23 نواران 2012
هيكل وسوريا- التحنيط
08 نواران 2012
وماذا عن المعتقلين؟
تطلع علينا وكالة سانا كلّ يوم أو يومين بأنباء عن "تسوية أوضاع" العشرات، أو أحياناً المئات، ممن يُفترض أنهم سلّموا أنفسهم وأبدوا ندمهم "وتعهدوا بعدم القيام بما يمس أمن سورية مستقبلا بعد أن تأكد لكل منهم حجم المؤامرة المحاكة ضد سورية"، حسب الكليشيه المكرور كـ "مانترا" في هذا النوع من الأخبار. نقرأ أيضاً أنباءً عن إطلاق سراح العشرات والمئات من الذين "لم تتلطّخ أيديهم بالدّم" دون أن يشرحوا لنا، ومن نحنُ لتُقدّم لنا الشروحات أصلاً؟ لماذا اعتقلتهم قوى الإصلاح والتحديث والديمقراطيّة المشعّة وهجاً وبراءة وجمالاً على العالم أجمع إذاً؟
بالتأكيد، على "أخي المواطن" أن يسمع ويصدّق، ثم يكذّب ما يرى بعينيه. فقد ازدادت وتيرة الاعتقال في الأسابيع الأخيرة، بالذات منذ بدء التطبيق المُفترض لخطّة عنان، والتي يتناسى المتحمسون لها أن أحد بنودها ينص بالذات على إطلاق سراح جميع المعتقلين. تتالت في الآونة الأخيرة الكثير من الأسماء المعروفة التي وقعت في براثن أجهزة الأمن، ومنهم معتقلو المركز السوري للإعلام وحرّية التعبير، الطبيب جلال نوفل، الكاتب الماركسي سلامة كيلة، ابني المعارض المعروف فايز سارة، وطبيب الأسنان الشاب بلند حمزة. هذه ليست إﻻ عيّنة بسيطة من المعتقلين المعروفين في الأسابيع الأخيرة، وربما نرى أسماء الكثير منهم في صفحات التواصل الإجتماعي ضمن حملات المطالبة بالإفراج عنهم، لكن هؤﻻء ليسوا، بدورهم، إﻻ جزءاً بسيطاً من الكم الأكبر من المعتقلين، الذين ﻻ اسم لهم على الفيسبوك وﻻ صفحات تطالب بالإفراج عنهم.
المعتقل المجهول، كالشهيد المجهول، رموزٌ ظهرت في بلدٍ كنّا نطالب فيه أﻻ يكون الشهداء والمعتقلون مجرد أرقامٍ، حتّى بتنا نبحث عن الأرقام وﻻ نجدها..
ما هو أكثر بذاءة من اﻻعتقال، مهما كان هذا متوحشاً، هو التغييب القسري الذي أدمن عليه جلادوا القمع في الآونة الأخيرة، حيث يختفي "سيء الحظ" دون أيّ معلومات عن مكانه أو سبب اعتقاله أو وضعه الصحّي، في ممارسةٍ فاشيّة لا تنوي فقط إلحاق العقوبة بالمُعتقل، بل التلذذ بتعذيب أهله نفسياً وجسدياً في بحثهم المضني عن "مفقودهم". هذه ساديّة سلطوية، ليس إﻻ.
يبقى المعتقل، في منظور التهكّم التراجيدي الذي برع فيه السوريون مؤخراً، محظوظاً بالمقارنة مع من قُتل، فالمعتقل ما زال حيّاً في بلادٍ تطمح للحياة رغماً عن الموت الذي يحكمها بالحديد والنار.
..
