25 كانون الثاني 2012

لماذا الدّولة المدنيّة؟


ﻷننا نريد سوريا مدنيّة ديمقراطيّة بعد اندحار اﻻستبداد والطغيان، سوريا الدستور والقانون والمؤسسات، سوريا المساواة التامّة بين مواطنيها ومواطناتها دون أيّ تمييزٍ ديني أو طائفيّ أو عرقي. سوريا الجميع!
ﻷن الدّولة المدنيّة الديمقراطيّة هي التعبير السياسي الأمثل عن شعار "الشعب السوري واحد" الذي ﻻزم اﻻنتفاضة الشعبيّة منذ بدايتها.
ﻷن الدولة التي ﻻ تجعل من التنوّع واﻻختلاف بين مواطنيها مصدر قوّة ستفشل حتماً. ﻻ للعسكريتاريا وﻻ للدولة الدينيّة وﻻ لدول "الحزب الواحد".
ﻷن الدولة المدنيّة الديمقراطيّة تحقق لنا كلّ ما حرمنا الاستبداد منه: العدالة، الكرامة، المساواة، الحق، الحرّية.
ﻷن اﻻستبداد سيندحر اليوم، ونحن ننظر إلى الغد، دائماً إلى الغد.
ﻷنها الغاية، والثورات بغاياتها..!
...
ندعوكم للمشاركة في دعم خيار "جمعة الدّولة المدنيّة" في اﻻستبيان (رابط اﻻستبيان)
..






24 كانون الثاني 2012

جمعة الدّولة المدنيّة



الدّولة المدنيّة- ياسين الحاج صالح

"التطلع إلى دولة مدنية هو قبل كل شيء تطلع إلى دولة، أي مؤسسة حكم عامة، لا تميز بين السكان، وليس وكالة سيطرة خاصة، مسخرة لإخضاع المحكومين لسلطة حاكمين مطلقين.

على أن مفهوم الدولة المدنية يكتسب في السياق العربي والسوري، دلالة مزدوجة، بل ثلاثية.

فهو، من جهة، يتمايز عن الدولة التي يسيطر عليها الجيش و/ أو الأجهزة الأمنية، والتي ترد المجتمع إلى "جبهة داخلية"، فتنكر تعدده الداخلي، وتقيم نظاما أوامريا لاغيا للسياسة، دون أن تنجح في كل الأمثلة المعروفة بالنهوض بالمهمات الوطنية التي تسوغ حكمها بها. في الدولة المدنية، يسيطر سياسيون منتخبون على الجيش، وتكون "الحرب شأنا أهم من أن يترك للعسكريين"، فيما تكون العسكرية مهنة واختصاصا نوعيا.

وتتمايز الدولة المدنية، ثانيا، عن الدولة الاستبدادية الجديدة في العالم العربي، هذه التي تجمع بين سمات الدولة السلطانية التقليدية وسمات الدولة الشمولية الحديثة، ومنها الحزب الواحد وملحقاته التنظيمية وإيديولوجيته المعصومة، وكذلك الزعيم الأوحد المؤله والميل إلى إقامة سلالات حاكمة وراثية. الدولة المدنية هنا مكونة من مواطنين متساويين، متمتعين بحرياتهم وحقوقهم السياسية والإنسانية، وتقوم على الانتخابات الحرة وعلى تداول السلطة.

وتتمايز الدولة المدنية، أخيرا، عن الدولة الدينية، علما أن هذه ليست الدولة التي يحكمها رجال الدين كما يقول الإسلاميين، بل كذلك التي تفرض فيها شريعة دينية ثابتة كقانون عام. الدولة المدنية هنا "علمانية"، يستقل فيها الدين عن الدولة والدولة عن الدين، أو بالتحديد يجري الفصل فيها بين الدين وكل من الإكراه والولاية العامة. هذان مناطان بالدولة وحدها بوصفها مقر السيادة الوطنية. على أن الدولة المدنية لا تنزلق إلى موقف عدائي من الدين.

تقتضي الدولة المدنية تطورا في الوعي المدني لدى قطاعات أوسع من السكان، الوعي الذي يقوم على النسبية والتعدد واليسر، تمييزا عن الوعي المطلق القائم على عقائد مكتملة، دينية أو دنيوية.

وتتوافق الدولة المدنية مع التشكل المدني للمجتمع، أي تفوق أشكال الانتظام الطوعية والمستقلة (أحزاب، نقابات، اتحادات مهنية وتجمعات شبابية ونسوية...) على الانتظامات الموروثة (القرابية والجهوية والدينية) من جهة، والانتظامات القسرية مثل الحزب الواحد و"المنظمات الشعبية" عندنا من جهة ثانية. الدولة المدنية لا تميز بين السكان على أساس الدين أو العرق أو المذهب، ولا هي تتلاعب بالتمايزات الثقافية الموروثة لأغراض سياسية خاصة.

فرص الدولة المدنية أكبر كلما كانت الطبقة الوسطى أكبر وأقوى في المجتمع، وكلما كانت مقدرات أكثرية السكان تسير نحو التحسن، ويتحسن تحكمهم بشروط حياتهم، أي كلما كان النظام الاقتصادي أكفأ وأكثر حساسية لحاجات الأكثرية الاجتماعية. إذا تراجعت سيطرة الناس على ظروفهم، كان محتملا جدا أن يلوذوا بعقائد مطلقة، أو يجنحوا إلى التطرف.

أخيرا، ليست الدولة المدنية شيئا يعطى كاملا أو ينعدم كليا. إنها عملية تاريخية، ومحصلة لصراعات اجتماعية وسياسية وفكرية مركبة. وبينما ليس من المتوقع أن تتمخض ثوراتنا الراهنة عن دول مدنية ناجزة، فإن الخروج من اللامبالاة واتساع قاعدة الاهتمام بالشأن العام والتسيس الأوسع للسكان، يضع مجتمعاتنا في ظروف أفضل للتعاطي مع مشكلاتها الكثيرة التي ستفرض نفسها دفعة واحدة في وقت قريب. وتاليا يؤهلها أفضل لبناء دولة عامة، أكثر مناعة على العسكرة والتديين والحكم السلالي."

..

معاً من أجل دولة مدنيّة ديمقراطيّة في سوريا







23 كانون الثاني 2012

اليسار الشافيزي واﻻنتفاضة السّوريّة

فيما يلي ترجمة جزء من مقابلة مطوّلة مع سانتياغو ألبا (فيلسوف يساري اسباني وباحث في الشؤون العربيّة) حول اﻻنتفاضات العربيّة. يخص هذا المقطع إجابته عن موقف قطاع كبير من اليسار الناطق بالاسبانيّة (في أميركا اللاتينية بشكل أساسي) المعادي للانتفاضة السوريّة. رغم أن الإجابة تخص "اليسار الشافيزي" إﻻ أنها، برأيي، تنطبق على جزء كبير من اليسار العربي أيضاً.

