوقائع أن العملية جرت تحت إشراف وتوجيهات العميد فلان قائد شرطة المحافظة، أو العقيد فلان مدير المنطقة.. لقد كان علاء الدين الأيوبي شديد العناية بأن تُذكر أسماء "زملائه" باحترام وتقدير.

كان برنامج "الشرطة في خدمة الشعب" جوهرة تاج نتاج علاء الدين الأيوبي التلفزيوني، لكنه لم يكن الوحيد، فقد كان يقدّم أيضاً بعض نشرات الأخبار الاستثنائية، أو تغطيات الاحتفاليات بإحدى المناسبات "الوطنية"، مثل مسيرات التأييد، أو أداء حافظ الأسد وابنه لصلاة العيد. الكاميرا المفتوحة على المسيرة أو على "القائد الخالد" أو "الرئيس الشاب" قد تمتد طويلاً، وكان لعلاء الدين الأيوبي موهبة فظيعة في اجترار عبارات مطوّلة من أدبيات "البعث" بصوته الذي يكاد يحرر الجولان واسكندرون وفلسطين وإقليم أوغادين لمرافقة المشاهد المصوّرة وملء وقتها.

في الحقيقة، لا فكرة لدي إن كان عرض "الشرطة في خدمة الشعب" قد توقف في التلفزيون السوري. لكن اندلاع الثورة السورية كانت شباباً جديداً لعلاء الدين الأيوبي، فقد عُيّن مديراً لقناة "نور الشام" الدينية، التي افتتحت بأمر من بشار الأسد بعد اجتماعه بمجموعة من المشايخ في سياق استقباله "الفعاليات الشعبية" العام 2011؛ وظهر في برامج عديدة على التلفزيون السوري لتتبع ودحض "التضليل الإعلامي" لحقائق ما يجري في سوريا. في الواقع، كان من الطريف أن يستمر علاء الدين الأيوبي في صدارة الأداء التلفزيوني حتى الآن، فهو -بحق- المذيع النمطي لحقبة حافظ الأسد، ولا يتوافق مظهره أو أداؤه مع محاولة حقبة بشار الأسد الظهور بمظهر أكثر عصريّة من زمن أبيه. الأيوبي، على عكس عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس وحكمت الشهابي وغيرهم، "حرس قديم" استطاع الصمود أمام رياح "العصرنة" التي أتت مع بشار الأسد.

على أن إظهار علاء الدين الأيوبي تلفزيونياً خلال الثورة السورية كان خياراً صائباً في إدارة النظام للمعركة النفسية ضد معارضيه. ووفاته، بلا شك، خسارة كبرى في هذه المعركة النفسية: الرجل عنوان الأمان، ولا شك أن لظهوره على التلفزيون أثراً مطمئناً على الجمهور المؤيد. علاء الدين الأيوبي يعني أن أمن الوطن والمواطن في أيدٍ أمينة، وأن عموم المندسين والمخربين والإرهابيين لا شك سيقعون في يده قريباً، ليعترفوا له كيف تم إغواؤهم وإقناعهم باقتراف الجرائم والآثام، وكيف تقاضوا الأموال لإنفاقها على "ملزّاتهم الشخصية"، وكيف وقعوا في يد دورية بقيادة الضابط فلان، والتي تحركت بتوجيهات العقيد فلان و إشراف ومتابعة العميد فلان.

وطبعاً، لا يكتمل النصر من دون أن يؤكدوا منتحبين: "ندمان يا سيدي، ندمان!".
..

منشور في جريدة المدن. 


2015/04/21

الحرب المُجرّدة وضحاياها الأبرياء

Osman Sagirli

ثلاث صور


نهاية آذار الماضي، ضجّت شبكات التواصل الاجتماعي، ثم وسائل الإعلام العربية والغربيّة، بصورة طفلة سوريّة، لاجئة في مخيم أطمة، وقد رفعت يديها برعب واستسلام حين رأت عدسة الكاميرا واعتقدت أنها سلاح مصوّب نحوها. لم تكن الصورة جديدة – حسب تعريف زمن الانترنت لسرعة الخبر والمشهد- فقد التقطها المصوّر التركي عثمان صاغرلي قبل نحو خمسة أشهر. لكنها انتشرت بكثافة في الأيام الأخيرة بعد مشاركتها من قبل المصوّرة والصحفية الفلسطينية ناديا أبو شعبان في حسابها على تويتر.

بعد انتشار صورة عثمان صاغرلي بأيام قليلة، نشر رينيه شولتهوف، العامل في الصليب الأحمر الدولي، صورة أخرى التقطها خريف العام الماضي، في مخيم الزعتري في الأردن، لطفلة رفعت أيديها مستسلمة أيضاً حين رأت الكاميرا. انضمت صورة شولتهوف إلى سابقتها، وباتت الصورتان مواداً بصرية مرفقة لعدد هائل من النصوص والتغريدات المتضامنة مع أطفال سوريا، والداعية لإنقاذهم من ويلات الحرب الدائرة في بلادهم.

الأسبوع الماضي، اختارت صحيفة الغارديان البريطانية صورة قادمة من سوريا ضمن باب «صور الأسبوع» على موقعها. تُظهر هذه الصورة -التي التقطها عبد الرحمن اسماعيل في حلب لصالح وكالة رويترز- طفلتين مغبرتي الوجه والشعر، تمسك إحداهن بيد الأخرى، بعد انقاذهن من تحت الأنقاض إثر قصف طيران النظام على أحياء حلب المُحرّرة. يبدو على وجه إحداهنّ بوضوح أن الذهول شلّ استيعابها لما جرى، في حين يظهر أن الأخرى بدأت تعي، نسبياً، ما حدث لهنّ، وبدأت دموعها المذعورة بالسقوط على وجنتيها المغبرتين.

استُخدمت الصور الثلاث بكثافة خلال الأيام الماضية في نصوص وتغريدات تدعو لحماية الأطفال السوريين من ويلات الحرب التي تجري في بلادهم، ولم تكن هذه الصور الثلاث أولى صور الأطفال السوريين التي تنتشر، وليس استثناءاً أن تترافق مع دعوات لحماية الأطفال. يُلاحظ أيضاً أن الصور الأكثر انتشاراً في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ليست الأكثر قسوة بين الصور المُلتقطة في سوريا، بل أن أكثرها رواجاً هي تلك التي لا دماء فيها أو أشلاء. وتنتشر بالذات مشاهد تحوي «نهاية سعيدة» (بقدر ما يمكن للسعادة أن تكون في هذا السياق)، مثل إنقاذ أطفالٍ على قيد الحياة من تحت الأنقاض، أو صور لأطفال لم يعودوا تحت خطر الموت المباشر، كالحال في مخيمات اللجوء.