الصورة: حسين خزام
01 نواران 2012
الغائب في خطاب المعارضة السوريّة
![]() |
| فيلا وزير اﻻقتصاد السوري |
هناك أسباب اقتصاديّة واجتماعيّة جذريّة دفعت السوريين للخروج والتظاهر ضد النظام، ومطلب الكرامة لم يكن فقط، أو حتى أساساً، ضد استبدادٍ سياسي (بالمعنى الضيّق للاستبداد السياسي) لم يشكّل معضلة جوهريّة عند أجيالٍ كاملة لم تعرف معنى وجود حياة سياسيّة بالحد الأدنى في البلاد واعتادت على التصحّر السياسي، لكن المعارضة السوريّة لم تهتم إطلاقاً في أن يشمل خطابها كلّ هذه المسائل الحيويّة. اﻻستبداد السياسي هو جزء من كل، هو جانب من طبيعة ﻻ عقلانيّة في طغيانها لنظامٍ يشكّل استعباد البلاد اقتصاديّاً رافداً حيوياً له وعاملاً لصناعة الولاء قد يفوق في أهميّته عامل الاستبداد السياسي والقمع، ولهذا اﻻستعباد الاقتصادي توابع اجتماعيّة شديدة الخطورة يعيشها الشعب السوري بشكل خاص في السنوات الأخيرة، وستستمر ويلاتها لسنوات عديدة. هناك إشارات واضحة، على سبيل المثال، عن علاقة تناسب طردي بين تردّي الأوضاع الاقتصاديّة- الاجتماعيّة في السنوات الأخيرة وارتفاع معدلات الجريمة والأمراض النفسيّة وحتّى في تضاعف حالات الانتحار بين فئات الشباب بشكل خاص. هذا كي ﻻ نتحدّث عن تكرار حالات الموت غرقاً لشبان حاولوا الوصول للدول المجاورة. أين خطاب المعارضة السوريّة من هموم الشعب السوري اﻻقتصاديّة- اﻻجتماعيّة؟ أﻻ يخجل عضو مجلس وطني، على سبيل المثال، من الظهور بشكل متكرر على شاشات التلفزة والقول (مخطئاً) أن واردات النفط لا تدخل في الموازنة السنويّة للحكومة بل تذهب مباشرةً إلى جيوب العائلة الحاكمة؟ أﻻ يدل هذا الكلام عن جهل مطبق وعدم إلمام بأسباب معاناة الشعب السوري الأساسيّة؟
قد لا يعلم القارئ غير السوري (وبعض السوريين) أن حالة النزوح المأساوي التي يعيشها اليوم أكثر من مليون سوري (حسب تقديرات الأمم المتحدة) نتيجة الهجمات العسكرية والقصف لم تكن الأولى في حجمها في زمن هذا النظام، بل لم تكن الأولى في السنوات الخمس الأخيرة. أتحدّث عن كارثة انهيار القطاع الزراعي في منطقة الجزيرة السوريّة (الرقة- الحسكة- دير الزور) حيث أدّى سوء التخطيط والإدارة والفساد إلى مسح مصدر رزق 1,3 مليون نسمة (من أصل خمس ملايين مواطن تقريباً في المحافظات الثلاث) ووضع أكثر من ثمانمئة ألف نسمة منهم في حالة "فقر مدقع" حسب تعبير وكالات الأمم المتحدة. من بين هؤﻻء يتكفّل برنامج الغذاء العالمي بإطعام (نعم، إطعام!) 190 ألف نسمة، في حين يحتاج 110 آلاف آخرون حصص غذائية مساعِدة، وأدت هذه الكارثة إلى تهجير مئات الآلاف من السكان (بين 50-80 ألف عائلة عام 2010 وحده، حسب تقديرات الحكومة السورية والأمم المتحدة) يعيشون اليوم في أحزمة الفقر في المدن الكبرى وفي مخيّمات تفتقر لكلّ مقوّمات الحياة وﻻ يأتيها من الدعم والمعونة إﻻ النذر اليسير الذي تطوّع بعض الشباب والشابات لتقديمه لهم. أغلب هؤﻻء الشباب، يا للمصادفة، اعتُقل من قبل أجهزة النظام الأمنيّة خلال العام الأخير.
لم يكن الجفاف وشحّ الأمطار سبب هذه الكارثة وبهذا الحجم، بل أن إدارة القطاع الزراعي في المنطقة، والتي تميّزت برداءتها وفسادها، أدّت إلى إنفاق أكثر من 15 مليار دوﻻر خلال عقدين على أنظمة ري غير مجدية وغير صالحة لواقعنا الجغرافي والمناخي، أنظمة ري ساهمت في تعزيز حالة الزبائنيّة والولاء الفاسد في تمييزها للأراضي حسب نفوذ وسطوة أصحابها، وساهمت أيضاً في ترسيخ البنية العشائرية لريف الجزيرة بأسوأ أشكالها باستدعائها نفوذ رؤوس هذه البنى العشائرية عن طريق استفادة هؤﻻء من توزيع الأراضي "الصالحة للزراعة" عليهم، ثم جاء القرار القراقوشي برفع أسعار المحروقات أربعة أضعاف مرّة واحدة دون تقديم بديل عملي ومنطقي قابل للتحقيق ليسدد طلقة (الرحمة؟) على رأس القطاع الزراعي في شرقي البلاد.
رغم حجم الكارثة في السنوات الثلاث الأخيرة، تميّزت موازنات "اقتصاد السوق الاجتماعي" بقصقصة اهتمامها بالزراعة عاماً بعد عام. هكذا، أصبحت سوريا، سلّة غلال العالم القديم، تقبل نصف مليون طن من القمح "هديّة" من الإمارات العربيّة المتحدة. لا يبدو في هذه الحالات أن النظام يكترث لـ "السيادة الوطنيّة" أو حتى لـ"الكرامة الوطنيّة". السيادة الوطنيّة فقط تُستدعى حين يُراد قمع وقتل المواطنين دون أن يتدخّل أحد أو يحتج.
