" بعض القضاة صلبون و لا يمكن التأثير فيهم: لا يستطيع أحدٌ أن يجبرهم على أن يكونوا عادلين"
بيرتولد بريخت

30 آب 2010

أوريبي في لجنة تحقيق أسطول الحرية.. حاميها حراميها؟

alvaro-uribe

كان على ضحايا الاعتداء الاسرائيلي على أسطول الحرّية و المتضامنين معهم أن ينتظروا أكثر من شهرين قبل أن تعلن الأمم المتحدة عن تشكيل لجنة تحقيق دولية للنظر في القضية, و رغم الانتظار الطويل فقد كانت النتيجة مخيّبة للآمال حتى قبل أن تباشر هذه اللجنة أعمالها, و ليس من المستغرب ألا ينتظر أغلب المراقبين شيئاً من تحقيقات هذه اللجنة الدولية, و ليس فقط بسبب الموقف الاسرائيلي غير المتعاون و إنما بسبب هوية أحد أعضاء لجنة التحقيق الدولية و تاريخه السياسي, و نقصد الرئيس الكولومبي السابق ألبارو أوريبي.

انتفضت الكثير من المنظمات المعنيّة بحقوق الإنسان غضباً حال معرفتها بتعيين ألبارو أوريبي عضواً في لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة, فالرجل لا يمكن وصفه بأي حالٍ من الأحوال كحمامة سلام, و ملف حقوق الإنسان في بلاده طيلة أعوام رئاسته الثمانية شائكٌ و مليء بإشارات الاستفهام (و التعجّب), و لربما كان الكثيرون ينتظرون تشكيل لجنة دولية للتحقيق معه و ليس أن يكون هو عضواً في لجنة تحقيق تحت علم الأمم المتحدة.

أنهى أوريبي ولايته الثانية منذ أيامٍ قليلة فقط مسلّماً الرئاسة لخلفه (و وزير دفاعه السابق) خوان مانويل سانتوس بعد أن فشل في تعديل دستور بلاده لخوض الانتخابات بحثاً عن ولاية ثالثة, و قد كانت خطبه الرئاسية الأخيرة تلخيصاً لأغلب مسيرته كرئيس لكولومبيا: شتائم دون حساب للجزء الأكبر من الجهاز القضائي و للصحفيين و ناشطي حقوق الإنسان, فأوريبي ينتمي إلى مدرسة حليفه و صديقه جورج بوش في خطاب"محاربة الإرهاب", فكل من ليس معه فهو إرهابي و حليف للقوات المسلحة الثورية الكولومبية, الميليشيا التي تخوض مع السلطة المركزية الكولومبية حرباً أهلية دامية منذ عقود. و لم تتوقف إشكالية علاقة أوريبي مع منتقديه عند الشتم و الاتهامات الكبرى, فحسب اعترافات أحد كبار مسؤولي وكالة الاستخبارات الكولومبية (DAS) فقد تم تحويل جزء من المخصصات المالية للأجهزة الأمنية لتمويل مراقبة عدد كبير من القضاة و الصحفيين و النقابيين و ناشطي حقوق الإنسان.

وصل إوريبي إلى السلطة تحت شعار القبضة الحديدية و العمل الجاد لإنهاء الفلتان الأمني و نزيف الدم المتواصل الناتج عن الحرب الضروس بين ميليشيات القوات الثورية الكولومبية (FARC) ذات التوجّه الماركسي- اللينيني من جهة و الجيش و الميليشيات اليمينية المتحالفة معه, و لذلك زاد تمويل الجيش الكولومبي و أعاد تسليحه بمساعدة الولايات المتحدة, الحليف السياسي و العسكري لحكومة أوريبي ليس فقط من أجل مكافحة الإرهاب و إنما أيضاً بوجه بعض الأنظمة القريبة المناوئة للولايات المتحدة مثل فنزويلا. و رغم أنه اعتبر إنهاء وجود الميليشيات اليمينية المرادفة للجيش إنجازاً كبيراً إلا أن عملية تصفية هذه الميليشيات لم تنل الحد الأدنى من رضى المنظمات الحقوقية و جزء كبير من النظام القضائي لأن حكومة أوريبي سنّت قوانيناً تكاد تمنح العفو الكامل لمقاتلي هذه الميليشيات مقابل الاعتراف بجرائمهم و تقديم معلومات عن أماكن المقابر الجماعية التي دفنوا فيها ضحاياهم الذين تُقدّر المنظمات الإنسانية أعدادهم بعشرات الآلاف, كما أن الحكومة وضعت الكثير من العراقيل أمام أي محاولة لمحاكمة هذه الميليشيات كتنظيمات بدل التعامل مع أفرادها كقضايا فردية و حمت قادتها إلى حد إخراجهم من كولومبيا لمنع محاكمتهم. و مع ذلك فقد كان إخراج هذه الميليشيات من الشوارع و تعزيز وجود الجيش أحد أهم أسباب الشعبية الطاغية لأوريبي في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

لكن أهم القضايا التي ينادي الناشطون الحقوقيون بالنظر فيها هي قضية (Falsos Positivos) أي "الإيجابيات المزيّفة", و تتضمن قضايا اغتيال مدنيين و تقييدهم كعناصر ميليشيا القوات الثورية قتلوا خلال معارك مع الجيش, و أمام القضاء الكولومبي ما يقارب ثلاثة آلاف حالة لكن المراقبين يرجّحون أن العدد الحقيقي قد يصل إلى عشرات أضعاف هذا العدد. لم يُحقّق مع المسؤولين عن هذه الانتهاكات الخطيرة بل أن الكثير منهم كُرّموا بالترقية أو بالمكافآت لقاء "جهودهم في مكافحة الإرهاب".

لا تتوقّف الملاحظات على حقبة أوريبي عند انتهاكات حقوق الإنسان في بلده, فاستهتاره بالقانون الدولي الناظم لعلاقته مع جيرانه و مع الهيئات و المنظمات الدولية نقطة أخرى تجلب له الكثير من الانتقادات و المشاكل الديبلوماسية مع جيرانه و خصوصاً مع فنزويلا, التي أنهى أوريبي حكمه قريباً من النزاع العسكري معها بعد اتهامه حكومة هوغو شافيز بدعم الميليشيات المتمردة و تسهيل عملها في المنطقة الحدودية بين دولتيهما, و كثيرةٌ هي القضايا التي يُتهم أويبي باختراق القانون الدولي فيها, ففي كانون الأول من عام 2004 اختطفت الاستخبارات الكولومبية القيادي في القوات الثورية الكولومبية ألبرتو غراندي من داخل الأراضي الفنزويلية دون التنسيق مع حكومة فنزويلا, و في آذار 2008 و خلال "عملية فينكس" قصفت قوات الجيش الكولومبي الجوّية معسكرات للميليشيا المتمرّدة داخل الأراضي الأكوادوريّة ثم توغّلت القوات البرية و قتلت راؤول ريجيس, القيادي التاريخي في القوات الثورية الكولمبية, و قد تسببت تلك العملية بأزمة دبلوماسية حادّة بين كولومبيا و العديد من حكومات أميركا اللاتينية التي سحب بعضها سفراءها من بوغوتا احتجاجاً على خرق أراضي الإكوادور, و بعدها بأربعة أشهر قامت وحدة من الجيش الكولمبي بالتوغّل داخل الأدغال الواقعة تحت سيطرة ميليشيا القوات الثورية الكولمبية على متن طائرة هيلكوبتر مدهونة بالأبيض و عليها إشارات منظمة الصليب الأحمر الدولي, و استخدم الجنود علامات تعريف المنظمة الدولية و بطاقات صحفية مزيّفة لخداع مقاتلي الميليشيات و الوصول إلى مواقعهم حيث تمكنوا من إطلاق سراح العديد من المختطفين من بينهم المرشحة السابقة لرئاسة كولومبيا إنغريد بيتانكور, و تُعرض طائرة الهليكوبتر ذات الإشارات المزيّفة للمنظمة الدولية في المناسبات العسكرية بكل فخر دون أن يدري القادة العسكرية (أو دون أن يهمهم) أنهم بعرض هذه الطائرة يفخرون بخرق مواد القانون الدولي الخاص بعمل هيئات الإغاثة الدولية و ضرورة إبعادها عن النزاع العسكري.