الحرب الأهلية


قبل سنة أو أكثر، كان من الشائع أن نجد في كتابات السوريين تساؤلات حول إن كان ما تعيشه سوريا حرباً أهلية أم لا، وتوزّعت المواقف حينها. هناك من رفض المصطلح بالكامل؛ أو من أقرّ به مع التأكيد على أن هذه الحرب الأهلية كانت رد النظام على الثورة الشعبية ضدّه؛ وهناك من تمسّك بالحديث عن ثورة رغم وجود ملامح واضحة لحرب أهلية في البلد؛ وأيضاً من اعتبر أن سوريا تعيش حرباً أهلية صرفة، وأن هذه الحرب هي ما أجهض الثورة.

بالكاد هناك آثارٌ لهذا النقاش اليوم، وليس واضحاً أنه قد حُسم قبل أن يندثر. ربما لم يعد هناك إحساس بالحاجة للتعامل مع المصطلحات، أو صار هناك ما يُشبه اليأس من تسمية الأمور بمسمياتها، أو لأن ما نعيشه قد فاض عمّا بين يدينا من مصطلحات وتسميات.

بالمقابل، ما زالت هناك حساسية واسعة لاستخدام مفهوم الحرب الأهلية لتسمية ما يجري في سوريا. من النادر استخدام المصطلح بين السوريين، ليس فقط ضمن القطاع المتمسّك بتسمية «الثورة السورية»، وانما أيضاً في القطاعات الأقل تسييساً، أو حتى بين المؤيدين للنظام. بالكاد يُسمع مصطلح «الحرب الأهلية» بالمقارنة مع «أزمة» أو «أحداث»، أو حتى «حرب» دون توصيفات مضافة.

ثمة مستوىً معيّن من عدم الرغبة باستخدام «الحرب الأهلية» في الحديث عن سوريا أجد نفسي قريباً منه. ليست عدم الرغبة هذه نابعة عن التعفف عن التفكير بوجود حرب أهلية في سوريا فعلاً، من حيث أن هناك سوريون يقاتلون سوريين ضمن تشكيلات قتالية متبلورة، وأن هناك انشطاراً عمودياً في كل المفاهيم والأفكار المتعلقة بسوريا، بل وربما تم تجاوز هذا الانشطار المستقيم والنظيف إلى تشظٍ لا عودة عنه. هنا، في الابتعاد عن الحديث عن «حرب أهلية» مقاومة لمنطق أوساط سياسية وفكرية، محلية وإقليمية ودولية، انحازت مبكراً لسردية الحرب الأهلية باعتبارها الخيار الأسهل لاتخاذ ضربٍ منحط من «اللاموقف»، إما عبر مساواة الأطراف، أو التبرؤ اللفظي الكامل منها. هناك فعلياً موقفٌ مضمر في اللاموقف اللفظي، فالمساواة بين طرفين غير متساويين في القوة والقدرة على الحرب هي انحياز للأقوى!

على مستوى السياسة الدولية. كان في الانتقال الكامل نحو توصيف الحرب الأهلية ما يتجاوز الاستفزاز نحو درجات متقدمة من الخسّة. صحيحٌ أن الحديث عن «حرب أهلية سوريّة» بدأ بالظهور منذ تبلور وجود حالة مسلحة مناهضة للنظام، لكن انتقال المجتمع الدولي النهائي نحو مقاربة الأزمة السورية بوصفها حرباً أهلية ارتبط بمجزرة الكيماوي في غوطة دمشق، حين غُطّي الاتفاق الروسي-الأميركي حول سحب الترسانة الكيماوية من النظام السوري بحديث غائم حول «مؤتمر سلام» بين الأطراف السورية، ومؤتمر السلام هذا هو ما يُفترض أنه حصل في جنيف أوائل عام 2014. لم يعد هناك نظام ديكتاتوري مجرم يشنّ حرباً ضد القطاعات الشعبية المنتفضة، والموقف ضده أخلاقي قبل أن يكون سياسياً، بل أصبح هناك «حرب أهلية»، لها «أطراف»، ودور المجتمع الدولي يجب أن ينصب في إيجاد «تسوية» عبر إجلاس هذه «الأطراف» على «طاولة مفاوضات»، ما يعني أيضاً أن هذه «الأطراف» متساوية في التمثيل والمسؤولية السياسيتين. بمعنى آخر، بشار الأسد تحوّل من مجرم بحق الشعب السوري، لا مستقبل له إلا محاكمة، دولية كانت أم محلية، إلى طرف في حرب أهلية، متساوٍ في السوء مع «خصومه السياسيين»، ويجب الضغط عليه وعليهم للوصول إلى تسوية.

تكريس هذه السردية لم يقد إلى نقل التوصيف من انتفاض المفقّرين والمهمّشين والمسحوقين من السوريين ضد نظامٍ مجرم وإفقاري إلى نزاع مسلح بين النظام السوري و«المعارضة» فحسب، بل تمت إعادة كتابة تاريخ السنوات الخمس الأخيرة بخفة منقطعة النظير، وبدا ذلك واضحاً منتصف الشهر الماضي حين انهمرت المواد الصحفية وبيانات المؤسسات الإنسانية والحقوقية الدولية حول «دخول الحرب الأهلية السورية عامها الخامس».

في سوريا حرب أهلية، بل وما هو أسوأ حتى. لكن هذه الحرب الأهلية لم تبدأ منتصف آذار عام 2011. لا يمكن حتى لمن لم يعترف بوجود ثورة أصلاً أن يقول هذا. وقد يكون علينا أن ننتظر المؤرخين كي يجيبوا على السؤال حول موعد بداية الحرب الأهلية السوريّة فعلياً، مع الأمل بأن يكونوا أكثر رصانة من كُتّاب بيانات مؤسسات الأمم المتحدة.

يجدر القول، بعد توضيح مكمن الابتعاد عن استخدام مصطلح «الحرب الأهلية»، أن هذا المصطلح أكثر نزاهة بما لا يقاس من مصطلحات أخرى مثل «حرب بالوكالة»، أو «حرب الآخرين على أرضنا». في التاريخ الحديث والمعاصر، لم تخلُ أي حرب أهلية من استقطابات إقليمية ودولية حولها، وتأثيرات خارجية على ديناميكيات الصراع ومخرجاته. في كل حرب أهلية «حرب بالوكالة» متضمنة. لكن الحديث عن «حرب بالوكالة» أو «حرب الآخرين..» فيه تبرئة زائفة للذات، وفيه أيضاً تسفيه للعوامل الذاتية التي أدّت للصراع، وإبعاد للمسؤوليات إلى ما وراء حدودٍ لم تعد موجودة أصلاً.