ليبحث القارئ عن إشارة، ولو عابرة، لهذه الكارثة الإنسانيّة في مواقع كبرى هيئات المعارضة السوريّة على اﻻنترنت.. لم يسمعوا بها، أو لم يهتموا. ﻻ أدري أيّ التفسيرين أسوأ.
بطبيعة الأحوال لم تكن مأساة الجزيرة السوريّة عزفاً منفرداً في سياسة النظام السوري الإفقاريّة، سياسياً واقتصادياً وفكرياً وثقافياً، بل أتت منسجمة مع تتالي المآسي الاقتصادية- الاجتماعيّة التي عاناها الشعب السوري في ظل إدارة الاستبداد الشامل، خاصة بعد انعطاف النظام، عام 2005، نحو "اقتصاد السوق اﻻجتماعي"، والذي لم يكن إﻻ منعطفاً نيوليبرالياً مشوّهاً يسمح للثروات التي كُدّست خلال العقود السابقة من الفساد والنهب المنهجي للدولة والشعب بالظهور كنتاج العبقرية الاقتصاديّة لروّاد أعمالٍ جلّهم، يا للمصادفة، من أبناء وأشقاء ضباط الأمن والجيش والمتنفذين في السلطة والحكم. رامي مخلوف قد يكون أكثرهم وحشيّة وظهوراً، ولذلك كان هدفاً سريعاً للمتظاهرين والمحتجين، لكنه لم يكن وحيداً، بل كان جوهرة التاج لشبكة من العلاقات اﻻقتصاديّة والسياسيّة الفاحشة الفساد، والتي كانت تستخدم الحكومة كمجرد أداة لشرعنة فسادها عن طريق إطلاق قوانين ومراسيم مكتوبة على مقاسهم. هذه الحكومة، التابعة للنظام الممانع جداً للنفوذ اﻻمبريالي، كانت تتلقى ببالغ السرور نصائح وتوجيهات من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ووصلت الوقاحة بهم إلى دراسة مقترح من البنك العالمي بتخفيض الرواتب التقاعدية للعاملين في الدولة، وهي رواتب شحيحة أصلاً.
إن أردنا قراءة بعض المعلومات الخاصة بالشهور العشرين السابقة لاندلاع الثورة السورية سنجد مثلاً أن الحكومة السورية اعترفت في تلك الفترة أن هناك 115 منطقة مخالفات في محافظات دمشق، ريف دمشق وحلب، ويقيم في مناطق المخالفات هذه ما يعادل 30-40% من السكان، وأننا إن جمعنا عدد سكان العشوائيات في سوريا فسنجد أنهم يتجاوزون 8 مليون نسمة. في هذا الوقت أيضاً وصل معدّل البطالة في أوساط الشريحة العمريّة الأدنى من 30 عاماً إلى 48%، وقُدّر أن ما بين 30-40% من خريجي الجامعات السوريّة العاملين ﻻ يعملون في مجال اختصاصهم. في هذه الفترة نجد أيضاً أن 33,6 % من المواطنين السوريين يعيشون تحت خط الفقر. في تلك الفترة لم يكن الاقتصاد السوري منكمشاً كما هو الآن، بل كان ينمو بما ﻻ يقل عن 3% (ﻻ نعرف الرقم الحقيقي ﻷن هناك اتهامات متبادلة بين أركان النظام بالتلاعب بنسب النمو الحقيقي). لكن الهوّة بين الأغنياء كانت تكبر بنفس تسارع انهيار البقيّة الباقية مما كان يوماً يُسمّى "طبقة وسطى".
عام 2010، أي العام الذي حُطمت فيه الأرقام القياسية في تردّي الأوضاع اﻻقتصادية لعموم السوريين، أخبر صاحب أحد معارض السيارات بجانب دمشق صحافيّة تعمل لصالح الإذاعة الوطنية الأمريكية أنه باع خلال الشهور التسع الأولى من العام أكثر من 70 سيارة بورش. لمن باعها؟ السوريون يعرفون هذا الجواب، وﻻ يستغربنّ القارئ أن يجد بعضاً من هذه السيارات الفخمة وهي تحمل لوحات الجيش والشرطة أو الأجهزة الأمنية، وبالتأكيد لن تغيب ملصقات الولاء الأعمى عن زجاج أغلبها.