تاريخ أوريبي الحافل بدلائل عدم التزامه شكلاً و مضموناً بالقوانين الدولية و الأعراف الإنسانية كان سبباً لاستنكار عشرات المنظمات الدولية لتعيينه في لجنة التحقيق الدولية الخاصة بالاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرّية, و أرسلوا بهذا الشأن رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في التاسع من آب احتجاجاً على هذا التعيين, و ردّ بان كي مون على هذه الاحتجاجات بتأكيد ثقته بأوريبي.

ليس هذا التعيين طعناً في مصداقية لجنة التحقيق (و بالتالي مصداقية الأمم المتحدة) فحسب حين تمنح "صكّ غفران" دولي لشخص مثل أوريبي بتعيينه محققاً يُفترض أنه يسهر على حسن تطبيق القانون الدولي, بل أنه يفرض الشك في مقدرة اللجنة على التحقيق بشكل جدّي في قضية انتهاك القانون الدولي نظراً لأن أحد أعضائها الرئيسيين ينتمي إلى نفس العقلية المحرّكة للقيادة العسكرية الإسرائيلية, و أيضاً لنفس المعسكر السياسي.

الصورة: جورج بوش الابن يُقلّد حليفه الإقليمي ألبارو أوريبي وساماً منذ سنوات (المصدر)

27 آب 2010

في الثورة, و الجنون..

Lalocuradelquijote- Andy Irizarry

" في مرحلة معيّنة من العمر يريد الإنسان أن يهدم العالم, يريد ألاّ يُبقي حجراً على آخر, و يريد أيضاً أن يعيد بناء هذا العالم وفقاً لصورته المثاليّة. و لكن لأن الفرد ضعيف, و لا يعرف الصبر و المثابرة, لا يلبث أن يكتشف يوماً بعد آخر مدى عجزه, و هذا الاكتشاف يؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما التسليم أو الجنون.. أغلب الناس يسلّمون, و مع مرور الأيام يقتنعون بأن تسليمهم كان الحكمة بعينها, و لكن يبقى حنينٌ من نوعٍ ما يملأ صدورهم, خاصّة حين يتذكرون. و هكذا يصبحون حكماء بمعنى ما, و يعيشون ثم يمضون… أما المجانين فإنهم لا يسلّمون و لا يتوقّفون عن المحاولة, و عند ذاك, يحصل شيءٌ ما. لا أعرف بالضبط ما هو هذا الشيء, و لا أستطيع تسميته. لكنّه من القوّة و التأثير إلى درجة لا بدّ عندها أن يحدث تغييراً كبيراً, و هذا التغيير إما أن يصيب المجنون ذاته أو أن يصيب العالم. إذا أصاب الشخص, مضى في الشوارع هائماً حالماً, ينظر إلى كلّ شيء بترفّع و سخرية كلّية. أما إذا أصاب العالم, فعندئذ سيرتج العالم و يتشقق.. ثم ينهار كي يقوم على أنقاضه عالم آخر… عالمٌ أقلّ ما يقال فيه عندئذ أنه يرضي الكثيرين و يحلّ مشاكل الكثيرين"

عالمٌ بلا خرائط – عبد الرحمن منيف و جبرا إبراهيم جبرا (قراءة في الرّواية)

اللوحة: جنون دون كيشوت (La locura del Quijote- Andy Irizarry)

24 آب 2010

أوراق كفر نصر ( 3 ): أبو فخري

BrokenByJosephMinton

-1-

أبو فخري هو صاحب الورشة الوحيدة لصناعة الأواني الفخارية في كفر نصر, و هي مهنةٌ ورثها أباً عن جد و قدّمت له, عدا عن وضع مادّي أفضل بكثير من غالبيّة أهالي البلدة الذين يعتمدون في رزقهم على انتظار غمامةٍ تائهة علّها تروي حقولهم العطشى, قدّمت له اسم ابنه البكر, فحين كان يافعاً كان أقرانه الغيورين من غناه يسمّونه "أبو فخّار" و يستمتعون برؤيته يغضب و يبكي رافضاً هذه التسمية, لكن رأيه تغيّر بعدما كبر و عرف أن الفخّار هو مصدر رزق كبير, و لذلك اشتقّ من حروفه اسم أول أبنائه.

-2-

بعد أكثر من عقدين من تسلّمه شؤون الورشة بعد وفاة والده اكتشف أبو فخري في إحدى زياراته للعاصمة أنّ تجارة الأواني الزجاجيّة و البلاستيكيّة أرخص كلفةً و أسرع ربحاً من صناعة الفخّار و بيعه, فحوّل الورشة إلى متجر مستلزمات منزلية من أواني و أدوات مطبخ, و كان يستجرّ بضاعته من أحد تجار الجملة الذين يتعاملون مع الصنف الرخيص و يبيعها في البلدة بضعف سعرها للسكان الذين أقبلوا على شراء البضاعة الجديدة بحماسٍ و أعجبوا بنوعيّة الأواني الجديدة و اعتبروا وصولها تطوّراً كبيراً في البلدة باعتبار أنها قادمة من العاصمة.

بعد أقل من سنتين على افتتاح المتجر اكتشف أبو فخري أنّ هناك ربحاً أكبر يمكن أن يأتي لو يبدأ باستجرار الأواني الزجاجية و هي مليئة.. بالمشروب! و لذلك بنى قاعةً كبيرة بجانب المتجر و افتتح بها حانةً و كلّف ابنه الأكبر فخري بإدارتها, و ازدهر المشروع الجديد بسرعة رهيبة, ما جعله يترك المتجر القديم لابنائه الصغار و يجلس على كرسيه الأشبه بالعرش في الحانة.. كان قد أصبح أغنى أغنياء البلدة.

-3-

ذات مساءٍ فُتح باب الحانة, التي كانت مليئة كالعادة, و دخل أبو فخري عارياً كما ولدته أمّه, و فوجئ الحضور بهذه الطلّة الغريبة فجعلوا ينظرون إليه بدهشة و بصمت و هو يتجوّل بين الطاولات و عيناه تلمعان بشدّة و على فمه ابتسامة توحي بمزيجٍ من الغموض و البلاهة..