الحرب


الحرب شرٌّ لا لبس فيه. هذا جوهر المنطق السلامي وفكر مناهضة الحرب. هذه الفكرة محطّ إجماعٍ إنساني. تبدو مُسلّمة لدرجة أن كثيراً من حاملي السلاح على طول العالم وعرضه قد يوافقونها بالكامل. من المنطقي والسليم أن يكون خطاب مناهضة الحرب قوياً، بل أن المطلوب منه أن يكون الأقوى: لقد عانت الإنسانية على مرّ تاريخها من ويلات الحروب ما يكفي للاقتناع بأن هذا الطريق في إحراز الأهداف يجب أن يُسدّ إلى الأبد، وأن تُعالج الخلافات والخصومات عبر أساليب السياسة السلمية.

ليس الجدل على هذه المفاهيم، بطبيعة الحال.

من الشائع أن نجد، في خطاب مناهضة الحرب، نوعاً من البحث عن طريق سهل ومباشر لذمّ الحرب، أي نزع ورفض أي شكل من أشكال التفكير المنطقي فيها، والتعفف عن تفكيكها وتحليلها والبحث في أسبابها ومنطلقاتها وطبيعة المتحاربين ودوافعهم ووسائلهم، والفوارق الكمية والنوعية بين مسؤولياتهم عن الاقتتال ونتائجه. الحرب مفهوم مجرّد، لا منطقي، مُختزل إلى صورة كاريكاتيرية سطحية وبائسة. للحرب كيانية قائمة بحد ذاتها، لا تنتمي للعالم الذي نعيش فيه ولا تنشأ من ظروفه وتتفاعل معها، بل لها إرادات ورغبات ونزوات شريرة بالمطلق، تظهر وتتحرك وفقاً لها، تقتل هنا وتدمر هناك وتُشرّد إلى هنا وهناك.

الحرب، وفق هذا النوع من الخطاب، كارثة كالأعاصير والزلازل والفيضانات. لكنها غير ناتجة عن عوامل الطبيعة الأرضية مثل الزلزال، بل عن طبيعة بشرية شريرة: البشر المتحاربون أشرار، يُصرّفون شرّهم عن طريق حمل السلاح والقتل، ولشرّهم هذا ويلات على البشر غير الأشرار.

الحرب واضحة بقدر ما هي شريرة، ولا تعقيد فيها يستحق التحليل. لا سياسة في الحرب، بل تُعادى السياسة كما تُعادى الحرب تماماً. لا بحث عن أسباب الحرب وتتالي أحداثها وخطوطها البيانية، كما -طبعاً- لا نقاش في سلّم المسؤوليات، ولا في الاختلافات الكمّية والنوعية بين المتحاربين، ولا تدرّج في سلم المسؤوليات. كل المتحاربين، كما الحرب، أشرار. لا يهمّني من بدأ، كلّكم معاقبون، كما تقول الأم الغاضبة من أبنائها المتشاجرين على قطعة حلوى أو لعبة.

في الابتعاد عن تفكيرٍ أكثر تعقيداً من الحُكم القيمي المجرّد فضيلة في نظر شطر كبير من المنطق السلامي: الإقرار بتعقيد الحروب قد يقود لتفهّمها، أو تبرير بعض جوانبها، أو اهتزازاً في الثبات على رفض استخدام العنف كحلّ للخلافات. في تجريد الحرب وتشريرها المطلق والابتعاد عن أي خوضٍ في تفصيلاتها إحساس بالصلابة والثبات على عدم المساومة فيما يُفترض أنه موقف أخلاقي. هو أيضاً -والحق يُقال- كسلٌ أخلاقي وفكري عند أصحاب النية الحسنة من متبنّي هذا الخطاب، وتضييع للمسؤوليات وتمييع للوقائع عند سيئيها.


الضحايا


الحرب «مجنونة» بقدر ما ضحاياها «أبرياء». يبدو أنه لا يكفي أحياناً أن نقول «ضحية»، بما تحمله الكلمة من إقرار بالظلم الواقع عليها، بل يجب أن نلحقها بوصف البراءة.

الضحية البريئة للحرب الشريرة المجردة هي ضحية سلبية.. ضحايا الحرب منسلخون عنها فكراً ونسباً وهوية حُكماً، فالحرب والمتحاربون فيها ينتمون لكوكب آخر، وهم من طبيعة مُغايرة، وحصل أن وقعت ويلاتهم على الضحايا الأبرياء. يجب أن يبدو واضحاً أن الضحية لم تُشارك في «دوامة العنف»، ولا انحيازات لها ضمن طيف المتحاربين، وبالتالي يصعب، مثلاً، الحديث عن الذكور البالغين بوصفهم ضحاياً أبرياء إلا بوصفهم آباءً لأطفال يعانون ويلات الحرب المجنونة. أو يحصل أيضاً أن يتم التأكيد، عند الحديث عن قصف منطقة سكنية ما، أن جميع الضحايا «مدنيون»، وكأن وجود من هو غير مدني بينهم يُشرّع القصف، أو يُحيل المسؤولية إلى من استُهدف.

لا ينطبق هذا الكلام على من ماتوا في الحرب فقط، بل أيضاً على من اضطروا للجوء بعيداً عن منازلهم. يقتصر التفكير فيهم والحديث عنهم في أغلب الأحيان على مستوى البقاء على قيد الحياة، أي المقاربة الإنسانوية الصرفة. لا إمكانية للتفكير، مثلاً، أن مجتمع اللجوء هو ذاته مجتمع المتحاربين، مع كل ما يعنيه هذا الواقع. تجريد الحرب يقود لاعتبار اللاجئين كتلة صمّاء وصامتة وسلبية، متجانسة في عزلتها عن أحداث بلادها. في هذا المنطق الإنسانوي مقدار كبير من الاستلاب.


ضحايا داعش


من المُلاحظ عند متابعة وسائل الإعلام الغربية أن ضحايا داعش غير مشمولين ضمن ضحايا «دوامة العنف» في سوريا. وقد يبدو السبب للوهلة الأولى مقتصراً على أن الرأي العام الغربي يرى في داعش عدواً له، في حين يرى «الأطراف المتحاربة» في سوريا مجرد جبهات من السيئين تتقاتل بجنون. لا شك في أن هذا سبب، انما يرجح أنه ليس الأوحد.