" كلامي سيكون تعبيراً عن ألم أكثر مما هو سرد لرأي. كنت أتمنى لو تصرّف هذا القطّاع من اليسار الذي تقصد بنفس درجات النفاق الذي تتصرّف به قوى الإمبرياليّة العالميّة، التي ﻻ تتردد اليوم في دعم من ستخونهم صباح الغد وتحاول إخفاء احتقارها للشعوب. إن كانت الحسابات الجيوستراتيجيّة لهذا اليسار تقتضي منه التضحية بالشعب السوري فليقولوا ذلك بصراحة. لكنهم، كيسار، يحتاجون لخطاب أخلاقيّ الطابع لتبرير مواقفهم، ويعمدون لأجل ذلك إلى ما هو أسوأ: إنكار دكتاتوريّة الحكم في سوريا وإنكار وجود شعب يناضل ضد هذه الديكتاتوريّة، ولهذا الموقف البشع نتائج كارثيّة بحق. لقد اتّهمت مراراً بأنني أبرر، أسهّل، أو حتّى أطلب تدخلاً امبريالياً في سوريا فقط لأنني أصرّ على وجود انتفاضة شعبيّة حقيقيّة، وأسوأ ما في هذا الخطاب (والذي غالباً ما يُعبّر عن نفسه بطريقة قليلة التهذيب والهدوء) أنه يتجاهل بشكل كامل نتائج موقف هذا القطّاع من اليسار (بما فيه حكومات من أميركا اللاتينيّة) في سيرورة الانتفاضات العربيّة وفي النجاحات التي أحرزتها الثورة المضادة. يتصّرف هؤﻻء بأسلوب "النبوءة التي تحقق نفسها": ﻻ يساهمون بدعم الكفاح بالسلاح أو التمويل أو بالخبرات التنظيمية، وﻻ حتّى بكلمة تعاطف أو وقفة تضامن.. يتنازلون بشكل كامل عن الأرض وعن الخطاب التحرري ويجلسون منتظرين الحدث الذي سيسمح لهم بالقول: انظروا! ألم نقل لكم أن هؤﻻء هم جميعاً بيادق المخابرات الأميركيّة؟

قد يُقال أن دول أميركا اللاتينيّة ﻻ تستطيع التدخّل في المنطقة العربيّة إذ لديها من المشاكل والهموم ما يكفي، مثل تحصين منطقتهم وإنشاء مؤسسات قارّية (مثل سيلاك). لكن الواقع يقول أنهم، فعلياً، قد تدخّلوا، وقد جاء تدخّلهم بأبشع شكل ممكن: ضد الشعوب التي يُفترض أن تكون حليفة وإلى جانب أنظمة ﻻ تقلّ، أخلاقياً، عداوةً ﻷي يساري تحرري عن القوى الغربية المهيمنة. أنا مجرد فرد ضعيف ودون نفوذ، لكن دول أميركا اللاتينية تشكّل اليوم كتلة سياسيّة ضخمة ومستقّلة القرار لأول مرّة منذ عقود، وقد كان بإمكانهم المناورة والعمل على عرقلة محاولات إعادة التغلغل الاستعماري، لكنّهم لم يفعلوا. لقد انسحبوا من أرض الصراع وتركوها خاوية، وقوى الامبريالية، بالطبع، ستدخل إلى حيث يُسمح لها أن تدخل.

أعترف أنني كنت، للأسف، قد صدّقت مقولات تجديد اليسار انطلاقاً من أميركا اللاتينيّة، لكنّ الواقع يقول أن اشتراكيّة القرن الواحد والعشرين ﻻ تختلف بشيء عن اشتراكيّة القرن الماضي، لا سيما في الطريقة التي تُعامل بها رفاق سفرها المفترضين."

..







22 كانون الثاني 2012

المبادرة العربيّة والمعارضة السّوريّة

ليس على المعارضة السوريّة أن ترفض مبادرة الجامعة العربيّة المطروحة مساء الأحد، كما ليس عليها أن توافق. ليست مُطالبة بموقف ﻷن المبادرة، ببساطة، غير موجّهة إليها. كلّ عناصر تنفيذ بنود المبادرة بيد النّظام وحده، وإليه توجّه وهو المُطالب برفضها أو الموافقة عليها. لماذا تتبرّع المعارضة بالرفض عوضاً عنه وتجنيبه حرج رفضها؟ بالمقابل، لماذا ستوافق على شيء ليس بيدها تنفيذه؟

أحد أهم أجزاء مهارة استخدام اللغة السياسيّة هو معرفة متى يجب أن نصمت.

المبادرة المطروحة على الطاولة من قِبل الجامعة العربيّة هي، في الواقع، أقصى ما يُمكن أن يُطرح سياسياً، أكان "برعاية" الجامعة العربيّة أو الأمم المتحدة. المجتمع الدولي ليس بوارد "تدويل" القضيّة السّوريّة كما يريد بعض المعارضة وكما يرفض بعضها الآخر. لذلك، كان من الجيّد لو لم يتمحور العمل السياسي المعارض حول الاحتراب اللفظي بخصوص احتمال غير مطروح من قِبل القادرين على تنفيذه. بدل مطالبة الجامعة العربيّة بـ خطّة "ب" يجب علينا أن نطالب شقّي معارضتنا السياسيّة بفتح الأفق خارج جدل عقيم فعلياً، وقد أضحى، بحق، ابتزازي عاطفياً ومهين عقلياً.. من الطرفين.

اعتباراً من هذه المبادرة، بغض النظر عن قبول النظام بها أو رفضه (والأرجح، شبه المؤكد، أنها مرفوضة ومشيّعة باللعنات من قبله). علينا أن نعلم أننا، عدا تحوّلات مفاجئة ودراماتيكيّة في حسابات القوى الإقليمية والدولية لن تكون معاناة الشعب السوري أو مواقف قوى المعارضة جزءاً منها بأي حالٍ من الأحوال، لوحدنا. كلّما عجّلنا بالاقتناع بهذه الحقيقة كلّما وفّرنا على أنفسنا المزيد من الآﻻم. على المعارضة أن تعود إلى الداخل وتثبت نفسها على الأرض كقوى سياسيّة ذات فعاليّة وتأثير ومقدرة على الإقناع والتأثير (وليس المسايرة واستجداء التأييد) وأن تعمل على تجذير اﻻنتفاضة وتوسيع رقعة عملها لتشمل كلّ قطاعات المجتمع السوري في كل مناطق الجغرافيا السّوريّة وابتكار أشكال جديدة وفعّالة للمقاومة الشعبيّة ضد قوى القمع. ميزان القوى الفاعل في سوريا هو بين نظام استبدادي تسلّطي عنيف وقوى شعبيّة تريد القطيعة معه ومع كلّ ما مثّله خلال العقود الماضية. لكلا طرفيّ الميزان سياستها الإقليميّة والدوليّة، لكن الميزان الأصلي هناك، في الشارع، بانتظار الثقل الحاسم.