وصل إلى "عرشه", لكنه لم يجلس, و استدار نحو الحضور و بدأ يشتم غباءهم الشديد و جنونهم في اختراع جدّ لم يكن له وجود فقط من أجل تحميله مسؤولية ما يجري لهم من نكبات, و بعد أن انتهى من الحديث إليهم بصيغة الجماعة بألفاظٍ فاحشة لم يسمعها أحدٌ منه قبلاً همّ بتناولهم فرداً تلو الآخر بالشتم و بتذكيرهم بأسباب حياتهم البائسة, و لم يكد ينتهي من "ضحيته" الأولى حتى طارت الكؤوس و الزجاجات و الكراسي تجاهه و كأنها أقلعت بإيعاز صفّارة خفيّة, و لم تزل تنهال عليه قطع الأثاث و الأواني حتّى أسلم الرّوح..

-4-

فور تأكّد روّاد الحانة من وفاة أبو فخري تحت ضرباتهم و رجماتهم التفتوا نحو فخري و شرعوا يعزّونه و يشاركونه حزنه و ألمه, و سرعان ما اتفق الجميع على أن العجوز كان ممسوساً و لم يكن هو الذي يتحدّث بل أحد الشياطين الرجيمة, و لذلك كان قتله أفضل ما يمكن فعله له. ارتاح الجميع لهذا الاستنتاج و شربوا نخب أبو فخري حتّى قبل أن يرفعوا عن جثّته بقايا الكراسي المتكسّرة.

اتفق رجال البلدة على دفن أبو فخري في الطرف الآخر من التلّة بدل المقبرة من أجل عدم منح فرصة للشيطان الذي ركبه لإقلاق أرواح المدفونين, و خلال فترة زمنية بسيطة تحوّل أبو فخري في أذهان أهل القرية إلى ولي و صاحب كرامات, فبنوا سوراً حول قبره و طلوه بالأسود و الأبيض و شرعوا يزورونه التماساً لشفاءٍ أو إنجابٍ أو رزق, و أصبح لفخري هيبة إضافية عدا عن غناه و امتلاكه للحانة بأن اعتبروه صاحب قدرات سحرية بفضل قدرته على الاتصال بوالده.

-5-

لم تدم أسطورة أبو فخري كثيراً, فعندما بدأ أبو نصر بالحديث عن انتسابه لذريّة نصر نسي الجميع أبو فخري و كراماته, لكن عادة زيارة القبر و التبرّك به لم تنقطع إلا أنه لم يعد قبر أبو فخري بل أصبح قبر نصر, الجد الأكبر.. و حين اختفى "الخواجة" و نسيه أهل البلدة أٌهمل القبر و تحوّل بعد ذلك إلى مزبلة, أسوةً بمقبرة البلدة, و بذاكرة أبنائها..

الجزء الأول: البلدة

الجزء الثاني: الخواجة

اللّوحة: Broken- Joseph Minton

22 آب 2010

تنظيرات و هرطقات مأسوف عليها

igualdad

تُبنى الدولة على أساس ثابت عندما تلتقي ابنة "القرعة" و ابن "أم جدايل" في نفس المدرسة المجّانية ليدرسوا نفس المنهاج الجيّد و الصادق و النزيه مع تاريخ محبّتهم (أو عدم محبّتهم) و يلعبوا في نفس الباحة تحت نفس الشمس و المطر.

و تُبنى الدولة كذلك عندما يلتقي الأشقر و الأسمر في ذات المشفى المجّاني ليتلقوا نفس العلاج الفعّال, و لا يضطر ابن "القرعة" أن يلبس باروكة كي يتساوى معهما..

...

كي تتصل نخبة فكرية مع الشعب الذي يُفترض أنها تطمح و تحلم بقيادته و الارتقاء به حضارياً و تفهمه و تجعله يفهمها يجب على الأقل أن يتحدّثوا بنفس اللغة.

نؤكّد: ذا سيم لانغويج..!

...

للشوفينية و الطائفية و العشائرية و كل ما يلحق بهم من أساطير منخورة (و ناخرة) تعريفان, أو تعريف مزدوج ينفع لها جميعها:

هي الطريقة التي يمكن بها إقناع مجموعة من الفقراء و المحرومين بأن هؤلاء الأغنياء بالذات و ليس غيرهم هم الذين يحقّ لهم استنزافهم و استعبادهم.

أو..

هي الطريقة التي يمكن بها إقناع مجموعة من الفقراء و المحرومين بأنهم أفضل من أي مجموعة أخرى من الفقراء و المحرومين لأنهم يتمتّعون دون غيرهم بشرف كونهم مُستعبدين و مستنزفين من قبل هذا الغني المبارك (عقائدياً أو قبلياً).

...

مأساة الشعارات أن (أغلبها) يطرح حقائق غاية في الأهمية, و لذلك فعندما تُكرّر و تجتر و تفرّغ من مضمونها و تتحوّل لنكات فإنها تسحب معها هذه الحقائق المهمّة إلى درك الابتذال في أذهان ضحايا الشعارات.

...

في زمان المكياج و البوتوكس و عمليات التجميل ,الرجّالية منها و النسائية, تحوّل معيار الجمال أيضاً إلى جزء من صراع الطبقات.

نم قرير العين يا كارل ماركس..

….

مصدر الصورة

20 آب 2010

مسجد مانهاتن, هل يكون هديّة مسمومة؟

gran_mezquita zona cero

بتصويت بلدية نيويورك ضد منح الصّفة التاريخية لأحد المباني القريبة من "المنطقة صفر" أوائل الشهر الجاري مُهّد الطريق لمشروع المجمّع الإسلامي المزمع إقامته مكان هذا البناء بكل ما يعني ذلك من رمزية إن كان للموافقين أو للمعترضين, فالآراء تدرّجت بين دعم القرار و مدحه بوصفه خطوة هامة في طريق المصالحة بين جميع الديانات في الولايات المتحدة و بين رفض سارة بالين و باقي أعضاء "حزب الشاي" التي يمكن وصفها بالمتطرّفة و الهستيريّة في إبراز كرهها للإسلام و المسلمين دون أي لفٍّ أو دوران, و رغم أن النظرة الأولى للمسألة قد توحي بتمايز قطبي السجال و وضوح طروحاتهم و نواياهم إلا أنه قد يكون من المفيد البحث عن معاني ممكنة لهذا المشروع قد لا تكون ظاهرة للوهلة الأولى.

لا يتعلّق الأمر بالتشكيك بالنوايا (أو بأغلب النوايا) تجاه إيجابية إقامة مشروع المجمّع الإسلامي في هذا المكان بالذات بكل ما يعنيه ذلك, لكن قد يكون من المفيد التساؤل إن كان هذا المشروع هو الطريق الأمثل لإرساء ثقافة التسامح بين الأديان, خصوصاً بعد الحملة الإعلامية و الثقافية الشرسة التي تعرّض لها الإسلام و المسلمون طيلة السنوات السابقة من ربط عضوي للإسلام بالإرهاب و اعتبار كلّ مسلم مشروع إرهابي حتّى و إن ثبت العكس. هناك خطاب واضح المعالم (و ينال تأييداً من جانب كبير من الجمهور المسلم) يتحدّث عن المشروع كتمثيلٍ لطيّ صفحة الخلاف و إرساء دعائم التسامح و السلام مع الإسلام بعد الأعوام العصيبة السابقة. لن نسأل إن كان هذا الخطاب حسن النوايا أم لا, لكن يجب أن نفكّر بعمق إن كان خطاباً مفيداً للإسلام كدين و للمسلمين كمجموعة إنسانية باعتبارنا نتحدّث عن مسجد بوصفه الرمز الجامع للإسلام و المسلمين.