هل يعلم القارئ أنه في نفس الحقبة الزمنية التي كدّس فيها رامي مخلوف ثروته (59 مليار ليرة سوريّة داخل سوريا، حسب ما يُعترف به في وسائل الإعلام المرضي عنها) وغيره من عشرات "روّاد الأعمال"، حوكم صحفيّون وناشطون بتهمة "مقاومة النظام اﻻشتراكي"؟ وجاء بشار الجعفري ليتحدث بعدها عن "أوليغارشيّة" الأنظمة العربيّة الأخرى، جاعلاً الهزل يسخر من نفسه؟
المفارقة في الموضوع أن النظام نفسه يعترف بهذا الحجم والكم من الفساد، وإن أرجعه زبائنه من الإعلاميين إلى ثقافة الفساد الموجودة في الشعب! أي أن هذا الشعب، الذي يعاني الفقر المدقع المشار إليه أعلاه في الأرقام، هو الذي أفسد ذمم وأخلاق هؤﻻء الحكام النزيهين والورعين في الأصل. ﻻ يبرئ النظام نفسه من صورةٍ تشير إحصائية استشعار الفساد لمنظمة الشفافيّة الدوليّة إلى جزءٍ منها، حين تضع سوريا في المرتبة 129 من أصل 180 دولة، ويقدّم النظام أحياناً بعض المسؤولين المتوسطين الذين انتهت صلاحيتهم أو غُضب عليهم وقوداً لـ"فضائح" تحت السيطرة في الإعلام المدجّن، وكمثال على ذلك نذكر حالة رئيس الضابطة الجمركية حسن مخلوف، الذي كان يمتلك، حين فُصل من عمله وحوكم بتهمة الفساد، 137 عقاراً. وهذه الفضائح الخلّبية التي يريد النظام بها إعطاء صورةٍ لنفسه كمكافحٍ للفساد ليست إﻻ إهانة لعقول ومشاعر السوريين، الذين يعرفون ويعانون امتلاك هذا النظام لأجهزة أمنية تحصي على المواطن أنفاسه، فكيف أرادنا أن نصدّق أن هذه اﻻمبراطوريات الماليّة الكبرى قد بُنيت على غفلة منه؟ هذه الحركات الاعلامية ليست إﻻ تعبيراً آخر عن احتقار هذا النظام لشعبه ولعقولهم.
لا يعاني السوريون من انعدام أي رادع أخلاقي لدى النظام تجاه الفساد المالي أو أيّ أنواع أخرى من الفساد، وإنما أيضاً تجاه عدم إحساس كامل بما يستفز الناس، وإن حتى كقراءة سياسيّة لتوابع هذا اﻻستفزاز وضررها عليه، وكمثال على ذلك نذكر عرض وزير الاقتصاد السوري صور فيلته البالغة الفخامة في إحدى ضواحي حلب المخمليّة على صفحته في الفيسبوك (الصورة أعلاه) في الوقت الذي يعاني سكان بعض أحياء حمص تبعات سوء تغذية شبيه بما يُشاهد في أفريقيا الوسطى!
السؤال الواجب عند هذه النقطة هو: أين خطاب وعمل المعارضة السورية من كلّ هذا؟ لماذا تُهادن النظام في الساحة الداخلية، حيث ﻻ يجرؤ مؤيدوه على تبريره حتى، وتلاحقه فقط وراء تحالفاته وعلاقاته الدوليّة، وهي بالنهاية حمّالة أوجه؟ أﻻ تشعر المعارضة، بمختلف أركانها، أن خطابها قاصر وﻻ يصل إلى غالبيّة السكان؟ وأن من انتفض اليوم لم ينتفض كرمى لخطاب المعارضة، ومن لم ينتفض لديه أسبابه لعدم الثقة بمعارضة ﻻ خطاب لديها يخصّه؟ أﻻ تشعر بأن كراهية النظام ﻻ تعني بالتعريف تأييداً لها طالما ﻻ يتحسس الناس وعياً لمآسيهم وآلامهم في الخطاب؟ ﻻ يعيش النظام فقط بالاستبداد السياسي والقمع، بل أن منظومة الإفقار والنهب الممنهج تكفل له شبكة علاقات ووﻻءات داخلية تعينه على شعبه، وبالتالي ﻻ يمكن إهمال هذه المنظومة الإفقاريّة وﻻ يمكن تجاهل آثارها اﻻقتصادية- اﻻجتماعيّة على عموم الشعب السوري.
إنها، أكرر، ثورة فقراء، ولن تنجح في التغلب على مشاكلها الذاتية وعلى خصمها اللدود إن لم تتبلور قيادة سياسيّة معارضة تتعامل معها على أنها ثورة فقراء وتعمل من داخلها إلى داخلها. هل تعي المعارضة السوريّة ذلك؟
..
26 نيسان 2012
الحرّية لمعتقلي المركز السّوري للإعلام وحرّية التعبير
![]() | |
| المركز السّوري للإعلام وحرّية التعبير |
25 نيسان 2012
المجلس الوطني للأقليات.. الطائفيّة وزبائنها
22 نيسان 2012
رسالة مفتوحة إلى المعارضة السورية

السادة الأعضاء في المجلس الوطني السوري، هيئة التنسيق الوطنيّة، المنبر الوطني، المجلس الوطني الكردي السوري وغيرها من تكتلات وتجمعات المعارضة السوريّة، بالإضافة إلى كلّ الشخصيات السياسيّة المستقلّة.