..







21 كانون الثاني 2012

منّاع والجولان.. بيضة قبّان في فنجان


بإمكاننا تسويد صفحاتٍ وصفحات في نقد منهج العمل والعقليّة المحرّكة للمجلس الوطن السوري، وسيكون هذا التسويد، بلا شك، مزدوجاً بالحبر وبنار الحنق والغضب التي ستلهب القلم. لكن، الجولان؟ هل احتُلّ الجولان في عهد المجلس الوطني؟ هل حكم المجلس الوطني خمساً وأربعين عاماً من العجز استرجاع الهضبة السورية من الكيان الصهيوني العدو، حرباً أو سلماً؟ مَن وُلِد يوم إعلان سقوط القنيطرة يمشط اليوم شيباً على رأسه. بالتالي، إن أراد هيثم منّاع الحديث عن الجولان فليتحدّث بتناسب منطقي مع الزّمان والمكان، وحبذا لو قلل من استخدام كلمة "مأجور" و"مأجورة".

من حقّ هيئة التنسيق أن تنتقد رؤية المجلس الوطني للصراع العربي- الصهيوني (وأول انتقادٍ يمكن أن يوجّه لها هي أنها، ككل شيء صادر عن المجلس الوطني حتّى الآن، غير مفهومة)، لكنّ تكرار خطاب سُلطةٍ لم تحارب من أجل استعادة أرضها منذ حرب تشرين، وراهنت على "عمليّة سلام" مبنيّة على مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة عبر وسيط أمريكي أو تركي، من أجل استخدامه في ضرب الفريق المنافس ضمن معارضةٍ تصرّ يومياً على إعادة إنتاج البؤس بشكلٍ أكثر بؤساً ﻻ يمكن تجنّب فهمه كمزايدة شعبويّة ﻻ تختلف كثيراً عن تلك التي تستخدمها قطاعات في المجلس الوطني ودائرته الإعلاميّة ضد هيئة التنسيق. يا شباب (تعبير مجازي)، هناك انتفاضة شعبيّة في سوريا، هل سمعتم بها؟ شكراً لإصغائكم..

على عكس ما يقوله، وما -للأسف- يعتقده، المجلس الوطني، لهيئة التنسيق جمهورٌ محتمل واسع في سوريا، قوامه جزء كبير مما يُسمّى "أغلبيّة صامتة". المشكلة، للأسف، مرّة أخرى، أن هيئة التنسيق ارتضت حتّى الآن، بلغتها الحاليّة، أن تكون ممثّلة لصمت هذا الجمهور وليس لصوته.

العديد منّا استخدم مصطلح "معركة دونكيشوتيّة" للتعبير قصف المزايدات المتبادل بين المجلس الوطني وهيئة التنسيق. يبدو أن على أهل كفرنبل أن يكتبوا ﻻفتة اعتذار لدونكيشوت الجمعة المقبلة..

مقالة ذات صلة: في أزمة المعارضة السّوريّة

..

الصّورة: الشعب السّوري عارف طريقه







20 كانون الثاني 2012

آن للشمس أن تغلق ما وراءها.. بالضوء


للاستبداد في سوريا تاريخٌ من الظلام والبؤس يمكن بناء سرده بتجميع ومراكمة التاريخ الفردي لكلّ معتقلٍ ومعتقلة خبروا سجونه ومعتقلاته منذ مطلع اختطافه للبلاد وما ومن فيها قبل وبعد اندلاع انتفاضة الكرامة والحق. القصص الشّخصيّة لأولئك الذين جازفوا بواقعهم في سبيل تحقيق آمالهم وأحلامهم فكان مصيرهم بسطار سجانٍ بدا، دوماً، وكأنه يتغذّى من إذلالهم وامتهان كراماتهم كبشر أكثر ممّا يستفيد من التغلّب على مواقفهم السياسية لصالح حساباته ومشاريعه. حكايا الذكريات الأليمة لآلاف العائلات التي مرّ عليها الزّمان بارداً، ثقيلاً، كريهاً كالغياب، بشعاً كطأطأة الرّأس على وقع قرقعة بوّابات السجون بانتظار فسحةٍ لزيارة الأمل بغدٍ لم يكن يأتي ﻷنه كان يمثل يومياً، كمأساة سيزيف، أمام محكمة أمن الدّولة العليا، حيث لا محكمة وﻻ حكمة، ﻻ أمن وﻻ أمان، ﻻ دولة وﻻ حتّى نظام، وﻻ عليا.. بل أسفل سفالة الكراهية.

على عكس ما سُمّي، ويُسمّى، لم يكن سجناً سياسياً. ﻻ سياسة، مهما ترجّلت إلى زواريبٍ ومنخفضاتٍ وخنادق، يمكن أن تشرعن سرقة حياة إنسان ووضعها وقف التنفيذ ﻷنه عارض أو اعترض. ليس اعتقال القهر وجهة نظر، ليس سياسة، بل هو أداةٌ لطغيانٍ استملك بلاداً وأراد أهلها، جميعاً، معتقلين. بعضهم معتقلون سابقون، حاليّون، أو مستقبليّون في سجونه وأقبية فروع "أمنه". البعض الآخر معتقل دائم في صمت الخوف والرّعب. سجن الطغيان تعبيرٌ عن غياب أدنى درجات الخلق الإنسان وأخف مستويات احترام حقوق وحرّيات وكرامات البشر. السّجن يدٌ لعقليّة ﻻ تعرف استخدامها إﻻ للصفع، مذبحٌ لتأليه من يرى كلّ من ﻻ يفديه بروحه شيطاناً، مقبرةٌ ثَبُتَ، لحسن الحظ، أنها كانت أضعف من أن تُخمد حياةً بحجم وطن.


إن التركيز على قضيّة المعتقلين، السابقين منهم والحاليين، من وجهة نظر أخلاقيّة وإنسانيّة يضمن لنا حسن سيرنا في اتجاه أﻻ يكون هناك معتقلون مستقبليّون، فبناءُ ذاكرةٍ جماعيّة قوامها تسطير أفضل ما لدينا، الشجاعة والصبر والإقدام والتضحية، وأسوأ ما لديهم، الكراهية والحقد والنزعة الإلغائية وتمجيد الذات باحتقار الغير سيكون لنا خارطةً تعلّمنا الطريق. قضيتهم هي البرهان الساطع على ما لم يكن يجب أن يكون يوماً، وما لا يمكن أن يكون بعد اليوم، قضيّة ما يجب أن يذهب مشيّعاً بآلامٍ لن تعود. لنكتب أسماءهم، لننشر صورهم وحكاياهم وأحلامهم، الصغيرة منها والكبيرة، لنسمع أصواتهم إن رأيناهم، أو لنتخيّلها إن لم نسمعهم، فهذه الأصوات ستنير لنا الدرب للقضاء نهائياً على اﻻستبداد ومنع أﻻ يطلّ برأسه مرّة أخرى على بلادنا وحياتنا وآمالنا وأحلامنا.. كفى!