لا تقبل داعش لنفسها أن يكون ضحاياها مجرد «ضحايا حرب»، فهي شديدة الغيرة على «ضحاياها».. يجب أن يموتوا، أو يُسبوا أو يُهجّروا، ويجب أن يموتوا أو يُسبوا أو يُهجروا كما تريد داعش، وأن يراهم العالم كما ترغب هي أن يُروا. الأمر هنا لا يتعلّق بالوحشية فقط. فقد قتل النظام فقط بالبراميل المتفجرة التي طحنت أحياءً وبلدات وقرى بأكملها، أضعاف من قتلتهم داعش، لكن رأس النظام يُنكر استخدام البراميل المتفجرة على الإعلام بوقاحة. لا معنى أو أهمية إن كان أحدٌ يصدّق إنكاره هذا أم لا، أو إن كان هو نفسه يعتقد أن أحداً يُصدّقه أم لا. إنكاره يعني أنه لا يستعرض هذا الاستخدام في الخطاب، ولا يتباهى به. فيما داعش تصوّر إعداماتها من ثلاث أو أربع أو خمس زوايا، وتُشغّل خبرات تقنية للعمل على تفادي مسح منتجاتها «الإعلامية» في شبكات التواصل الاجتماعي ومشغلات الفيديو على الانترنت.

عدا ذلك، في الحديث عن «ضحايا الحرب» ضمن منطق الحرب المُجرّدة كمّ كبير من معاداة السياسة، أي بتبنّي التقييم الأخلاقوي الصرف أسلوباً وحيداً للخطاب. داعش عصيّة على السياسة لدرجة أنه حتى منطق معاداة السياسة لا يُجدي معها.


الأطفال كضحايا نموذجيين


في التركيز على الأطفال كضحايا نموذجيين للحرب المجرّدة ارتياحٌ إلى قطعية كون الطفل ضحية بشكلٍ لا جدل فيه، فيما يمكن، عند الحديث عن البالغين، خصوصاً الذكور منهم، الدخول في شكوك حول إن كانوا ضحايا «أبرياء» بالمطلق أم لا. الطفل «حقيقة مطلقة» في هذا المجال، بمعنى أنه لا يمكن للأطفال أن يكونوا أطرافاً في صراع، سياسي كان أم عسكرياً. طفلٌ مغبرّ الوجه ناجٍ بأعجوبة من قصف جوّي هو ضحية بريئة، لكن قتيلاً تحت التعذيب، على سبيل المثال، ليس كذلك، لأنه لا وضوح في «براءته». صورة هذا الطفل يمكن أن تدور حول العالم خلال دقائق، فيما تتجاهل نفس الأوساط أخباراً عن أكثر من عشرة آلاف شهيد تحت التعذيب في دمشق وحدها. الطفل ضحية «دوامة العنف»، فيما ليس واضحاً أن الشهيد تحت التعذيب لم يكن جزءاً من هذه «الدوامة» بشكل أو بآخر.

قد يبدو الكلام متحاملاً، أو متعامياً عن التعاطف الإجباري مع الأطفال بوصفهم الضحايا الأضعف، أو غير متفهّم للوطأة النفسية الخاصة -والمشروعة- لصورة طفل يُعاني بالمقارنة مع معاناة البالغين. ليس في التفاعل الأكبر مع معاناة طفلٍ ما يُعيب بطبيعة الحال، لكن احتكار المشاعر لصورة الأطفال غير مجدٍ، لا لهؤلاء الأطفال ولا لغيرهم: أيّ حل جزئي يمكن أن يُقدّم لإنقاذ الأطفال السوريين دون «إنقاذ» أهاليهم، وكيف يتم «إنقاذ» أهالي الأطفال دون «إنقاذ» مجتمعاتهم ككل؟ وكيف يمكن التفكير بذلك دون تفكيك المشكلات؟ وكيف يتم تفكيك المشكلة دون فك التجريد عن مفهوم الحرب الشريرة، المُغلق بإحكام في مساحات واسعة من خطاب مناهضة الحرب، والممتنع عن البحث في الخط البياني للحرب وتوزع المسؤوليات كمّاً ونوعاً؟
....

منشور في الجمهورية.


2015/04/16

داعش في كتالونيا

دخل الصراع بين القوى الاستقلالية الكتالونيّة، وعلى رأسها ائتلاف «التلاقي والوحدة» الحاكم في كتالونيا من جهة، والحكومة المركزية الاسبانيّة والحزب الشعبي الاسباني مرحلة سرياليّة من التصعيد اللفظي في الأسابيع الأخيرة. الأوضاع متوترة للغاية بين الطرفين منذ سنوات طويلة، وبالذات منذ بدء القوى الاستقلالية مسارها من أجل تحصيل حق تقرير المصير للشعب الكتالوني بغية الحصول على الاستقلال عن اسبانيا.

هذه المرة، كان لداعش فسحة في المهاترات. أجل.. داعش! ليس هذا الكلام مزحة على الإطلاق.

جذور القصة تعود إلى أيار عام 2013، حين أصدرت الحكومة الاسبانية قراراً بطرد نور الدين زياني من اسبانيا بناءً على توصية من المخابرات الاسبانية. زياني مواطن مغربي مقيم في كتالونيا منذ سنوات طويلة، وكان رئيساً لاتحاد المراكز الثقافية الإسلامية في الإقليم، وعضواً في مؤسسة Nous Catalans (أي «الكتالونيين الجدد») المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكتالوني، المنخرط في تحالف «التلاقي والوحدة» الحاكم في كتالونيا، وقد كان لزياني دور مهم في الترويج لحزب الاتحاد الديمقراطي الكتالوني ضمن أوساط المسلمين المقيمين في كتالونيا، خصوصاً ذوي الأصول المغاربية، كما عمل بفعالية في خلال الحملة الانتخابية لصالح آرتور ماس، رئيس الحكومة الإقليمية الكتالونيّة. 

نور الدين زياني في إحدى نشاطات «الكتالونيين الجدد»
في التقرير الذي قدّمته المخابرات الاسبانية للحكومة المركزيّة، والذي فصّل، حسب تصريحات الجنرال فيلكس سانث رولدان، المدير العام للمخابرات، نشاطات وتحركات نور الدين زياني خلال السنوات الثلاث السابقة على طرده، يُشار إلى أن زياني قد عمل على الترويج للفكر السلفي الجهادي في كتالونيا بتوجيهات من المخابرات المغربية، وأن له ارتباطات بشخصيات وجهات ناشطة ضمن شبكات جهادية تعمل على نشر التطرف ضمن أوساط المهاجرين المسلمين، وجمع التبرعات المالية وجذب مقاتلين لإرسالهم إلى ساحات القتال في سوريا والعراق وغيرها من الدول.

نفى نور الدين زياني، بشكل شخصي وعبر محاميه، الاتهامات جملة وتفصيلاً، مُعتبراً أن طرده ليس إلا عقاباً له على ارتباطه بالحركة الاستقلالية في كتالونيا وعمله الفاعل ضمنها. آنخيل كولوم، رئيس مؤسسة «الكتلونيين الجدد» وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي الكتالوني، دافع بدوره عن نور الدين زياني، نافياً اتهامات المخابرات الاسبانية له، واصفاً قضية زياني بأنها «لعبة قذرة» من قبل أجهزة الدولة الاسبانية.