تحيّة وبعد،
ﻻ أحب خطاب تحقير السياسة، وأعتبر أنه، بشكل أو بآخر، تكريس للوضع القائم. نحن بحاجة إلى سياسة وساسة من كل ألوان الطيف وكل أشكال الفكر والإيديولوجيا. أود أن أشير أيضاً إلى أن أغلبكم، كأشخاص وسياسيين، لستم سيئين، وسيئيكم ليسوا جميعاً بذات السوء. لكن أداءكم الجماعي اليوم سيء بحجم كارثة، وأثركم شديد السلبيّة ويكاد يدعو للتفكير إن كان من الأفضل لو تصمتون وتتركون مكانكم لغيركم. المشكلة، يا سادة، أنه لا وقت وﻻ ظرف لدينا يسمح باستبدالكم بالكامل الآن، وﻻ خير في أن يظهر المزيد من المزاحمين في زحام شجاراتكم.
اعلموا، يا سادة، أن الظروف الحاليّة وحدها التي تُجبر على اﻻحتفاظ بكم على شكلكم هذا، فإما تغيّرون مافي أنفسكم، أو ستغيّركم الظروف رغماً عنكم، أو تغيّركم من أساسكم.
...
من آخرها.. إلى أين؟ إلى أين تريدون الذهاب. ليس اليوم، ليس غداً، بل ليس بعد شهر. إلى أين تريدون الذهاب الآن؟ أين أنتم الآن؟ مع من؟ ضد من؟ لأجل ماذا؟ هلاً توقفتم للحظة وفكرتم في هذه الأسئلة البسيطة. يُفترض في كلّ سياسي، خاصة إن كان ديمقراطياً بالحدّ الأدنى، أن يسأل نفسه عمّا لديه ليقدمه للناس لكي يدعموه وينتخبوه أو حتى لينضموا لحزبه ولتجمعه. ماذا لديكم أنتم غير مزاودات لفظية على بعضكم البعض ضد نظامٍ رأى الأعمى كم هو فاشيّ ومجرم ولم يعد هناك، بعد أكثر من ثلاثة عشر شهرٍ على اندلاع الثورة السورية، أي "شطارة" في أن يكون المرء معارضاً له؟ ماذا قدمتهم من خطواتٍ ملموسة وواقعية وممكنة التحقيق للتخلّص من اﻻستبداد والظلم وبناء وطن ديمقراطي تعددي لجميع أبنائه؟ ﻻ تكفي النوايا، يا سادة، حتى لو اجتمعتم عليها وأجمعكم، فماذا نفعل إذاً إن كانت حتّى نواياكم نفسها موضع محاكمات فيما بينكم؟
هل تعلمون، يا سادة، أن العامل الوحيد الذي يمنع ثورة ضدكم جميعاً هو وجود ثورة ضد النظام الحاكم حالياً؟ هل تعلمون أن منظركم مخجل أمام الرأي العام السوري وغير السوري؟ بعضكم يبدو كموظف لدى وزير الخارجية هذا والمسؤول الدولي ذاك، وبعضكم الآخر كأعزب عاشق في ليلة زفاف حبيبته من غيره. هل يصعب عليكم أن تروا أنكم، كطبقة سياسيّة معارضة، بتّم عبئاً على الثورة السوريّة شكلاً ومضموناً؟
هل تعتقدون حقاً أنكم تتصرّفون بما يليق بنخبة سياسيّة لحراكٍ شعبيٍ ثوري؟ ﻻ تتستروا بالظروف أرجوكم، فظروف الشهداء وعائلاتهم والمهجرين والمعتقلين والقابعين تحت القصف ليست فقط أقسى من ظروفكم بآلاف الأميال الضوئية، بل كانت تقتضي منكم على الأقل، يا نخبة، أن تتغلبوا على هذه الظروف، الذاتيّة منها والموضوعيّة، الحقيقيّة منها والمتخيّلة، المنطقيّة منها والصبيانيّة. أضعف الإيمان يا نخبة.. أضعف الإيمان!
ﻻ أريدكم أن تتوحدوا، فتوحّد الأصفار ينتج صفراً بحجم خيبة. أريد منكم أن تبقوا على تنوّعكم لكن أن تعملوا، ليعمل كلّ منكم مع قاعدته الشعبيّة، وإن لم يمتلكها فليبنها، وليصنع برنامجه السياسي ويوفّر الآليات اللازمة لتحقيقة. ثم، إن استطعتم، توافقوا وتواصلوا وأنجزوا تحالفات وتسويات واتفاقيات فيما بينكم حسب ما يراه عقلكم السياسي والضمير الأخلاقي. افعلوا ما شئتم، لكن افعلوا شيئاً.