..
مصدر الصّورة: الشعب السّوري عارف طريقه
.






17 كانون الثاني 2012

لا شيء هنا يستحق القراءة- 2


نجاتي طيّارة حرّاً. يبدو، وأخيراً، أنّ كل أجهزة الأمن وفروع الشرطة والدرك وجمعيات حماية المستهلك واتحادات طلبة القرب والجمعيات التعاونيّة السكنيّة والمسكونيّة و مكتب الأمن الوطني لكوكب "غرندايزر انقلع" قد انتهت من قضاياها عند الرجل. حمد لله على سلامتك، أبو ناجي.


مقترح حلّ لأزمة المعارضة السورية: يحمل أعضاء هيئة التنسيق لافتة تقول "المجلس الوطني يمثلني" ويحمل أعضاء المجلس الوطني بدورهم لافتة تقول "هيئة التنسيق تمثلني"، فطالما أن أسّ وأساس المشكلة بينهما هو "التمثيل" فلا بأس من تمثيل البعض على البعض (ﻻ داعٍ للفوز بأوسكار أو غولدن غلوب) من أجل سعادة وطمأنينة الشعب الممثّل به.

وكالة سانا للأنباء تكشف خديعة وكالة ناسا الفضائية الكبرى: لم يكن نيل أرمسترونغ أول إنسانٍ يصل إلى القمر، بل سعدي يوسف. سعدي أول وآخر من وصل إلى القمر فقد بقي هناك ولم يجرؤ أحدٌ بعد ذلك على اﻻقتراب، ويُقال أن تلك الرّحلة هي ما جعلته يقرر أن يصبح مريخياً.

ﻻ ننسى، طبعاً، ترديد شعار انكشاف المؤامرات:”روحوا العبوا غيرها..!”

فاقد الشيء ﻻ يعطيه إﻻ إذا استطاع أخذه مضاعفاً بعدها..

...

في سعيها لضم كافّة فئات الشعب السوري، ستضم الحكومة الموسّعة المقبلة وزيراً أو وزيرين من شخصيات "باب الحارة"، ويُقال أن "ياهمّ لالي" من "ضيعة ضايعة" سيستلم وزارة الداخليّة. التمثيل سيكون بخير، اطمئنوا..

...

ندرس العمل على إطلاق حملة جمع تواقيع لإدخال مصطلح "أحّة!” المصري في معاجم اللغة العربيّة بشكل مستعجل، فهو الوحيد القادر على التعبير المباشر عن ضرورات المرحلة ومنعطفاتها.

الحزب الشيوعي السوري- فرع قاسيون (قدري جميل) سيساهم بـ 700 ألف دولار في مشروع فضائيّة "اليساريّة". أين المريب في هذا الخبر؟ بالله عليكم تسألون ما هو المريب؟ واضح! وسيلة الإعلام المتآمرة وضعت المبلغ بالدوﻻر بدل وضعه بالروبل الروسي أو اليوان الصيني.

قوّات الأمن تحبط محاولة تهريب مازوت عبر الحدود، والنيابة العامة تطالب بإعدام المازوت شنقاً قبل أن ينتحر في زنزانته بطلقتين في الرأس.

لماذا ﻻ ننشيء بورصة مؤامرات في المنطقة؟ توضع المؤامرات في التداول حسب العرض والطلب، وتُباع وتُشترى وتقسّم إلى أسهم ترتفع أسعارها وتنخفض. بقي علينا أن نحدد إن كان كشف مؤامرة ما من قبل تلفزيون الدنيا سيرفع سعرها في البورصة أم بالمقابل سيخفضه..

سياسة نص كم: نحن نعترف ونحترم حقّك المقدّس بتقرير مصيرك بكلّ حرّية، ما لا يعني، إطلاقاً، أننا سنأخذه بعين اﻻعتبار.

سياسة كم كامل: اخرس ما حدا سألك..!

عفواً.. هل يشمل العفو محمّد الماغوط؟

...

لا شيء هنا يستحق القراءة- 1

..

الكاريكاتير: ناجي العلي (مصدر)








15 كانون الثاني 2012

رابطة الكتّاب السوريين- استبيان "صفحات سوريّة"


إجاباتي على استبيان أعدّه الصديق حسين الشيخ ونُشر في موقع "صفحات سوريّة" عن "رابطة الكُتّاب السّوريين" بعد إعلان تأسيسها مطلع العام الحالي. لمشاهدة اﻻستبيان (اضغط هنا).

..

هل أنت عضو في رابطة الكتّاب السوريين؟

نعم. تشرّفت بتلقّي دعوة للانضمام قبل أيامٍ من إشهارها، وبالطبع قبلتها بكل سرور.

ما هي أهميّة تأسيس رابطة الكتّاب السوريين في الوقت الراهن؟

بعد مضي عشرة أشهر على اندلاع اﻻنتفاضة السوريّة ضد اﻻستبداد والطغيان تبرز الحاجة إلى تجمعات وآليات نشاط مدني عام من طراز رابطة الكتّاب أكثر من أيّ وقتٍ مضى، بل أنني أعتقد أن إطاراً كهذا كان يجب أن يظهر، برفقة أطر أخرى لمختلف أنواع النشاطات في الحقل العام، منذ وقتٍ طويل. نضال الشعب السوري ﻻ يتوقف فقط عند الجوانب الميدانيّة أو السياسيّة (بمعناها الضيق)، بل أن وجود أطر وأدوات مدنيّة في صفّ التطلّعات الشعبيّة ضروريّ جداً.

ما هو الدور المطلوب من الرابطة بالنسبة للثقافة والمثقفين؟

أعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الرابطة هو أن تقصر دورها على منافسة "اتحاد الكتّاب العرب". يُفترض في العقليّة المؤسِسة للرابطة أن تبتعد عن هذه المعارك قدر الإمكان وأن تسبر وتستكشف مناطقاً وأشكالاً جديدة للثقافة، بعيدة كلّ البعد عن "اتحاد الكتّاب العرب" وعقليته ومنطقه، وحتّى لغته. لا شك أن الرابطة مطالبة بالعمل على تفكيك نمطٍ من الشموليّة الإقصائية التي يشكّل اﻻتحاد أحد أدواتها، لكن منافسته باعتباره ندّاً ليس خياراً جيداً باعتقادي.