عندما نسلّم بصحة الحديث عن "طيّ صفحة" فإننا نقبل ضمنياً أن هذه الصفحة التي يريد الجميع أن تطوى كانت مفتوحة مع الإسلام كمفهوم شامل (أي ليس فقط كمجموعة معتقدات و مجموع المؤمنين بها باختلاف درجات التزامهم بهذا الإيمان و إنما كل الدائرة الحضارية المحيطة به, دون استثناء الأقليات الدينية المسيحية و غير المسيحية المقيمة في العالم الإسلامي), أي أن الإسلام هو من فجّر مبنى التجارة العالمي و حافلات لندن و قطارات مدريد (و جميع المسلمين بالتالي مسؤولون عن ذلك), و يزداد هذا المعنى وضوحاً عندما نسمع من يتحدّث عن التسامح و هو يقصد الصفح أو السماح. ألا يمكن اعتبار موافقة السلطات على إقامة هذا المجمع الإسلامي في هذا المكان بالذات و كأنه إعلان صفحٍ عن الإسلام و المسلمين على ما اقترفوه على بعد أمتارٍ قليلة من هذا المشروع ؟ إلا يمكن اعتبار قبول خطاب الصفح هذا (حتى لو كان موجوداً للاستهلاك الداخلي فقط) و كأنه قبول بالتهمة بشكل ضمني و بالتالي اختصار كلّ ما حدث في العقد الماضي إلى هجومٍ للإسلام على "الحضارة الغربية" ردّت عليه الولايات المتحدة و حلفاؤها بالدفاع عن أنفسهم بحروب أفغانستان و العراق (و حروب أخرى عبر الوكيل الإسرائيلي, رأس حربة الغرب المسيحي- اليهودي في صراعه مع الإرهاب الإسلامي حسب توصيف المحافظين الجدد) و الآن ستمدّ الولايات المتحدة يد الصفح و السماح لهذا المعتدي و إنهاء النزاع؟

لا ينفع هذا الخطاب و نتائجه في تبرئة الإسلام من إرهاب تنظيم القاعدة و توابعه (لنتذكّر أن ضحاياهم من المسلمين هم أضعاف ضحاياهم من غير المسلمين) بل أنه يساهم في تعزيز التهمة على الإسلام و المسلمين ككل و بمباركة جمهور إسلامي واسع, و أيضاً يساهم في تبرئة المحافظين الجدد و سياساتهم تجاه المنطقة العربية و الإسلامية التي تسبّبت بمئات الألوف من القتلى و ملايين اليتامى و الأرامل و مشوّهي الحرب و دولتين مدمّرتين بشكل كامل و دون أي أفق مستقبلي إيجابي بالحدّ الأدنى و اعتبارها جزءاً من صراعٍ مع الإسلام خلال فترة عصيبة على الجميع تنتهي بمصالحة على شكل مجمع إسلامي على بعد أمتارٍ فقط من المنطقة صفر, الرمز الأبرز الذي استخدمه المحافظون الجدد لنيل المباركة الشعبية لسياسات و هجمات عسكرية ترتقي (أو تنحدر) إلى مصاف أبشع الجرائم ضد الإنسانية. هل الولايات المتحدة هي المخوّلة أخلاقياً بالصفح و طيّ الصفحة؟

لا شك أن المسلمين الأمريكيين بحاجة إلى تحرّكات ترفع عنهم وصمة الإرهاب التي حُكموا بها على مدى السنوات السابقة, لكن إنشاء مجمع إسلامي في منطقة ذات رمزية معيّنة بشكل معزول دون أي سياسات أخرى لا يكفي, بل ربما يكون له تأثير معاكس, فجزءٌ من الموافقين يرفقون موافقتهم بما يشبه المنّة, و المعترضون يستمرون بأبشع شعارات الإسلاموفوبيا لتبرير رفضهم. لا يمكن حلّ هذه المعضلة دون التصدّي بشكل مباشر للأسباب التي أدت لنشوئها و ترسيخها من إجراءات إدارية و أمنية تمييزية و خطاب إعلامي عنصري و متطرّف في كراهيته الصريحة للإسلام و حقن الرهبة من الإسلام من المسلمين في الثقافة الشعبية عن طريق السينما و التلفزيون و غيرها, وهنا يجب ألا ننسى مسؤولية النخب الاقتصادية العربية ذات الاستثمارات الإعلامية التي لم تكتفِ بعدم الاستثمار في خطاب إعلامي عصري و حضاري و نافع إن كان للاستهلاك الداخلي أو الخارجي بل استثمرت ملايين الدولارات في ذات الوسائل الإعلاميّة التي تظهر عليها سارة بالين و أمثالها للعربدة و الزعبرة ضد الإسلام و المسلمين و للترويج لصراع الحضارات, هذه ليست نظرية مؤامرة و إنما صفقات علنية و واضحة و بيّنة تستحق أن توضع إشارات الاستفهام (و التعجّب) حولها.

لا شك أنّ من حقّ مسلمي أميركا أن يبنوا المجمعات التي يشاؤون, و من حقّهم أيضاً أن يمارسوا شعائرهم بكل الحريّة التي يكفلها الدستور الأمريكي, و أهداف الكثير من الشخصيات الإسلامية البارزة في إدخال الإسلام داخل منظومة التعايش المشترك نبيلة و تستحق التنويه و الشكر, لكن ربما علينا أن نتساءل إن كان الدخول في جدال حول رمزيّة المكان من عدمها مفيدة لهذه النوايا, ليس فقط من جهة إمكانيّة قراءتها كإعلان صفحٍ أمريكي على ذنب لم يقترفه الإسلام بل كان الإسلام ضحيّته, و إنما أيضاً لأن آلية هذا الجدل و إصرار بعض الأًصوات الإسلامية على معركة الوجود الرمزي بشكل خاص يكاد يكون حصرياً قد تحوّل بناء هذا المجمع من قضيّة بحث عن تعايش مشترك و تآخي بين الأديان إلى مجرد نزاع "جكارة و جكارة متبادلة".

..

الصورة: مجسّم مشروع مجمع قرطبة الإسلامي في مانهاتن, نيويورك (المصدر)

18 آب 2010

شظايا .. XIV

El_sueño_de_la_razón_produce_monstruos

إنّ أوهى أنواع الهويّات و أقلّها صموداً و ديمومةً هي تلك المبنيّة على الكراهية, و لا يعود هذا الكلام إلى نزعة رومانسية نحو الحب بل لأن هذه الهويّات الكارهة لا تقف على أساسات الذات و إنما تتعلّق بشمّاعة الغير و ما تكره فيهم, و هذا يعني أنّها تربط مصيرها بهذا الغير الذي تكره.

عندما يكون المرء أبيضاً لكرهه للأسوَد, صغيراً لكرهه للكبير أو جنوباً لكرهه الشمال فإن عليه أن يتساءل (و يخطط) مَن سوف يكون لو غاب الأسود, مات الكبير, أو مُسِح الشّمال..

...

ماتَ من الجّوع.. فكرّموه بتسمية مطعمٍ فاخر باسمه..