…
كي تندلع انتفاضة شعبيّة في سوريا ضد نظام الإفقار والإذلال والاستعباد كان عليها أن تناطح المستحيل حتّى تغلبه، وأن تصارع الزمان والمكان حتى تكسّر عظامهما. لم تقودوا اندلاعها ولم تكونوا، بمختلف أركانكم، أطرافاً فيها. ركضتم وراءها ﻻهثين حتى حملتكم على أكتافها، وما زالت تتحمّل ثقلها الذاتي وثقلكم متسلّقة جبلاً شاهقاً قمّته الحرّية والعدالة والكرامة. أﻻ ترون؟ أﻻ تشعرون؟
لقد قدّم الشعب السوري تضحياتٍ جسيمة.. آلاف الشهداء، عشرات الآلاف من الجرحى والمعتقلين، مئات الآﻻف من المهجّرين داخل وخارج البلاد، ومع ذلك ما زال يناضل بصبرٍ مصمماً على الذهاب بثورته حتّى النهاية رغم كل التحديات والآلام. أنتم، في المقابل:
أولاً: لم يتمكن أيّ تجمّع فيكم أن يطرح برنامجاً سياسياً مرحلياً قائماً، بالحد الأدنى، على إدارة الجهود والتضحيات السياسيّة والميدانيّة في سبيل التقدّم في خط واضح وبيّن ومباشر، بل دخلتم في معارك دونكيشوتيّة بين بعضكم البعض حول التمثيل الداخلي والاعتراف الخارجي؟
ثانياً: فشلتم في التوافق بالحد الأدنى فيما بينكم، بل فشلتم حتى في حفظ ماء الوجه إعلامياً واحترام بعضكم البعض إنسانياً، كي ﻻ نقول سياسياً. أﻻ يخجلكم أن تكون تسجيلات تراشقاتكم وشجاراتكم المخزية مواداً يتداولها إعلام النظام وحلفائه وزبائنه بكل سرور وتلذذ؟
ثالثاً: فشلتم في الاتفاق على أدبيات أو ميثاق شرف تسمح بالاختلاف ديمقراطياً داخلها وتحريم ما بخارجها. هكذا، بين شجاراتكم، بات نشاز الخطاب الطائفي والمعادي صراحةً للديمقراطيّة ولبديهيات مشاعر وثوابت الشعب السوري وارداًُ إعلامياً. فلا توافق بين الأقطاب الكبرى في المعارضة يركله خارج المشهد.
رابعاً: فشلتم في إدارة وقيادة موارد الحراك الشعبي، ولم تستثمروا جهداً وﻻ وقتاً في معالجة نواقصه ودفعه إلى الأمام وإعطائه الثقة الذاتية الناجمة عن كونه الزلزال الذي قلب المعايير في المنطقة ككل وليس سوريا فقط، بل انشطرتم بين متعالٍ على الحراك ومتشرّطٍ عليه ببرودة وانعدام إحساس، وبين شعبويّ باحث عن ﻻفتات تأييد في مظاهرات الغرقى بالغضب والدّم، وبين محتقرٍ للحراك الشعبي وللقوّة الشعبية وباعثٍ في اليأس فيه وباحثاً عن استجداء وتسوّل من هو أصلاً عدوّ للشعب السوري، أكان حليفاً صريحاً للاستبداد أم مساوماً مستتراً.
خامساً: فشلتم في دراسة واقع المجتمع السوري وظروفه الذاتيّة والموضوعيّة، ولم يفعل أيّ تجمّع منكم شيئاً لاستمالة طبقات وقطاعات من الشعب السوري لديها مخاوف حقيقيّة ومشروعة، بل واجهتهموها بالإنكار تارةً وبتجريم هذه المخاوف تارةً أخرى. هناك ملايين السوريين الضائعين بين الكره لنظام يعرفون أنه مجرم ومعارضة ﻻ دليل لديهم على أنها ستكون أفضل. ماذا قدّمتهم لهؤﻻء الناس؟ أيّ خطة سياسيّة مضمونة صنعتم كي يثقوا بكم وينضموا لمشروعكم؟ لماذا فضّل بعضكم الاتكاء على ابتزاز من لم يعد لديه ما يخسره عاطفياً وركن بعضكم الآخر نفسه للتعبير عن صمت الصامتين بدل أن يبحث عن صوتهم؟
بعد الـ "خامساً" قد نستطيع الاستمرار حتّى الخمسين أو أكثر، لكن أرجو أن تكون هذه عيّنة تريكم بؤسكم.
…
أرجو أن تفهموا قريباً أنكم، أياً كان مآل الثورة السوريّة، ستكونون في الغد القريب من الماضي. بعضكم سيعيش سياسياً حتى مرحلةٍ انتقاليّة، بعضكم قد يتجاوزها بقليل، لكن ﻻ مكان لكم في الحياة السياسيّة المستقبليّة في سوريا ﻷنكم، بشكل أو بآخر، أبناء مرحلةٍ ستطوى دون عودة ودون أسف. بأيديكم اليوم أن يُقال عنكم بعد عدّة أعوام "الله يذكره بالخير" أو "الحمد لله على نعمة النسيان".