الرابطة مدعوّة لأن تكون مظلّة جامعة لالتقاء الأصوات والأقلام المعنيّة بالدفاع عن نضال الشعب السوري من أجل حقوقه وحرّياته في وجه استبدادٍ طال أمده وعظمت ويلاته. بالتالي، يجب عليها أن تكون، ثقافياً، راعية النقيض التحرّري لهذا النظام الفاشي القائم. معنى ذلك أنها يجب أن تكون منصّة عرض أخلاق ديمقراطيّة من الطراز الرفيع، دون الوقوع في النخبوية والتعالي.

كيف يمكن أن تكون عوناً للثورة؟ ما هي أشكال الدعم التي تعتقد أن المثقف والكاتب يستطيع تقديمها؟

يُفترض في المثقف أن يكون قادراً على إستنباط نوعٍ من البوصلة الفكريّة- الأخلاقيّة في داخله انطلاقاً من مبادئه وقناعاته، وأن يكون لديه مهارة التعبير عمّا تخبره هذه البوصلة وإيصال صوت هذا التعبير إلى جمهوره. بالتالي، يكون المثقّف عوناً للثورة كلّما كان أكثر نقديّة وصدقاً مع نفسه ومع حسّه النقدي. ليس على المثقّف أن يكون سياسيّاً وﻻ أن تكون له معايير السياسي وأساليبه في التحليل والتفكير والتصرّف، بل على العكس تماماً. أؤمن أن فائدة دور المثقّف تكبر كلّما كان صوته أكثر إقلاقاً للسياسة والسياسيين. انطلاقاً من هنا أعتقد أن نجاح الرابطة في مساعدة ثورة الشعب السوري مرتبطة بمقدرتها على أن تكون ساحة متنوّعة وتعددية لأصواتٍ نقدّية تنطلق في نشاطها من الإيمان بحقوق وحريات الشعب السوري.

هل أنت راض عن خطوات تأسيسها , ما هي ملاحظاتك؟

لا أمتلك الكثير من المعطيات ولست مطّلعاً على “كواليس” الفكرة أو كيفية نشوئها، وما فعلته حتى الآن لم يكن أكثر من إعلان إنشائها. بالطبع ما زال هناك الكثير من الجهد الواجب (وهو جهد يقع على عاتق جميع أعضائها) لكنني لا أعتقد أن هناك ما يمكن أن يوجّه من ملاحظات حتّى الآن. بالتأكيد هذا مجرّد رأي شخصي.

هل أنت راض عن شروط الانتساب اليها، ما هي ملاحظاتك؟
أعتقد أن الرابطة معنيّة باﻻبتعاد عن تعريفات ضيقة لمصطلح “كاتب” أو “مثقف” وأن تكون منسجمة مع المناخ الفكري السائد اليوم، لا سيما بعد تطوّر وسائل النشر والتواصل بشكل لا يسمح بالاكتفاء بتعريفات تعود إلى عقودٍ خلت. أعلم أن ثمة نقاشات تدور حول هذا الأمر في الشبكات الاجتماعيّة، وبعضها يدور بشكل مباشر حول حقّي، كمدوّن، في عضوية الرابطة. أتمنى أن توسّع الرابطة باحتها لمختلف أنواع الأنشطة الفكرية، القديمة منها والجديدة، وأن تجتهد لتوفير مناخٍ من التعددية ﻻ يخص مضمون النشاط الفكري وإنما شكله أيضا، وأﻻ تغرق في تعريفات وتحديدات باتت ضيّقة اليوم.

هل تقبل أن ينتسب الكاتب الى اتحاد الكتاب العرب وإلى رابطة الكتاب السوريين بنفس الوقت؟

صراحةً، أعتقد أن ثمة تناقض صارخ في هذه العضوية المزدوجة.

هل تعتقد أن آلية صنع القرار فيها هو ديمقراطي، هل تستطيع التعليق على عملها، هل نشر لك ذلك؟

لا أعتقد أن للرابطة ما يكفي من العمر كي نحكم على ديمقراطيتها من عدمها. بيانها التأسيسي يبشّر بالخير، كذلك الأسماء الموجودة في لائحة أعضائها. لم أشارك بعد في نقاشاتٍ داخلية تخص الرابطة ولم يكن لديّ تعليقات على عملها حتّى الآن، وﻻ أعتقد بوجود مشكلة بخصوص سعة صدر الأعضاء ورغبتهم بممارسة حياة فكرية ديمقراطية سليمة، داخل وخارج الرابطة.

هل تعتقد أن أسلوب الانتخاب فيها هو أسلوب ديمقراطي، وإذا ان جوابك بالايجاب هل تعتقد بأننا سنتمكن من تأسيس رابطة للكتاب بعيدا عن الشللية والمحسوبيات؟
ﻻ أعتقد أن أسلوب اﻻنتخاب سيء. بالتأكيد يمكن أن يكون أفضل، ككل شيء، وإن لم يكن لديّ تصوّر عن هذا الأفضل الممكن. ربما تفرض ظروف الزمان والمكان منهجاً في اﻻنتخاب ليس الأمثل، وﻻ شك أن ثمة أخطاءٍ ستحصل، ولا مشكلة في ذلك، بل المشكلة ستكون إن لم تصحح، أياً كان سبب عدم التصحيح.

بخصوص الشلليّة والمحسوبيّة، أعتقد (متفائلاً) أننا قادرون بسهولة على اﻻبتعاد عن هذه العيوب. ما أريد قوله هو أن التنوّع مطلوب، وﻻ مشكلة في أن تلتقي مجموعة من الأعضاء على رأي أو فكرة فهذا ﻻ يجعلها تكون “شلّة” (بالمعنى السلبي للكلمة). أرجو وأتمنى أن يكون النشاط داخل الرابطة بعيداً عن الشخصنة، وأن تكون اﻻختلافات فكريّة المنبع فقط. وﻻ أعتقد أن اﻻبتعاد عن الشخصنة مستحيل..

...

موقع "رابطة الكُتّاب السوريين" على اﻻنترنت

.








14 كانون الثاني 2012

ذاكرة..

وخوف الغزاة من الذكريات..

..

في زمن اﻻنتفاضة، زمن التغيير والقطيعة واﻻنقلاب، زمن اللاعودة، الانعتاق، التحرر، في زمن اﻻبتعاد الواعي عن ذاتٍ مزيّفة، منقرضة، مرفوضة، مؤلمة. في زمن الثورة علينا أن نبحث في الماضي عن مفاتيحٍ للمستقبل، مفاتيحٍ على شكل صور، كلمات، أحاسيس، آﻻم.. بشكل أساسي، آلام.