...

أيّ قضيّة لا تضع على رأس أولوياتها غير القابلة للتأجيل مشروع إنسانٍ حي و حر و حيوي و محب للحياة, ذو حقوقٍ تسمحُ له بأن يبني لنفسه تلك الحياة التي يحبّ أن يحيا ليست قضية فاشلة فحسب و إنما يجب أن تُحارب و يحارب معها أيّ ظرفٍ أو عاملٍ يجعلها تسود و لو ثانيةً واحدة في ساعة التاريخ.

...

ليس صحيحاً ما يُقال عن أنّ الإنسان قبل التطوّر التقني كان أبسط و أقل تعقيداً و أسمى مشاعراً. لقد كان معقّداً و بسيطاً و سامياً كما هو الآن, خسيساً و شريراً و نذلاً كما هو الآن, نبيلاً و كريماً و طيّباً كما هو الآن.. الفارق هو أن التطوّر التقني و العلمي منحَ الإنسان أدواتٍ أقوى و أكثر فعاليّة كي يمارس ذاته, فصارت الأعشاب و التعاويذ أدويةً كيميائية و شعاعيّة, و أصبح الحصان طائرةً نفّاثة و ورق البردي بريداً الكترونيّاً.. و أيضاً أصبح السّيف رشّاشاً أوتوماتيكيّاً و الحجر قنبلة عنقوديّة و الشتيمة و اللعنة غاز خردل.

الوحشيّة التي كانت تجعل الفأس الحجري يهشّم جمجمة هي ذاتها التي تدمّر مدينة بقنابل موجّهة بالليزر.. أي أن الإنسان, رغم العلم و رغم التقنية, ما زال على غباء سكّان الكهوف, أي أنه ما زال على تلك "البساطة".

...

التاريخ سردابٌ طويلٌ مظلم.. مليءٌ بالتحف الثمنية و مسكونٌ بالأفاعي السّامّة.

….

اللوحة: غفلة المنطق تُنتج الوحوش (فرانثيسكو دي غوجا)

16 آب 2010

رقابة..

ali ferzat

الرقابة هي إحدى أكثر أسلحة الحكم في الدول الاستبدادية فتكاً, فهي تحجب المعلومات و الأفكار و الآراء التي قد تكون مزعجة للحكّام و ناقدة لأساليبهم و مناقضة لفكرهم و لا تصل إلى الشعب الذي يُمنع من رؤية شيءٍ آخر مختلف عن رواية أصحاب السلطة و ثوابتهم و وقائعهم, و مع دوام حجب هذا الآخر النقيض يصبح للحقيقة عند هذه الشعوب وجهاً واحداً فقط لا أخ له و لا ابن عم و لا عدو.

يحارب دعاة التحرر الرقابة و يناضلون ضدها (و يتحايلون عليها) لإيمانهم بأن الحقيقة إن وصلت إلى أذهان الشعوب فإنها ستجعلهم ينتفضون ضد الطغيان و الديكتاتورية.

في المقابل نجد في دول أخرى ذوات الكروش الديمقراطية المتخمة بالحرّيات واقعاً مناقضاً تماماً, فالمعلومات و الأفكار و الآراء متوفّرة بسخاءٍ لدرجة أن لا أحد يهتمّ بها و لا يعيرها أي اهتمام.. في مجتمع ما بعد الحداثة انقلب معيار أن المعرفة طريق التحرر إلى حقٍّ شبه مقدّس يحارب المواطن من أجله و ينص على أنه من حقّه ألا يفكر و ألا يهتم, و لكن عندما يحاول أحدٌ حجب معلومة عنه فإنها تصبح مهمّة بشكل آلي و يبحث عنها بإصرار رغم أن أخوات هذه المعلومة مرميّة أمامه و لا يعيرها أي اهتمام, و هذه سمّى أهل العلم هذه الظاهرة بـ "ظاهرة ستريسند" نسبةً إلى المغنّية الشهيرة باربرا ستريسند التي حاولت منع نشر صورٍ لساحل كاليفورنيا يظهر منزلها فيها, فكانت نتيجة محاولة المنع هذه أن الصور انتشرت على الشبكة العنكبوتية كالنار في الهشيم..

هذا يعني أن المشكلة ليست في الرقابة, أو ليست في الرقابة بحد ذاتها, أو ليست فقط في الرقابة, أو.. أو

في الحقيقة لم نعد ندري أين المشكلة أساساً..

...

محسوبكم لا يتابع أي مسلسل رمضاني, و مع ذلك أصبح خبيراً بالمسلسلات الرمضانية و يعرف قصصها و أحداثها فقط بمتابعة الصحف الالكترونية و ما تنشر من مطالبات منع و هجومات و هجومات مرتدّة من و إلى المخرجين و الممثلين و كتّاب السيناريو.

إن بقي مسلسلٌ رمضاني لم يُطالب أحدٌ بمنعه فأنا أتبرع لمخرجه إن أراد أن أطالب بمنعه..ما حدا أحسن من حدا.

...

طرفة ملطوشة *

يروى أن أحد مواطني المرحومة ألمانيا الديمقراطيّة "الشرقيّة" (و ألمانيا الديمقراطية كانت ديمقراطية بنفس درجة جمال المساعد جميل) حصل على عمل في أقصى شرق الاتحاد السوفيتي (المرحوم هو الآخر), أي في سيبيريا.. و بسبب يقينه بأن رسائله ستُقرأ من قبل رقابة البريد فقد اتفق مع أصدقائه على أنه عندما يكتب الرسالة باللون الأزرق فإن ما يكتبه حقيقي, و عندما يكتب الرسالة باللون الأحمر فهذا يعني أن كل ما يكتبه كذب و عليهم أن يفهموا أنه يقصد المناقض لكل ما هو مكتوب.

بعد مرور أسابيعٍ قليلة على رحيله وصلت رسالة منه إلى أصدقائه مكتوبة بالحبر الأزرق و تقول:" هنا كلّ شيء رائع و ممتاز, المحلات مليئة بالبضائع, الطعام وفير و لذيذ, الشقق واسعة و مريحة و تتمتع بأجهزة تدفئة ممتازة, دور السينما تعرض أفلاماً غربية حديثة و هناك مئات الفتيات الجميلات المستعدات لخوض مغامرة عاطفية.. الشيء الوحيد الذي لا يمكن الحصول عليه هنا هو الحبر الأحمر".

*من كتاب (Welcome to the desert of the real) للفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك.

...

في قرار وُصف بأنه سيادي منعت بعض الدول بعض خدمات هاتف البلاك بيري الشهير بحجّة أنه محصّن ضد المراقبة الالكترونية..

هل يعني هذا أن كل ما عدا مسنجر البلاك بيري... مُراقب؟!

الكاريكاتير للفنان علي فرزات

11 آب 2010

أوراق كَفَر نصر ( 2 ): الخواجة

joseph minton dillusion

-1-

كم مضى عليه و هو يهرول في البرّية المقفرة؟ كم ساعةً مضت منذ أن فقد مطاردوه أثره؟ ما هذه البلدة القميئة النائمة على سفح تلّة رمادية جرداء؟

دفع باب الحانة دون أن ينجح في تجنّب النظر خلفه و كأنه يتأكد للمرّة الأخيرة أنه ضلل ملاحقيه, و حين أصبح داخل تلك الحانة القذرة تجمّد أجزاءً من الثانية عندما رآها مليئة بالرّجال.. أيّ حجّة سيستخدم لتبرير وجوده في هذه البلدة الضائعة من كلّ شيء؟ لا بأس.. ستسعفه البديهة بشيءٍ ما, و على كلّ حال لم يبد أحدٌ اهتماماً و لا انتباهاً للغريب الداخل.