والسلام..
..
مقالة ذات صلة: في أزمة المعارضة السوريّة (كانون ثاني 2012)
الصّورة: الشعب السوري عارف طريقه
21 نيسان 2012
[رابط] عن وحدة المعارضة السوريّة- الجمهوريّة

شغلت أنباء محاولات التوافق بين مختلف أركان المعارضة السوريّة حيّزاً إخبارياً هاماً منذ اللحظات الأولى للثورة السورية، وتحوّلت في فصول كثيرة إلى عامل قلق في أوساط الرأي العام الثائر، الذي عبّر في مناسباتٍ كثيرة عن أمله في أن تتوحّد المعارضة السوريّة وعن سخطه على عدم مقدرة الطبقة السياسيّة المعارضة على القيام بواجباتها تجاه الثورة والثائرين. وقد التقت مؤخراً مظاهر الغضب الشعبي على قصور المعارضة وتشتتها وخلافاتها مع ضغط دولي، لفظي على الأقل، متزايد باتجاه ضرورة توحيد جهود المعارضة السوريّة كخطوة أساسيّة في اتجاه ممارسة مزيد من الضغوط على النظام السوري، لكنّ هذه الضغوطات لم تفلح حتّى الآن في إيجاد توافقات وتسويات بالحد الأدنى بين أطياف المعارضة، بل أن اﻻجتماعات والمؤتمرات التي نُظّمت بقصد توحيد المعارضة كانت، للمفارقة، نقاطاً لمزيدٍ من الإضاءة على أزمة الثقة والتشققات الموجودة.
لمتابعة قراءة التحقيق على موقع الجمهوريّة لدراسات الثورة السورية اضغط هنا
..
12 نيسان 2012
عن يسارٍ "ممانع" خذل سوريا
في نقدي لموقف قطاعات واسعة من اليسار من اﻻنتفاضة السورية الكثير من الألم الناتج عن شعورٍ بخيبة الأمل من رفاقٍ أراهم الآن مصرّين على البقاء خارج التاريخ، متحسرين، حسب قولهم، على انتصار ثورةٍ مضادّة على ثورةٍ أدموها بتشكيكهم وتعاليهم وتنظيراتهم التعميميّة السطحيّة. لم يرَ هؤﻻء ثمة مستضعفين في سوريا يقفون معهم، بل أن نظراتهم الملتزمة التقطت، وبحساسيّة عالية الدقّة، بصماتٍ قطريّة وسعوديّة وامبرياليّة- صهيونيّة. بين الحين والآخر، إذا بقي هناك بعض الوقت بعد نكش كلّ ما يمكن نكشه من تغطية قناة الجزيرة هنا أو أقوال معارضٍ موتور هناك، يؤكد رفاقنا هؤلاء على تضامنهم مع حقّ كلّ الشعوب العربيّة في إسقاط أنظمتها. أي، بمعنى آخر، على الشعب السوري أن يُسقط كلّ الأنظمة العربيّة دون الاستثناء، ثم يحرّر فلسطين وعربستان وأوغادين، عندها، فقط عندها، ربما يُسمح له، بعد وجبة تشكيكات وامتحانات مواقف مطوّلة، أن يُسقط نظاماً ﻻ ينكرون أنه سيء، لكنه يستدركون أن له وضعاً خاصّاً ناجمٌ عن كونه "داعماً للمقاومة".
لطالما أكّد يسار "محور الممانعة" في لبنان (وهو الأكثر حضوراً إعلامياً، وبالتالي يشكّل خطابه نواة "اليسار الممانع" العربي) أن وقوفه مع حزب الله محصورٌ في خانة مقاومة العدو الصهيوني، وأنّ هذا الموقف ﻻ يعني، على الإطلاق، دعم أيّ مواقف أو توجهات أخرى يتخذها الحزب. لذلك، كانت مواقف حزب الله بما يخصّ بعض القوانين المحلّية اللبنانيّة، خاصة تلك المعنيّة بالجوانب اﻻجتماعيّة، فرصةً كي يثبت هذا القطاع من اليسار لنفسه أنه قادر على اﻻختلاف مع الحليف في الأمور التي ﻻ تتعلّق بالمجال الصرف لمقاومة العدو الصهيوني. لم تشكّل بدايات موسم اﻻنتفاضات العربيّة تحدياً لهذا الموقف، إذ لم يكن في دعم إسقاط الشعبين التونسي والمصري لنظامين "غير ممانعين" شطارة بما أنه لم يخرج عن موقف حزب الله، بل وموقف النظام السوري نفسه، كما كان التضامن مع الشعبين الليبي والبحريني متجانساً مع عداء حزب الله لنظامي كلا البلدين. لم يأتِ اﻻمتحان حتى الخامس عشر من آذار، حين اندلعت اﻻنتفاضة ضد النظام "الممانع"، الحليف الوثيق لحزب الله.