كادت القضية تُنسى مع الزمن، إلى أن عادت لتنفجر بقوّة أوائل الشهر الحالي، حيث ألقت الشرطة الإقليمية الكتالونية، في الثامن من نيسان الحالي، القبض على 11 شخصاً متهمين بتشكيل خلية تعمل على جذب الأموال والجهاديين لصالح داعش، وقد أكد الناطقون باسم قوى الأمن الكتالونية والاسبانية أن هذه الخلية كانت تعمل أيضاً من أجل القيام بأعمال إرهابية داخل الأراضي الاسبانية، وأنها كادت أن تحقق القدرات العملياتية الكاملة في هذا المجال. بعد ساعات من العملية الأمنية، شنّ خورخي فرناندث دياث، وزير الداخلية الاسباني، هجوماً عنيفاً على الحكومة الإقليمية الكتالونية والأحزاب الاستقلالية في مقابلة مع إحدى محطات الراديو، مشيراً إلى أن محاولات الاستثمار السياسي للانفصاليين الكتالونيين ضمن الأوساط المسلمة يمنع الاندماج الصحيح والكامل للمسلمين في كتالونيا، مُشيراً بشكل متكرر إلى مؤسسة «الكتالونيين الجدد».

بدورها، ردّت الحكومة الكتالونية على وزير الداخلية بقسوة مماثلة، مُعتبرة أنه يسعى «بخفة وانعدام مسؤولية» لتجريم حراك سياسي سلمي وديمقراطي، ينضوي تحته ملايين المواطنين الكتالونيين، عبر محاولة ربط الحركة الانفصالية بالإرهاب الإسلامي، مذكّرة بأن أهم الإنجازات على صعيد مكافحة شبكات الدعم الجهادي في اسبانيا تمّت على يد الشرطة الإقليمية الكتالونية التابعة للحكومة الكتالونية. أيضاً دافعت مؤسسة «الكتالونيين الجدد» عن نفسها في وجه اتهامات وزير الداخلية لها، مؤكدة أن عملها يصب بالذات في صالح اندماج المهاجرين من كل مكان ضمن المجتمع الكتالوني. كما صدرت تصريحات مشابهة من مسؤولين سياسيين وأمنيين كتالونيين، وقادة أحزاب سياسية كتالونية واسبانية.


مقالة ألفونسو أوسيا اليوم
لم يتراجع وزير الداخلية عن هجومه، بل عاد ليؤكده قبل يومين خلال جلسة لمجلس الشيوخ الاسباني، مشيراً إلى أن الأرقام تدعم مزاعمه حول وجود ثقل جهادي نوعي ضمن كتالونيا، مثل إشارته إلى أن 5 عمليات أمنية من أصل 11 عملية أمنية جرت منذ مطلع العام ضد الخلايا الجهادية تمت في كتالونيا، وأن 25 من أصل 40 مقبوضاً عليه في قضايا متعلقة بالشبكات الجهادية هذا العام تم اعتقالهم في كتالونيا. أشار فرنانديث دياث كذلك إلى أن الأجهزة الأمنية صنّفت 98 مسجداً من أصل 1250 مسجداً في اسبانيا على أنها «مساجد سلفيّة» وأن أكثر من نصف هذه المساجد «السلفية» (50 مسجداً) موجود في كتالونيا. وفي ردّهم، أدان أعضاء مجلس الشيوخ الكتالونيين استخدام وزير الداخلية للأرقام بهذا الشكل، مشيرين بداية إلى أن نسبة المهاجرين في كتالونيا تفوق الـ 15% من سكانها، في حين أن المتوسط في باقي اسبانيا بالكاد يصل إلى 10٪، كما أن كثافة العمليات الأمنية في كتالونيا تدل على فعالية أجهزة الأمن الإقليمي ضد الخطر الجهادي وليس العكس.

لم تتأخر الصحافة في الدخول في هذا الصراع، حيث نشرت جريدة «لا راثون» اليمينية والمقرّبة من الحزب الشعبي الحاكم في اسبانيا في نسختها الورقية اليوم مقالاً لألفونسو أوسيا، أحد نجوم اليمين الاسباني في الصحافة والثقافة، بما يُفترض أنه لغة عربية (كلمات متتالية دون معنى، يبدو واضحاً أنها أُخذت من «غوغل ترانزليت» بشكل سيء، فالأحرف غير موصولة ببعضها، والنص معكوس)، وعنون الكاتب -المشهور بسلوكه الاستعراضي ولغته القاسية والمثيرة للجدل- بالاسبانية إلى أن هذا المقال كُتب «باللغة الكتالونية الجديدة في كتالونيا المستقلة المستقبلية».


2015/04/10

الجزيرة والشاميّة


سأُفشي لكم سرّاً جغرافياً لا يعلمه إلا الرقاويّون ومن في حكمهم: محافظة الرقة، وسوريا، بل والعالم جميعه، ليست مقسّمة فقط إلى نصف كرة شمالي وآخر جنوبي، ولا تقتصر إحداثيات الاستدلال على خطوط الطول والعرض، بل أن هناك تقسيماً آخراً لا يقلّ عن هذه الحيثيات الجغرافيّة أهمية، بل -على الأقل للرقاويين- هو أهم وأنفع: الجزيرة والشاميّة.

الجزيرة هي الضفة الشمالية لنهر الفرات، وفيها تقع مدينة الرقة، فيما الشاميّة هي الضفّة الجنوبية للنهر، أي ضفّة البادية.

حسب هذا التصنيف، نستطيع القول أن الحسكة والقامشلي وتل أبيض هي «جزيرة»، فيما حمص وحلب وحماة ودمشق «شاميّة». دير الزور فيها جزيرة وشاميّة في آنٍ معاً.

الشاميّة، ببساطة، هي كل مكانٍ يعبر الرقاويّ الفرات كي يذهب إليه. فيما لا حاجة لجسور للذهاب من الرقة إلى أي مكان في الجزيرة.

من المؤكد أن بإمكاننا بناء خرائط جيوسياسية جديدة حسب هذا التصنيف على المستوى العالمي، وربما ساعدنا إلى حدٍ كبير على تفسير عدد هائل من الأمور غير الواضحة في مسير شؤون الإقليم والعالم، لكن هذا أهم من أن يُعالج في نص قصير كهذا.

تصنيف الجزيرة- الشاميّة أيضاً ينفع لدراسة المشاريع والطموحات والمطامع في الإقليم. الشاميّة هي مُراد إسرائيل في حدودها المزعومة «من الفرات إلى النيل». أي أن إسرائيل، في أقصى توسّعها، ستأخذ قرى مثل كسرة فرج والسحل، ومواقع مهمة للغاية مثل معسكر الطلائع أو جامعة الاتحاد الخاصة، فيما تبقى مدينة الرقة التاريخية، لوقوعها شمال النهر مباشرة، في مأمن من مطامع العدو الصهيوني. بمعنى آخر: حتى إسرائيل لا تريدنا!