نجعل من ذاكرتنا انتفاضة كلّما ذكّرتنا لماذا انتفضنا، على من، متى، أين.

ذاكرتنا انتفاضة إن جعلناها حسّاسة كالجلد الملتهب بحرقة الشمس، تنتفض ألماً كلّما لامس شيءٌ احمرارها. هي المنطلق الذي يضيء لنا، بقوّة الألم، ماذا نريد أن يرحل إلى غير عودة، إلى غير نسيان. ذاكرتنا حارس آمالنا من الوقوع في شراك ماضٍ قد يعود إن نسينا لماذا تركناه خلفنا.

..

..

أمامنا جميعاً مهمة فكرية شاقة لها حجم قاعدة تأسيسيّة لمستقبل وطن، جهدٌ توثيقي ثقافي، بمختلف الوسائط والأشكال والأنواع، قاعدة بيانات متكاملة لما كنّا وكيف عشنا طوال عقود اﻻستبداد في سوريا، بكل صغائرها وتفاصيلها، لونٌ من "أدب السجون" المنيفيّ، وإن كان علينا نغيّر شكل السجن المقصود من الجدران الفيزيائية إلى الجدران النفسيّة. ليس هذا الجهد حقوقياً فحسب لمحاسبة المسؤولين عن خطايا وجرائم بحق الشعب السوري. أو بالأصح: هو حقوقي من نوع آخر، حقوقي رمزي، يرمي محاكمة حقبة بأكملها ومعاقبة أشباحها بالحكم عليها بالنفي إلى "سيبيريا" الذاكرة التاريخيّة لما ﻻ يجب أن يعود، وأكبر ضامن لمنع عودتها هو منع نسيانها. فرط الحساسيّة تجاه اﻻستبداد وجزئياته وصغائره مطلوبٌ للتخلّص منه، من محتواه، من شكله، من لغته، من معانيه، من رائحته، ملمسه، طعمه، لونه..

لنتذكّر دوماً كيف كانت مدارسنا أدواتٍ استبدادية لمسح بذرة أي فكر نقدي أو رغبة بالتفكير الحر، سجون تلقين وترديد وحفظ للشعارات والهتافات قبل أن تكون دور علم وتربية كي نقف دوماً بالمرصاد لمن يحاول وأد فطرة الحرّية في عقول أطفالنا..

لنتذكّر دوماً دمعة ذوي معتقل ضمير كي نبقى مناضلين لكل إقصاءٍ أو إلغاء أو قمع..

لنتذكّر دوماً كلّ مرّة هتف فيها طفل "بالروح بالدم" كي ﻻ ننسى أن كرامته وطنٌ ﻻ يُختصر بفرعون مهما تكبّر.

لنتذكّر دوماً الـ 99,9% كي نطالب باستقالة كلّ من يسيء للأمانة ويتقاعس عن المسؤوليّة.

لنتذكّر دوماً صور أطفال ضحايا تدمير اﻻقتصاد السوري من نازحي الجزيرة السّوريّة وغيرهم كي نكون دوماً رقباء على دور الدولة في تطبيق العدالة اﻻجتماعيّة وإدارة مواردها طبقاً للصالح العام بدل مصالح سين وعين وصاد من الناس.

لنتذكّر دوماً اسم كلّ شهيد وعنوانه، لنتذكر اسم قاتله ولون السلاح الذي قُتل به، لنتذكّر لماذا خرج وتحدّى الموت.

لنتذكّر اسم كلّ لص، كلّ فاسد، كلّ ظالم، كلّ منتفع، كلّ متسلّط، كلّ مجرم. لنحفظ أسماءهم ولنرسم صورهم في ذاكرتنا. لنتذكّر أن كثيراً من هؤﻻء سيحاولون خداعنا بستائر دخان ليعودوا من النافذة بعد خروجهم من الباب. لنتذكّر، مثلاً، أن مأمون الحمصي كان يهتف ويصفّق في مجلس المنافقين حين كان العشرات أو المئات من الذين يشتمهم لأسباب طائفيّة مسجونين أو ملاحقين أو مبعدين بسبب معارضتهم للنظام اﻻستبدادي.

لنتذكّر كيف اختطفوا وطناً واختزلوا الوطنيّة في الوﻻء الأعمى لهم كي نبقى حرّاساً لوطنية رحبة، جامعة، تساوي بين مواطنيها دون أيّ تمييزٍ أو استثناء، وطنيّة تعني قداسة حقوق وحريّة وكرامة المواطن، ﻻ حجّة واهية لإلغائه كإنسان.

ليست الذاكرة حقداً انتقاميّاً، كما ليس النسيان تسامحاً. الذاكرة حقّ الضحيّة بمسافة أمان بينها وبين المجرم، هي لقاح المريض بعد شفائه كي ﻻ تعود الحمّى، هي ضمانة لحياةٍ ﻻ تريد أن تتغلغل حبيبات الموت إلى رمال شاطئها.

..

سامحوا، إن شئتم. لكن ﻻ تنسوا..!

..








09 كانون الثاني 2012

في أزمة المعارضة السّوريّة

يجوز، ربما، لمتابع أخبار وجولات المعارضة السوريّة أن يعتبر أن النزاع الذي حصل مؤخراً (ولن يكون الأخير) داخل المجلس الوطني من جهة، وبين المجلس الوطني وهيئة التنسيق من جهة أخرى، حول اﻻتفاق (أو مشروع اﻻتفاق، أو مسودّة مشروع الاتفاق.. أياً يكن) الذي أمضاه برهان غليون مع هيئة التنسيق منفرداً عن الكتلة الأكبر في جسم المجلس الوطني الذي يرأس فيه من حروب الـ"أنا" أكثر مما فيه من الخلاف الحزبي والمؤسساتي، أو حتى أكثر مما فيه من صراع آراء. ومع أن "أنا" عن "أنا"، والحق يقال، تختلف تبعاً لقائلها فإن الغائب الأكبر في عمل المعارضة السورية هو نجاحها في التغلّب على الأمراض التي عانتها، مجبرة، طيلة عقود اﻻستبداد القاسية. تغلّب الشارع على شطرٍ كبير من العلل والقيود التي جثمت على صدره طيلة فترة اختطافه من قبل الديكتاتوريّة، في حين أن المعارضة لم تتغلّب، بشكل عام، على عقدة أنانيّة وشكوك المُلاحَق. عقدة تعبّر عن نفسها بلغة ليس لها علاقة باﻻنقلاب الحاصل في الحياة العامّة في سوريا في الشهور الأخيرة، لغةٌ تفضح، بشكل مبالغ به أحياناً، تأخر "النخبة السياسيّة" عن سيرورة الأحداث وسرعتها.