جلس بجانب أول رجلٍ رآه منحنياً على قدحه يضحك و يبكي في آنٍ معاً, و بعد لحظة صمتٍ سأله:" يا أخ.. اعذرني فأنا مسافرٌ غريبٌ عن المنطقة, ما اسم بلدتكم؟"

كمن يرى كائناً مريخياً أخضر اللون بحلق الرّجل في الغريب و هزّ رأسه نافياً, و حين كرر الغريب السؤال عن اسم البلدة رفع الرّجل صوته كي يسمعه الجالسون على المنضدة القريبة و قال:" هذا الرّجل يريد أن يعرف اسم هذه البلدة, هل تمتلك هذه البلدة اللعينة اسماً؟"

هكذا بدأ الجدال حول ضرورة إيجاد اسمٍ للبلدة, و بقيّة القصة معروفة..

أصبح اسم البلدة "كفر نصر" و أصبح الغريب "خواجة" عندما أخرج من زوّادته قطعتين فضّيتين و طلب من صاحب الحانة أن يسقي الجميع احتفالاً باسم البلدة الجديد.

-2-

انخرط الخواجة في حياة البلدة بسرعةٍ ارتاح لها كثيراً, و ساعده على ذلك أن البلدة و سكّانها قد اعتادوا على غياب الأجوبة فلم يطرحوا الأسئلة.. و توطّدت علاقته بفخري الذي أجّره أحد بيوته الخالية عندما رأى ثروته الفضّية ثم أدخله شريكاً في الحانة لذكائه و نظرته التجاريّة الثاقبة, فقد اقترح الخواجة على فخري أن يُعلن للزبائن أنّ الحانة تقدّم قدحاً رابعة مجّانية بعد كلّ ثلاثة أقداح, و بنفس الوقت يرفع سعر القدح إلى الضعف و يخفّض كمّية المشروب إلى النصف بخلطه بالماء, و بهذا الشكل يحتاج السكارى لطلب مزيدٍ من الأقداح قبل أن يسقطوا على الأرض مغشياً عليهم, فالشرب دون الوصول إلى أعلى درجات السكر عارٌ على الرّجال.. لم يكن أحدٌ يذكر أصل هذا العرف المقدّس و لكن الخواجة استنتج أنّ لفخري يدٌ في كتابته في الأذهان.

بمرور الأيام ازداد فخري و الخواجة ثراءً بنفس الوتيرة العجِلة التي ازداد فيها أهل البلدة فقراً.. و قد احتار الرّجال في سبب نفاذ نقودهم بهذه السرعة الرهيبة, فالآن يشربون أربع أقداح بسعر ثلاثة فأين يذهب المال؟ و قد اضطر أغلبهم للاستدانة من الخواجة بفائدة عالية لم يعترضوا عليها لغياب البديل و لخوفهم على هذا القدح الرّابع الذي روّج الخواجة أنه مجّاني بفضله..

-3-

تزامن نسيان الرّجال أصل اسم بلدتهم و ظهور أسطورة جدّهم الأكبر نصر مع تبدّل اسم الخواجة, الذي لم يعد أحدٌ يذكر متى و كيف ظهر في القرية, تدريجياً إلى أبي نصر, و أصبح يلبس ثياباً بيضاء ناصعة بصفته حفيداً مباشراً للجد الأكبر نصر, و قد اقتنع أهل البلدة جميعاً أن أبو نصر هو الحفيد المباشر للجد الأكبر, أي ابن ابنه الوحيد, فباقي أبناء البلدة هم أحفاد نصر غير الشرعيين و ناتجون عن فسقه و فجوره و لذلك هم ملعونون, بينما أحفاد نصر من ابنه الشرعي الوحيد هم الناجون من لعنة النحس, و لم يعرف أهل البلدة أيضاً من أين جاءت زوجة أبي نصر التي لبست الأبيض الناصع هي الأخرى و نالت صلاحية تسخير نساء البلدة للعمل في بيتها متى ما شاءت.

كان أبو نصر كثير الحديث عن الجدّ الأكبر, يبجّله و يعظمّه أو يلعنه حسب ما يقتضيه سياق الخطاب, و قد ساهمت هواية فخري في السحر في منح أبي نصر سمعة القادر على شفاء الأمراض بقدراته الخارقة النابعة من نسبه الشريف.. لم يشف أحدٌ ببركات أبي نصر لكن لم يجرؤ أحدٌ على التشكيك بهذه القدرات..

-4-

ذات صباحٍ مغبر كالعادة وصل إلى القرية مرسالٌ مستعجلٌ من العاصمة طالباً مقابلة مختار البلدة, فأوصله الرّجال إلى دارة أبي نصر الذي كان يقوم بكل أدوار السلطة بالتشاور مع فخري, الذي ترك العمل في الحانة لأجراءٍ أوفياء و لبس هو الآخر الأبيض و استوطن مضافة الدارة جالساً على يمين أبي نصر. و سأل أبو نصر المرسال عن مراده فأخبره أنّ الحكومة الجديدة تنوي استثمار أموالٍ طائلة في المنطقة لتنميتها بعد عقودٍ طويلة من الإهمال التام, و أنها تطلب من مخاتير البلدات الحضور إلى العاصمة لكي يعرضوا متطلّبات بلداتهم و ما حولها من بنى تحتية و أبنية و غيرها, و فور نيل الموافقة على طلباتهم سيُمنحون المال اللازم لإقامة هذه المشاريع ليديروها بنفسهم و بهذا الشكل يساهمون في تشغيل أبناء المنطقة في هذه المشاريع.

سمع الرّجال كلام المرسال فانفجروا فرحاً و احتفالاً.. شاتمين التلّة الجرداء التي أكّدوا أنهم سيفجّرونها و يقيمون حديقةً غنّاء مكانها, و شكروا أبو نصر على هذه النعمة التي حلّت على البلدة بفضله و ببركته, و طلبوا منه الإسراع بالسفر إلى العاصمة كي يحصل على الأموال الحكوميّة بأسرع وقت ممكن, فاستجاب أبو نصر لمطالبهم و وافق على السفر بعد تمنّع متصنّع أراد منه أن يترجوه و يناشدوه و يمدحوه أكثر كي يوافق.

بعد ساعات قليلة فوجئ الرجال بوصول شاحنتين كبيرتين إلى دارة أبو نصر, نزل منهما بعض الشبّان الذين بدأوا بتحميل كلّ الأثاث و المتع و الكنوز الموجودة في الدارة, فذهبوا للاستفسار من أبي نصر فقال لهم:" هذه سياسة يا سادة, باشوات العاصمة ينتظرون أن يأتي إليهم مخاتيرٌ جهلة و فقراء يستطيعون الضحك عليهم بالملاليم, لكنني سوف أذهب إليهم بكامل حلّتي و مظاهر قدراتي لكي يعرفوا أنني لن أرضى بالفتات, و بهذا الشكل سيدفعون أكثر". أعجب الرّجال بحنكة أبي نصر و حكمته و تدافعوا راكضين إلى بيوتهم ليجيؤوا منها بكلّ شيءٍ ثمينٍ يملكونه للمساهمة في أبّهة موكب أبي نصر إلى العاصمة, و كان آخر العائدين بحملهم هو حمدي, الذي جاء راكضاً و هو يحاول ربط قشاطه الجلدي بعد أن اضطر لخلعه لـ "إقناع" زوجته بالتخلّي عن آخر أساورها.