من جهة أخرى، تصطلح غالبية الخرائط المُصوّرة لإقليم كردستان أن حدودها الجنوبية، من جهة الرقة، تبدأ شمال المدينة بعشرين أو ثلاثين كيلومتراً. أيضاً الأكراد لا يريدون الرقة وما حولها مباشرة من «جزيرة». وقوع الرقة في اللامكان بهذا الشكل جعلنا، نحن الرقاويّون، نشعر بحسرة عدم المرغوب به، إلى أن جاء مولانا البغدادي -حفظه الله- وأثبت لنا أن هناك من يريدنا.. الله يجبر بخاطره!

على المستوى العائلي والعشائري. ثمة ديالكتيك بين الجزيرة والشاميّة في أصولنا، نحن آل السويحة، المنتمين إلى عشيرة البوحميد. تعود أصولنا إلى قريتين تقعان في منتصف الطريق بين الرقة ودير الزور، وهما جزرة البوحميد والبويطية. نهر الفرات يمرّ بين القريتين -أي مثل منهاتن وباقي نيويورك- لتبقى جزرة البوحميد في الجزيرة، والبويطية في الشاميّة. حتى فترة قريبة كان هناك عبّارة تؤمن نقل الأفراد والمركبات بين ضفتي النهر، حيث أن أقرب جسر على نهر الفرات يبعد عشرات الكيلومترات.

لا أذكر أنني ذهبت إلى البويطية، في حين ذهبت في طفولتي إلى جزرة البوحميد عشرات المرّات، وذلك لوقوع أراضينا شمالها، بالقرب من محطة ضخ بترول بجانبها قرية اسمها الرسمي «صباح الخير» (أجل، إلى هذه الحدود تصل رومانسيتنا!).

أكثر ما يُلفت النظر في جزرة البوحميد هو تل الحميضة، وهو تل جميل جداً يُطل على نهر الفرات مباشرة. ورغم الأراضي الشاسعة الواسعة الخالية المحيطة بجزرة البوحميد إلا أن سبباً خفياً يجهله الجميع دعا لأن تكون المقبرة بالذات على تل الحميضة.

لو حققت إسرائيل أهدافها فستأخذ البويطية. لكن جزرة البوحميد، لوقوعها في الجزيرة على مأمن من مطامع العدو وفق نصوصه المقدسّة، ستكون قاعدة انطلاق لحرب التحرير الشعبيّة. الجزرة هي «هانوي» البوحميد.

بالإمكان القول أن الفرات يقوم هنا مقام نهر الروبيكون في أيام الرومان. الروبيكون نهر صغير في إيطاليا، وقد كانت له أهمية سياسية وقانونية لأنه كان يمثل الحدّ بين المحافظات الرومانية وغاليا، وكان محظوراً على الجنرالات عبوره من غاليا باتجاه أراضي روما، إذ أن عبور الروبيكون بالسلاح يعني إعلان حرب. يُحكى أن يوليوس قيصر، سيّد غاليا آنذاك، وقف حائراً على ضفة الروبيكون عام 49 قبل الميلاد، ثم قال باللاتيني «Alea iacta est» (أي بما معناه: بدأت لعبة الحظ) وأمر جيوشه بعبور النهر باتجاه أراضي روما. لا يوليوس قيصر لدينا اليوم في الرقة، لكن لدينا أمراء داعش. لا إمكانية للجزم هنا، لكن لا أعتقد أنهم يحدّثون أنفسهم باللاتينية عند عبور النهر، بل ربما يُدندن بعضهم «من فوق جسر الرقة» دون أن يسمعه أحد.



2015/03/09

[روابط] صور من مجتمع العمل السوري في اسطنبول



رغم غياب الإحصاءات الدقيقة، يمكن القول إن عدد السوريين في اسطنبول تجاوز مئات الألوف، في هذا التحقيق صور لجوانب من الحياة الاقتصادية للسوريين في كبرى المدن التركية (للقراءة).


2015/03/02

[روابط] مواد عن اسبانيا وأميركا اللاتينية

مواد منشورة في الجمهورية.نت عن اسبانيا ودول أميركا اللاتينية خلال النصف الثاني من 2014 وكانون الثاني 2015.

كلايد سنو



الطريق الكتالوني (أيلول 2014) 

تسعى القوى الكَتَلونية لانتزاع حقّ تقرير المصير مدعومة بزخم شعبي كبير، فيما تحاول الحكومة الإسبانية سدّ هذا الطريق وسط غرقها في أقسى أزمة سياسية واقتصادية تعيشها إسبانيا منذ وفاة فرانكو. (للقراءة)
.. 

ذاكرة الجماجم (تشرين الثاني 2014) 

إن الكشف عن مصير المُغيّبين قسراً واجبٌ يتجاوز حقّ ذويه الشخصي، فهو جزء من التعاطي السليم مع الذاكرة التاريخية للبلد. في النص مدخل لتجربة الأرجنتين، وتعريف برائد في هذا المجال: كلايد سنو. (للقراءة)
.. 

أمهات ساحة مايو (كانون الثاني 2014) 

استخدم الحكم العسكري في الأرجنتين التغييب القسري كوسيلة لقمع مُعارضيه، وولدت منظمة أمهات ساحة مايو كردّ على إرهاب الدولة، مقدمة نموذجاً مهماً على مستوى أميركا اللاتينية، والعالم. (للقراءة) 


2014/10/28

[روابط] مواد مترجمة من الاسبانية إلى العربية

أربع نصوص مترجمة من الاسبانية إلى العربيّة في الشهور الأخيرة. جميعها منشور في موقع الجمهورية.


الديمقراطية عند جون ستيوارت ميل  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

الديمقراطية عند ماكس فيبر  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

لجنة الحقيقة  |  فيكتور أروغانتي (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

أنا الشعب  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة


2014/07/04

الفكرة الجمهوريّة كمناهضة للطغيان


سانتياغو آلبا ريكو*

ترجمة: ياسين السويحة 


يمكننا القول إن العالم العربي، بعد الحرب العالمية الثانية وعمليات نزع الاستعمار المطوّلة، لم يُحكَم إلا بأنظمة حكم ملكيّة: ملكيّات ذات طابع ديني، مثل ممالك وإمارات الخليج، وملكيّات «علمانيّة» كما في سوريا ومصر والعراق وتونس. الملكيّات العلمانيّة التي استلهمت خطابها من الفكر القومي العربي سُمّيت جمهوريّات، ما شكّل التباساً غلّف الطابع التعسّفي والسُلالي لهذه الأنظمة، وضرب مصداقيّة الفكرة الجمهوريّة، بشكل أساسي لصالح الإسلاميين.