لدى الشارع ما يكفي من الأسباب لسحب ثقته من المعارضة السياسيّة والقفز فوقها وتركها خلفه. السؤال المقلق هو: يتركها خلفه في طريقه إلى أين؟ من الجيّد أن ينتج الحراك الشعبي تمثيله السياسي من داخله. لكن المخيف، في خضم بركان الدم والموت والقمع والكراهية، هو أن تأخذ خيارات شعبويّة أدواراً ﻻ تستحقها وﻻتقدر على التصدّي لها، كأن تنتج وتعيد إنتاج خطابات كراهية وتفرقة وعنف بدعوى تمثيل صوت جمهورٍ يعاني عنفاً سلطوياً رهيباً.

الخيار المخيف مطروح، وقد أطلّ برأسه، ونخشى، إن استمر بنموّه السرطاني المتحالف ضمناً مع طغيان اﻻستبداد وعنفه الدموي، أن يصيب السياسة السوريّة (الوليدة بالكاد) في مقتل. لن يكون هناك أعذارٌ حينها لأيّ "أنا" في تفسيرها لأين كانت وماذا كانت تفعل حين مات هذا الرضيع.


يبدو الجدل البيزنطي العقيم المندلع حول "التمثيل" بين الجسمين المعارضين الرئيسيين في سوريا استفزازياً في مواقع كثيرة، وتكمن استفزازيته، رأيي الشخصي، في موضعين. الأول يخص أن "إقرارهما" بأن التمثيل السياسي الديمقراطي الحقيقي ﻻ يمكن أن يأتي إﻻ من صناديق اقتراع حرّة محاطة بكل شروط وضمانات العمليّة الديمقراطيّة ليس إﻻ إنشائياً، والثاني في أن مظاهر "التمثيل" التي يستخدمونها لمحاربة بعضهم البعض تبدو أحياناً كمضاربة باعة جوّالين على بعضهم البعض. المجلس يستند على مشاهد لافتات "المجلس الوطني يمثلني" في المظاهرات ويتحدّى الهيئة أن يأتي بمثلها، والهيئة (على لسان أحد أعضائها) تقول أنها هي التي تمنع أنصارها من إبراز هكذا مظاهر.

ﻻ نعلم. يمثّل، أم يمثّل على، أم يمثّل بـ .. ﻻ نعلم


ﻻ نعرف إلى أين تريد هيئة التنسيق أن تذهب بخطابها وأسلوب عملها المتّبع. فالتنظيم السياسي الذي يضم نخبة من معارضي الداخل تشكّل أسماء قيادته عنوان مرحلة من المعارضة السياسيّة دامت أربعين عاماً ونيف. وربما يكون هذا بالذات هو السبب في أنه يبدو أنها لم تخرج، بلغتها وخطابها وعناوينها، من كهوف هذه الأربعين عاماً ونيف. تسطع نخبوية خطاب هيئة التنسيق في أكثر من مكان وأكثر من مناسبة، وتبدو لغتها متعالية على الحراك الشعبي ومتشرّطة عليه، وفي أحيان كثيرة تبدو وكأنها، بحسّ فلسفي- ليبرالي كلاسيكي على الأغلب، تحابي الخصم أكثر مما يجب. ﻻ مكان لفولتيريات الودّ الذي لا يفسده الخلاف في سياق ثورة شعبيّة ضد حكم استبدادي فاسد وقاتل. لذلك، يبدو استخدام هيئة التنسيق لشعارات ولغة النظام ذاته بما يخص التدخّل الخارجي وكأنه خلق قضيّة مشتركة بين القامع والمقموع، أسمى من الدّم، وبالتالي ممنوعٌ على أهل الدّم تجاوزها. عدا ذلك، يضع خطاب هيئة التنسيق النظام في وضع المخوّل بالحكم على الوطنيّة من عدمها حين تحابي خطابه وتتقرّب منه، وهذا وضعٌ ﻻ يستحقّه النظام، ولم يستحقه في يومٍ من الأيام. لا يتوجّه النقد نحو محتوى رفض الهيئة للعنف أو الطائفية أو التدخّل الخارجي، فكاتب هذه السطور ضد هذا المثلث اللعين دون أي تحفّظ أو استثناء، بل يخص نمطاً من الخطاب والفعل السياسي يرفض الخروج من عباءة النظام، ويعطي هذه العباءة قيمة ﻻ تمتلكها إطلاقاً.

قد يبدو بديهياً أن هناك مشكلة كبيرة حين يكون خصمك أول مادحيك، خاصّة وأننا نتحدّث عن خصم ﻻ يحترم اﻻختلاف معه وﻻ يقبله وله تاريخ أسود في قمع حقوق وحريات المواطنين والمواطنات. هناك خلل سياسي كبير في أن يكون الإعلام المعادي صراحة لانتفاضة الشعب السوري منبراً متكرراً لأعضاء هيئة التنسيق، وﻻ تجدي حجّة إغلاق "الإعلام النفطي" (والمقصود بذلك الجزيرة والعربيّة) في وجههم (وهو إغلاق مستهجن وكريه في جميع الأحوال) نفعاً لتبرير الصعود على منابر العداء ﻻنتفاضة الشعب السّوري. إلى من يتحدّثون خلالها بالضبط؟

من ناحية أخرى، ﻻ يمكن للمجلس الوطني أن يدّعي أنه قد حلّ تناقضات ومشاكل هيئة التنسيق أو ثبّت نفسه كبديل حتمي جامع للقوى السياسيّة السوريّة. ﻻ شك في أنه الأكثر "جماهيريّة". لكن، على ماذا تستند هذه "الجماهيريّة"؟ لم يجب المجلس الوطني على أيّ من الأسئلة السياسيّة الجوهريّة التي يُفترض أنه أنشئ أصلاً لكي يجيب عليها بثبات ووضوح الثائر ضد اﻻستبداد والظلم والقمع، ﻻ بل تبدو عوامل التصدّع والشرخ وكأنها تتربص بأي محاولة للإجابة بشكل واضح عن أسئلة بديهيّة يجب أن يطرحها من يدّعي لنفسه تمثيل الثورة السوريّة قبل أن يطرحها أيّ شخصٍ آخر عليه. لم يعطي المجلس الوطني، حتّى الآن، مظهراً من مظاهر الثقة بالنفس، فالمداهنة وتدوير الزوايا واللف والدوران هي أساليب متكررة لأعضائه والناطقين باسمه (ما هو عدد الناطقين باسم المجلس الوطني؟ بعدد أعضائه؟)، والتناقضات السياسية في داخله متكررة بشكل مقلق.