بعد الانتهاء من تحميل كلّ الأمتعة انطلقت الشاحنتان خلف سيّارة سوداء فارهة قدمت هي الأخرى لتحمل أبي نصر و زوجته, و لحق كلّ الأهالي بالموكب حتّى خرج من البلدة, و كان أبو نصر يطلّ عليهم من نافذة السيّارة ملوّحاً بيده و واعداً بالعودة خلال أيامٍ قليلة.. أسبوع أو أكثر قليلاً.

-5-

انتظر أهل البلدة شهراً كاملاً عودة أبي نصر بأموال الحكومة و بأموالهم التي أخذها كي يرى أهل الحكم أنه لن يقبل بالفتات, و بعد اليوم الأربعين نسيه الجميع و عادوا إلى روتينهم الأزلي الكئيب, و خلع فخري اللباس الأبيض و طلّق زوجته و طرد الأجراء و عاد للعمل إلى حانته و ألغى القدح الرّابع المجاني و رفع سعر الأقداح و أضاف المزيد من الماء للشراب.

بعد أكثر من ستة أشهر على رحيل أبي نصر, و قبل الفجر بساعتين قال أحد الرّجال في الحانة:" يأتي على بالي منذ أيامٍ لقب الخواجة و لا أعلم لماذا.. هل يعني لكم هذا اللقب شيئاً؟".. تجاهله جميع الحضور الملتهين بأقداحهم و أحزانهم, لكن فخري رفع دلو ماءِ قذرة و أفرغه فوق رأسه صائحاً بوجهه:" قد شربت كثيراً و صرت تهذي, أغرب عن وجهي و انطلق إلى بيتك.. سكير!" و بصق خلف الرجل المسكين الذي خبط الحائط بوجهه قبل أن يجد الباب و يفتحه بصعوبة..

الجزء الأول: البلدة

..

اللوحة: Joseph Minton- Delusion

08 آب 2010

العام الثاني بعد درويش

mahmoud_darwish_press2

تحلّ الذكرى الثانية لرحيل محمود درويش في التاسع من آب الجاري لتعيد تأكيد تلك المقولة عنه بأنه شاعرٌ بقامة وطن, ففي حين غاب الشاعر في ضباب الموت و انتقل من وضعه كملحمة حيّة إلى أسطورة يترنّح الوطن محاولاً الهروب من سكرات الموت بين عثرات التجاهل و النسيان و العجز و الخيانة و يمشي مساقاً في طريق التصفية قرباناً للمصير الجبّار الذي كانت فلسطين رقماً شاذاً عن حساباته يجب مسحه و إنهاؤه.

لا يمكن إحياء ذكرى رحيل شاعر فلسطين دون المرور بأسى على حال تلك الأرض التي بنى مدنها و قراها و زرع بياراتها و مزارعها في وجدان أبناء اللجوء الذين كانوا يرون في مخيّلتهم السحرية عن طريق شعره ذاك الوطن الذي ينتظر عودتهم مفتوح الفؤاد و مرفوع الرايات.. مات الشاعر و غُيّب الوطن و ما زال اللجوء لجوءاً..

تصل الذكرى الثانية لوفاة محمود درويش إلى انسداد الأفق و ابتعاد المستقبل و فشل محاولات الهروب إلى خبايا قصائده للبحث عن وطنٍ كان يجب أن يكون رغم كلّ شيء, لكنه لم يكن بسبب كلّ شيء. الشعب الفلسطيني اليوم يعاني انقسام قيادته و نخبته و ضياع حقوقه بين محتلِّ غاشم لا يرحم و شقيقٍ أشقّ تحملاً من عدوِّ حاقد.. لقد كان الأمل ملجأ اللاجئين و مهرب الحالمين فأقام الواقع حاجزاً عسكرياً في الطريق إليه و جرّد العابرين من جوازات سفرهم إلى المستقبل, حتى لو كان مستقبلاً متخيلاً.

كانت فلسطين قضيّةً واحدة صعبة و لكنها بدل أن تُحل انقسمت إلى عشرات القضايا شبه المستحيلة, أصبح الخبز اليومي قضيّة, حصّة المدرسة قضيّة, المشي في الشارع قضيّة, الحياة بحدودها الدنيا أصبحت أمّ القضايا! هذا عدا عن معاناة الشتات الفلسطيني الذي يعاني ضيافة الأشقاء و عطفهم و حنانهم و تمسّكهم بحق عودتهم إلى ديارهم فقط لجعل إقامتهم جحيماً يجب أن يشكروا عليه.

ليست هذه الطريقة هي الأفضل و الأجمل لرثاء أحد أهم شعراء القرن العشرين, لكنّ الواقع اليومي حبس الحلم في زنزانات المستحيل و كبّل الكلمات بسلاسل التشاؤم اللزجة كالدم المراق في ملحمة العذاب المتجدّدة و المزمنة. إن القضيّة تطرد اليوم أبناءها من حولها أملاً منها في أن يهربوا من المصير الذي تُساق إليه, متجاهلةً أن مصيرها هو مصيرهم مهما هربوا و ركضو وراء الأشجار و الصخور و أحلام اليقظة و المنام.

تدريجياً نبدأ الحديث عن درويش كذكرى تبتعد.. و عن فلسطين ككوكبٍ من الخيال العلمي.. لكننا ما زلنا نتحدّث..!

كلّ سوداوية الواقع و كل تشاؤم الواقعية لا يمكنهما أن يمنعا حقيقة أن فلسطين ليست مجرّد حسابٍ يُصفّى, و أن الإنسان الفلسطيني و من ورائه الملايين الذين نالت كرامتهم الجنسية الفلسطينية سيصمدون ما دامت كلمة الصمود ابنة لغة الضاد.

لروح درويش تحيّة.. و لأرض فلسطين سلامٌ..

..

مصدر الصورة

05 آب 2010

أوراق كَفَر نصر ( 1 ): البلدة

Joseph_Minton_Disturbance2

-1-

لا تكلّف نفسك عناء البحث عن كفر نصر لأنك لن تجدها في أيّ مصوّر أو خريطة, فقد حملت متاعها و سكّانها و أحزانها و رحلت عن جميع الخرائط ذات يوم. أو طُردت منها. أو لم تُقبل فيها أساساً.. تتناوب الرّوايات حسب درجة سُكر و عمق اكتئاب البلدة أو أبنائها عند تكرار الرّواية.