فكرة الجمهورية لا هوية لها، لا شرقيّة ولا غربيّة، وهي لا تتعارض مع أيّة هويّة. إنها فكرة جيّدة، كالعجلة أو كإشارات المرور، وبالإمكان شرحها عبر شعار الثورة الفرنسيّة الشهير: «حريّة، مساواة، إخاء».

الحرّيّة هي التضادّ مع العبوديّة، ويمكن تعريفها بالإيجاز التالي: لا ينبغي أن يخضع إنسان لإرادة إنسانٍ آخر. حرّيّة إخضاع الإنسان، كما تفعل النخب السياسية والاقتصاديّة منذ قرون، ليست حرّيّة. الحرّيّة السياسيّة هي الخضوع الحرّ للقانون الذي يُقرّه الجميع، وليس لإرادة أُناس آخرين. غياب هذا «القانون العام» في الدول العربيّة ساهم في رفع رصيد الإسلاميين، الذين نادوا وينادون بالشرع الديني كطريق تحرّر من التعسّف «العلماني» للديكتاتوريات القوميّة. الفكر الجمهوري ينادي بسيادة الناس، أي الديمقراطيّة. يقرّر الناس الأحرار القوانين مجتمعين في إطار دولة القانون. العلمانية، بالتضادّ مع الإلحاد والإيمان الديني، اللذين يجب أن يبقيا خارج أطر العمل الجمهوري، هي ضمان ألا تتدخّل أيّ توجهات فكرية ضيّقة أو مصالح فئوية في القرار العام، وهي مسألة حقوقية وليست اجتماعية، وتُعنى بالاعتراف الاجتماعي بالإلحاد والإسلام والمسيحية…، مع منع استخدام القانون لفرض أيّ منها على المجتمع.

لكن، ماذا نعني حين نتحدّث عن «دولة قانون»؟ نعني أن الجمهور، عبر عمليّة تأسيسية سابقة، كان قد قرّر الحدود الأخلاقيّة والسياسيّة لأيّ قرار جماعي. الديمقراطية لا تحدّدها فقط صناديق الاقتراع، بل هي أيضاً القرار والإقرار المسبق بمبادئ ومنطلقات القرارات المتّخذة، أي الدستور. هذا الإطار المُسبَق يحدّد إمكانيات إصدار القوانين الجديدة أو تعديل القوانين الموجودة. على سبيل المثال، لا يمكن لأي برلمان، مهما علت نتيجة التصويت فيه، أن يشرّع العبوديّة، أو قتل وتعذيب الناس، أو الاغتصاب أو الغِلمانية أو النهب أو أكل لحوم البشر أو احتلال بلاد أخرى. حين نقرّر ديمقراطياً فإننا قد قرّرنا مسبقاً عبر عملية تأسيسية (لذا نحتاج غالباً إلى ثورة) أيّ الأسئلة يمكن طرحها وأيّها لا. إن دستوراً يُشرّع العنصرية مثلاً، كما كان الحال في جنوب إفريقيا في زمن الأبارتهايد، ليس حقّاً «بشكل دستوري». وأيّ قانون يشرّع الاحتلال العسكري ويقبل معاملة شطر من السكان كمواطني درجة ثانية، كما هو حال القوانين الإسرائيليّة، ليس حقّاً «بشكل قانوني». حقّ التمرّد على الدساتير الكاذبة والقوانين الجائرة هو مبدأ جمهوري بامتياز، ولا يمكن لأية ديكتاتوريّة، علمانية كانت أم دينيّة، أن تكون «جمهوريّة»، والقطاعات المناهِضة والمقاوِمة للديكتاتورية بحقّ، بغضّ النظر عن شعبيتها، هي الأساس للأغلبيات الديمقراطيّة المستقبليّة.

كذلك نحن بحاجة لإدخال مبدأ المساواة لتوطيد الأفكار الجمهوريّة حول القانون والديمقراطيّة. دون هذا المبدأ تكون الحرّيّة هي حرّيّة الأقوى، الأغنى، أو الأكثر شرّاً، أي هي حرّيّة إخضاع الآخرين واستعبادهم. كيّ يكون كلّ الناس أحراراً يجب أن يكونوا متساوين، ويجب أن تكون باستطاعتهم ممارسة حرّيتهم بشكلٍ متساويْ. لا يمكننا الحديث عن حرّيّة مع احتكار عوامل سياسيّة أو اجتماعية أو الاقتصاديّة لصالح أقلّية ما. على سبيل المثال، لا وجود لحرّيّة التعبير بينما يمتلك فرد أو عائلة أو شركة غالبيّة الصحف وقنوات التلفزة. وبالمثل، لا وجود لحرّيّة تصرّف، بل ولا حتى حرّيّة وجود، إذا تمّ احتكار المقدّرات الاقتصادية لبلد ما (الماء والبترول والأرض، وكذلك الصحّة والتعليم والثقافة) لصالح فرد أو عائلة أو شركة. لذلك، كما قيل سابقاً أن دستوراً دينياً أو عنصرياً أو عسكريتارياً ليس «دستوراً» حقيقياً، ليس دستوراً أيضاً ذاك الذي يرسّخ النيوليبراليّة و«السوق الُحرّ» كمبادئ ناظمة للسياسة والاجتماع. «السوق الحرّ»، فعلياً، هو تضادّ جذريّ مع الحرّيّات الجمهورية.

ختاماً، ينبغي أن نتحدّث عن الإخاء، ثالث الثلاثي الثوري الفرنسي الشهير. أقتبس في هذا المجال من أحد أهمّ محلّلي الفكر الجمهوري في إسبانيا طوني دومينيك، والذي يرى أن «التبييت» (من بيت) هي مضادّ «الحضارة». الديكتاتوريّة، كما قلنا قبل قليل، هي مضادّ الجمهوريّة، والديكتاتوريّة، أيضاً، هي «تَبييت» الفضاء العام، أي تمديد «البيت» الذي يسيطر فيه «الأب» ليشمل كامل المدينة. لمقاومة «تبييت» الفضاء العام هذا، على الفكر الجمهوري أن يسعى لحضرنة «البيت»، أو بمعنى آخر أن يستبدل علاقة الأب-الابن (وهي النموذج العام لكلّ الديكتاتوريات، وهنا تجدر الإشارة للنموذج الأبوي التسلّطي عند الأنظمة العربيّة) بعلاقة أفقيّة بين إخوة وأخوات. في المنطق السياسي والاجتماعي لا وجود لآباء يعرفون المصلحة الحقيقية لأبنائهم القصّر ويتّخذون القرارات تبعاً لذلك، بل ثمة «إخوة» ناضجون ومتمكّنون، يتشاركون ويتساعدون فيما بينهم. الإخاء هنا يعني حضرنة –تسييس– الفضاء الخاص، كي لا يستطيع أحد أن يفرض ما يناقض الحرّيّة والمساواة. ويعني الإخاء أيضاً الارتباط المتبادل بين الناس. بهذا المعنى، إذا لم تكن الدساتير الدينية أو العنصريّة أو الرأسماليّة «دساتير» حقيقيّة، فإن دستوراً ذكورياً لن يكون أيضاً «دستوراً» بالمعنى الجمهوري. التنظيم الجمهوري يفترض الاعتراف بعلاقة ارتباط متبادل بين «إخوة» يحتاجون بعضهم البعض لإحراز الكرامة المشتركة.