أكثر من عدم إظهار الثقة بالنفس، لا يبدو، وهذه هي المأساة برأيي، أن المجلس الوطني يقدّر قيمة الحراك الشعبي أو يثق بقدراته وإمكاناته. لقد منح المجلس الوطني النظام هديّة ثمينة عندما دخل (أو لنكن أكثر إنصافاً: لم يمانع إدخاله) كعنصر آخر من عناصر النزاع الإقليمي- الدولي بين محاور قائمة منذ سنوات، محاور تتنافس على أمورٍ كثيرة، من بينها الريادة في مجال العداء الصارخ والصريح لحقوق وحريّات وكرامة الشعوب العربيّة. حرب المحاور قائمة منذ سنوات، والمتغيّر اليوم هي اﻻنتفاضة الشعبيّة. اﻻنتفاضة قامت لتفرض وضعاً جديداً يضع كرامة الشعب وحقوقه وحرياته فوق أي شيء آخر فهل يعمل المجلس كممثل نزيه لهذا الهدف السامي، حتى وإن سلّمنا بضرورة وجود حيّز برغماتي معيّن يعمل ضمن واقع أننا لسنا في جزيرة منعزلة؟ يتصرّف المجلس وكأنه ينال شرعيته من دخوله في معترك السياسة الدولية عن طريق لعبة المحاور، في حين أنه كان يُنتظر منه، كي نستطيع القول أنه يستحق تمثيل الانتفاضة السوريّة، أن يتصرّف باعتدادٍ أكبر وأن يفرض نفسه وشروطه (أي شروط مصالح الشعب السوري) باعتباره ممثل المتغيّر الأقوى اليوم في الساحة. هل يفعل ذلك؟

ماذا عن موقف المجلس الوطني من "التدخّل الخارجي"؟ من المؤسف أن يكون خطاب وعمل الهيئة الطامحة لتمثيل الحراك الشعبي الثوري من العوامل الباعثة لليأس في صفوفه. لا يبدو أن للمجلس الوطني منهج سياسي يخص تجذير عمله في الداخل السوري والعمل على فتح آفاق جديدة للحراك الشعبي عن طريق استنباط أشكال نضاليّة جديدة والعمل على توسيع القاعدة الشعبية وضم الفئات المترددة وتطمين الفئات الخائفة. على العكس تماماً. متابعة مداخلات أعضاء المجلس الإعلامية تشير إلى أنهم يدافعون عن أن الحراك الشعبي قد وصل إلى سقفه واستنفذ أدواته (وهذا غير صحيح على الإطلاق) وبالتالي لا مفر من البحث عن "التدخّل الدولي". لكن، لو تركنا ضخ اليأس الذي يمارسه المجلس في الحراك الشعبي جانباً، ما هو "التدخّل الدولي" الذي يطالب به المجلس؟ عشرة أجوبة مختلفة، على الأقل.

لنعد إلى "جماهيريّة" المجلس الوطني. تلك اللافتات التي تدافع عن المجلس الوطني وتهاجم منتقديه. هناك قطّاع فاعل ونشيط إعلامياً داخل المجلس الوطني يدافع عن خيار التدخّل العسكري الأجنبي (بمسميات مختلفة ودورانات متنوّعة) كخيار أوحد لـ "حماية المدنيين". أي، يا أيها الواقعون تحت رصاص ونار ونير وموت النظام القمعي، أنا وفقط أنا أمتلك الوصفة لإنقاذكم من الموت. هذا ليس ابتزازاً لضحايا فاشيّة قوى القمع فحسب، بل أنه أيضاً مزاودة رخيصة على رافضي هذا الخيار بحجج شعبويّة مؤسفة من قبيل اﻻتهام بانعدام الإحساس بمعاناة المدنيين.

للأسف، يبدو أن بعض من في المجلس، وكثيرين من حوله، يعتقدون أن هذه اللافتات، الخارجة بهذه الظروف، هي بمثابة "بالروح بالدم..” البائدة. ﻻ ولن..

تشترك هيئة التنسيق والمجلس الوطني في "خطيئة" إقحام التدخّل الخارجي كموضوع رئيسي في اﻻنتفاضة الشعبية السورية. الأولى تريد برفضه نيل صكّ وطنيّة ممن ﻻ يمتلك موقعاً أخلاقياً يؤهله لمنح هذه الصكوك، والثانية أرادت فرض نفسها كناظم لهذا التدخّل بطريقة أو بأخرى. واقعان: الأول هو أن النظام في النهاية، بسياسته القمعيّة العنفيّة وبضربه عرض الحائط بأدنى منطق وطني وإنساني، هو المسؤول عن أي تدخّل خارجي يحصل، خاصّة وأن خطابه المدافع عن السحق والقمع والذبح كـ "شؤون داخليّة" يدفع إلى ذلك. الثاني هو عدم وجود دلائل على أي نيّة لتدخّل عسكري خارجي من أيّ جهة. الواقع السياسي واﻻقتصادي الدولي لا يسمح بمغامرة من هذا النوع، ولذلك تبدو المراهنة على تجذير الانتفاضة الشعبيّة واتخاذ قرار شجاع بالمضي بها حتّى النهاية أكثر أمناً وضماناً من السماح بوضع الانتفاضة في وضعيّة انتظار شيء لن يأتي، وإن أتى فلن يأتي وفقاً لمصالح الشعب السوري.


يمكننا، ويحق لنا، أن نقسو على المعارضة السورية بأطيافها وأن نوسعها هجاءً ونقداً من جميع الزوايا والنواحي. لكن أقوالاً شبيهة بأن المعارضة تشبه النظام أو أنهما وجهان لعملة واحدة ﻻ تستحق إﻻ الرفض، حتى لو قيلت بحسن النيّة. ليس صحيحاً أن المعارضة سيئة كالنظام، وهذه الأقوال ﻻ تشبه إﻻ اعتبار ما يحدث في سوريا نزاعاً بين "الدولة" ومحطّة فضائيّة، والمدافعون عن منطق أن صراع المعارضة مع النظام هو صراع بين سيئين متساويين هم، على الأغلب، ممن يدافعون أيضاً عن أن الموقف "المنطقي" و"العقلاني" هو الحياد أو الصمت. في سوريا انتفاضة شعبية أشبه بالمعجزة ضد نظام استبدادي وظالم ﻻ يشبه إﻻ أسوأ الأنظمة في تاريخ اﻻستبداد، انتفاضة لم تطلقها المعارضة ولم تفعل حتى الآن إﻻ محاولة اللحاق بها ﻻهثة، وبالتالي ﻻ يمكن قبول هجاء المعارضة كمبرر للتخلّي عن اﻻنتفاضة أو خذلانها، بل على العكس تماماً.


انتفاضة على انتفاضة، أو انتفاضة على "ممثلي" اﻻنتفاضة.. أياً يكن، المهم أن تكون، أولاً وأخيراً، انتفاضة!!

...

منشور في "صفحات سوريّة"

.