لا شيء يجاور كفر نصر إلا تلّة جرداء و بائسة فشلت في الهرب من جارة الشؤم أسوةً بكلّ الغابات و الأنهار و الوديان و البحار و الصّحارى. و لم يكف التلّة المسكينة همّاً بجارتها البغيضة بل كان عليها أن تتحمّل حسراتها و آهاتها على عدم توفيقها بجارِ ذو قيمة كنهرٍ أو غابة, أو على الأقل بادية شهيرة بدل تلك التلّة العفنة و البشعة. كم تمنّت التلّة أن يشقّها زلزالٌ و يفتتها حجارةً تنهار على الجارة الشمطاء و تدفنها إلى الأبد.. أو معجزةً تحيلها بركاناً لتصبّ حممها الناريّة على البلدة و تحيلها تماثيلاً سوداء متفحّمة و تصير متحفاً يقصده الزوّار و السيّاح.

-2-

لا يمشي الزمن في كفر نصر بل يزحف على بطنه المشققة كثعبانٍ عجوزٍ يحتضر. لا ساعة تعمل فيها و لا تقويمٌ يصيب. لا أيامٌ لا أسابيعٌ لا فصول.. إلا فصول مسرحيّة النكبات الأزليّة.

لاقمراً يطلّ عليها و لا نجوم.. لم تستطع الشمس أن تتجنّبها بالكامل لكنها لا تشعّ عليها إلا ببقايا ضوءٍ يمرّ فوقها غاضّاً بصره و حابساً أنفاسه, ثم يرحل مسرعاً ليترك مكانه لظلامٍ منه الليلُ براء.

-3-

قعدت البلدة عقوداً بلا اسمٍ, فلا أحد يقصدها و نادراً ما يخرج منها أهلها, و حين يذهبون لبلداتٍ أو مدنٍ أخرى لا يحتاجون للتعريف عن أصلهم لأن "شؤمهم في وجوههم". لكنّ أهلها قرروا يوماً أن يختاروا لها اسماً مميّزاً (و لسبب هذا القرار قصّة ستأتي) و اجتمعوا للتشاور حول الأمر. لم يعرفوا في البداية أين يبدؤون بالبحث حتّى وصل فخري و طالب بأن يكون اسمها مركّباً و أن يبدأ بـ "كَفَر" كالبلدات المحترمة حسب رأيه, لم يعترض أحدٌ على طلبه لأن أحداً لم يكن يملك رأياً آخراً و لأنهم فضّلوا عدم معارضة فخري في كلامه, فأهل البلدة يتحدّثون عن ولعه بالسحر و معرفته بتعويذات تسلّط النحس على من يريد.. لم يكونوا متأكدين إن كان من الممكن أن يوجد نحسٌ أكبر من الذي ولدوا عليه لكنهم قرروا عدم قطع الشكّ باليقين, و عدا عن ذلك كان فخري صاحب الحانة الوحيدة في البلدة و كان يسمح بالسُكر "على الحساب" لمن يعتبره صديقاً.

حسناً.. ليكن ما يريد فخرى, لكن كفر ماذا؟ لا يوجد شيء مميّز في البلدة إلا التلّة.. عندها اكتشف الأهالي أن التلّة البشعة التي يكرهونها و يكرهون جوارها هي سمتهم المميّزة الوحيدة, لكنهم رفضوا الاعتراف لها بهذا الفضل لأن كرههم لها أكبر من أيّ رغبة بالصراحة و المصارحة.

لم يكن لديهم أفكار..!

بعد لحظاتٍ طويلة من الصمت الثقيل صاح معلّم البلدة بحماس: "لنسمّها كفر نصر !"

كفر نصر يا مجنون؟ من أين نعرف نحنُ النصر؟ لم تنتصر البلدة في شيءٍ أو على أحدٍ في تاريخها كلّه, و لا يعرف أهلها انتصاراً و إن كان على مخداتهم, فحتّى الألعاب التي يمارسها الأطفال في أزقّة البلدة القذرة حوّرت قوانينها لكي يخسر الفريقان دوماً كي لا يتغيّر الجو على الصبية و يمرضون بالبهجة.

استمع المعلّم لاعتراضاتهم بتكشيرة ماكرة, و حين صمتوا أجابهم:" و منذ متى يعني النصر نصراً؟ إن هذه الكلمة لأسوء من الحرباء في تلوّنها, كما أنها توافق برضىً على استخدامها في أيّ مكانٍ دون التدقيق في المعنى. انظروا إلى آداب الشعوب.. أكثر الشعوب حديثاً عن الانتصارات في أشعارها و خطاباتها و في أسماء مواطنيها و شوارع عواصمها هي تلك التي تعبر الزمان قفزاً من هزيمة إلى هزيمة. المنتصرون لا يتحدّثون عن النصر لأنه أمرٌ اعتيادي و بديهي لديهم, و لا أحد يتحدّث عن الأمور الاعتيادية.. أم أننا نتحدّث هنا باستمرار عن شؤمنا و بؤسنا و سوء طالعنا؟"

الحقيقة لم يكن لأهل البلدة حديثٌ سوى عن شؤمهم و بؤسهم و سوء طالعهم, لكنهم لم يعترضوا على كلام المعلّم لعدم وجود اقتراحٍ آخر.. و أيضاً لأن المعلّم هو الوحيد الذي يتقاضى معاشاً من الحكومة في البلدة, و حين يغرق في السكر في الحانة فإنه يدفع ثمن الأقداح لمن يعتبرهم أصدقاءه.

-4-

بعد أيامٍ قليلة ذهبت قصّة اختيار اسم كفر نصر أدراج الرّياح المغبرّة المسمومة التي تعصف بالبلدة عند العصر.. ففي اليوم التالي لأول جلسة نواحٍ جماعيّة في الحانة كان أهل البلدة جميعهم مقتنعين أن أصل اسم البلدة يعود إلى "كفرَ نصر" (بفتح الرّاء) , و نصر هو جدّهم الأكبر المشترك, و قد كان شريراً زنديقاً و لذلك فقد عوقبت ذريته بالحكم عليها بالعيش في الشؤم محبوسين في بلدة الشؤم إلى الأبد.. لم يكن أحدٌ قد سمع أو تحدّث عن هذا الجدّ الأكبر قبلاً, لكن الأسطورة نالت تقبلاً و تبناها أهل البلدة بحماسٍ لأنها كانت تفسّر لهم سواد معيشتهم و تبرر لهم عدم محاولتهم تغيير واقعهم, و مع الوقت أصبحت أساساً للفخر بالنّسب و الاعتزاز بالقبيلة ذات المصير المشترك.

لم تمض أيامٌ كثيرة حتّى تمدّدت الأسطورة و شملت التلّة, ففي جلسة النواح التالية قرر المجتمعون أن التلّة هي رأس جدّهم الأكبر الشرير و الزنديق, و لذلك قرروا تسميتها "قَرعة نصر", و أصبحوا يحلفون بـ قرعة نصر, أو يلعنون قرعة نصر, حسب سياق الكلام.. لم يكونوا متأكدين من مشاعرهم تجاه الجد الأكبر.

كانت التلّة المسكينة تستمع لوعودهم و لعناتهم بصمت و هي تلعن قرعة آبائهم و أجدادهم و أجداد أجدادهم بنفس همّة لعنها لقرعات شجرة عائلة سوء حظها الذي رماها بجوار هؤلاء المجانين التعساء.

-5-

لا يتميّز أهل كفر نصر بكثرة الذكريات و جودة الذاكرة, فالنعمة الوحيدة المتاحة (و بوفرة) في هذا القبر المفتوح المسمّى كفر نصر... هي نعمة النسيان.

..

اللوحة: Joseph Minton- Disturbance