لقد حملت الثورات العربيّة في منطلقاتها، بغضّ النظر عن نتائجها، معاني جمهوريّة بامتياز، حيث برز مصطلح الكرامة كجامع لمطالبات الحرّيّة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والإخاء بين الأجناس والشعوب، وما يجري من ثورة مضادّة، باعتباره ثمرة تضافر التدخّلات الأجنبية مع إعادة تشكّل النخب المحلّية القديمة والمستجدّة، يهدّد بإعادة إنتاج الدوائر القديمة للديكتاتوريّة والقمع والتمييز و«التبييت»، وهي الدوائر التي تدور لصالح الإسلاميين وتوائمهم العلمانيين. هناك حاجة لاستعادة الفكرة الجمهوريّة لمناهضة الممالك، الدينية منها في الخليج وحتى «العلمانية» في مصر وسوريا. الفكرة الجمهوريّة عالميّة ومجدية، كالعجلة أو كإشارات المرور، وهناك حاجة ماسّة لها، ليس فقط في العالم العربي بل في أوربّا أيضاً، حيث تُعاني الخطوات الإيجابيّة القليلة التي تمّت خلال القرنين السابقين من تراجع خطير.



*سانتياغو آلبا ريكو: كاتب وباحث اسباني، له مؤلفات عديدة في مجالات الفلسفة والسياسة والأنتروبولوجيا، بالإضافة لمساهمات صحفية وأكاديمية عديدة في الشؤون العربيّة. ترجم الأعمال الكاملة للشاعر المصري نجيب سرور إلى الإسبانية.
..



2014/06/05

Elecciones de sangre, resultados de plomo

Deir Ezzor - AFP
Aparecerá hoy en muchos periódicos a lo largo y ancho del mundo, se dirá en muchos telediarios en infinidad de lenguas: Bashar al Asad ha ganado las elecciones en Siria con un 88,6%, con una participación del 73,4%. Bastantes notas de prensa incluso dirán eso de que fueron las "primeras elecciones presidenciales en Siria con más de un candidato desde hace más de medio siglo". Existe el pseudo- argumento que dice que estos son hechos. Datos objetivos. ¿Y qué pasa con el contexto en el que se encuadran estos "datos"? 

Del proceso electoral en sí mismo se podría decir mucho, desde que no fue más que un teatro barato, con candidatos de paja. Un proceso hecho a medida de Bashar al Asad, basado en la constitución que se inventó en 2012, y que aprobó con un referéndum casi tan patético como estas elecciones. Al igual que todos plebiscitos del régimen de los Asad, hemos visto cómo se coaccionaba a los sirios para ir a votar, tanto dentro de Siria como en el Líbano, la TV siria mostró, con desparpajo, como varios leales aseguraron que habían votado 2 y 3 veces, y que votarían las veces que hiciera falta. Incluso hemos visto a responsables de mesas electorales colgar en Facebook números de móvil a los que enviar una foto del DNI por Whatsapp para que votaran por ti si no podías acercarte al colegio electoral. Hemos visto como las instituciones del Estado eran utilizadas como catalizadores de la histeria colectiva a favor de Asad Hijo. De todo esto nada es nuevo. La única novedad es que en casi media Siria no se celebraron las elecciones, ya sea porque son zonas libres del control del régimen, o porque llevan meses cercadas por el ejército del régimen y las fuerzas paramilitares leales, como es el caso de la periferia sur de Damasco. 

Estos datos son más que suficientes para considerar que las elecciones fueron un tremendo fraude, aunque no estén de acuerdo los observadores internacionales invitados por el régimen, que llegaron procedentes de grandes ejemplos democráticos como Rusia, Irán, Corea del Norte, Bielorrusia y Mozambique. Aun así, esto no es más que la superficie de una cuestión mucho más profunda: Aunque hubiesen sido unas elecciones limpias, sin coacciones ni matonismos, sin fraude ni mentira, con libertad de voto, seguirían siendo una pantomima. Este régimen carece de cualquier legitimidad política tras casi medio siglo de tiranía empobrecedora, y más de tres años de guerra absoluta contra los sirios tras el levantamiento popular de marzo de 2011. 

En Siria no existe el Estado. Las instituciones existentes no sirven ni tan siquiera para hacer el paripé. La constitución y las leyes, hechas a medida de Bashar al Asad, no son respetadas ni tomadas en serio. Al hablar del régimen sirio, estamos hablando de un complejo político- económico- militar que ni siquiera reúne las características necesarias para poder decir que es -realmente- dictadura. Decimos que es una dictadura para darle un nombre, pero, en realidad, es algo mucho más primitivo, arbitrario, irracional y sanguinario. Estos criminales presentan un ejemplo difícil de encuadrar en la teoría política, por mucho que busquemos en las páginas más oscuras e inhumanas. 

El tirano sirio monta la patética escena de las elecciones presidenciales porque necesita dar una imagen de normalidad, aparte de encuadrar los baños de histeria colectiva, tan necesarios para la moral de los leales como para el régimen mismo. Aparte de la utilización interna, el régimen le muestra al mundo cual es el proceso político en el que está dispuesto a trabajar: Bashar al Asad es intocable. 

El régimen de los Asad lleva 44 años aplastando a los sirios sin piedad ni límites, y en los últimos 3 años ha declarado la guerra absoluta contra la sociedad siria, convirtiendo en un solar posapocalíptico cualquier ciudad, barrio, o aldea que haya participado en el levantamiento popular en su contra. El número de víctimas mortales superó los 150 mil fallecidos hace ya tiempo, y hay decenas de miles de detenidos en las cárceles del régimen. En los países vecinos de Siria hay millones de refugiados que han huido de las mareas de fuego y acero que el régimen les ha echado encima. Los muertos, detenidos, o refugiados nadie le ha preguntado si quieren votar a su asesino o carcelero, o, en cambio a alguna de las tristes marionetas presentadas como candidatos en su contra.. En serio, ¿De qué elecciones estamos hablando?