فوجئ اليسار الممانع باندلاع انتفاضةٍ لم يكن يتوقعها، ووجد نفسه مجبراً على اتخاذ موقفٍ إزاء نظامٍ ﻻ يمكن الدفاع عنه باستخدام لغة اليسار الأخلاقيّة، كما ﻻ يمكن اتخاذ موقف جذري ضدّه ﻷنه حليف حزب الله الوحيد بين البلدان العربيّة. أمام هذه المعضلة قرر السواد الأعظم من اليسار الممانع (والاستثناءات موجودة، لحسن الحظ) اتخاذ موقفٍ "وسطي" سياسيّاً، مراوغ أخلاقياً، ومدمن على استخدام المفارقات لغوياً. ﻻ يُنكر أحقّية الشعب السوري بالانتفاض ضد نظامٍ استبدادي يعتمد الإفقار الاقتصادي والسياسي والثقافي والأخلاقي أسلوباً للحكم، لكنه أيضاً يؤكد وجود مؤامرةٍ ضدّ النظام لدوره في "دعم المقاومة". دعم لفظي وشعاراتي عابر لحقوق وحريات وكرامة الشعب السوري مقابل أطنان من التشكيكات والطعونات والمطالبات غير المنطقيّة بمواقف لم يُطالب بها شعبٌ من قبل. كلّ صوتٍ معارض هو موضع تشكيك وتمحيص، وبالنهاية يُرفض. ﻻ خيارات سياسيّة واضحة تُحدد، لا اقتراحات، لا سيناريوهات، ﻻ مواقف، بل فقط استراحة تامّة في موضع المتفرّج السلبي النقاق، المواضب على التشكّي والتشكيك. كما يطعّم اللاموقف هذا بآراء وهجومات ثقافويّة استشراقيّة على أيّ مظهر إسلامي لطالما وقفوا ضدها بشراسة (وبحقّ) حين استُخدمت غربياً وصهيونياً ضد حماس وحزب الله. ﻻ استخدام لأدوات الدراسة المتوفرة لدى اليسار لتحليل أسباب تقدّم الإسلام السياسي في البلاد العربيّة، وﻻ نقد ذاتي بخصوص إخلاء الساحة الشعبيّة للإسلام السياسي بالكامل والاكتفاء بالبرج العاجي المتعالي على "الجماهير". يكتفون باتهام قطر بإدارة مؤامرة لتسليم كلّ البلاد العربيّة لحكم الإخوان المسلمين، الذين، على ما يبدو، قد أصبحوا الآن، بما فيهم حركة حماس، أذناباً للإمبرياليّة والصهيونيّة.
تسألهم عن رأيهم بممارسات النظام السوري قبل وأثناء اﻻنتفاضة فيجيبونك عن إهمال العالم لانتفاضة البحرين وتآمر الجميع عليها وسط الصمت الإعلامي المطبق، صمتٌ يُكثرون من التذكير به عند ظهور أي تغطية إعلامية لما يجري في سوريا بشكل يوحي وكأنهم يتهمون أولئك الذين يقبعون تحت الرصاص والقذائف في حمص وإدلب وحماة وريف دمشق ودرعا ودير الزور بالتسبب في التعتيم على قمع الشعب البحريني. تطالبهم بموقف من قصف أحياء حمص وقرى ادلب فيردّون، متخذين موقف دفاعٍ محموم، بالحديث عن نهر البارد وكأن أهل بابا عمرو أو تفتناز هم من قصف المخيّم الفلسطيني. توافقهم على أن صوﻻت وجولات أحمد الجلبي في الحديث باسم انتفاضة البحرين ﻻ تعيب حراك الشعب البحريني من أجل الحرّية والعدالة والمساواة في بلادهم، لكنك تكتشف أن الشعب السوري ﻻ يستحق منهم، على ما يبدو، هذا القدر من التفهّم وسعة الصدر: أن يتحدّث سمير جعجع عن دعمه للانتفاضة السورية هو سبب أكثر من كافٍ للاحجام عن دعمها. ﻻ نستطيع أن نكون مع سمير جعجع في صف واحد. تستطيعون إذاً أن تكونوا في صف واحد مع أحمد الجلبي؟ صمت.
المشهد السوري شديد التعقيد. هناك مطامع إقليميّة ودوليّة واضحة، هناك سعي حثيث لدى مختلف المحاور لاستغلال فرصة تأزم الأوضاع في سوريا للتمدد بالنفوذ، هناك معارضة سوريّة بائسة ومفتتة وعاجزة، حتى الآن، عن القيام بدور قيادي وتمثيلي لائق ومتناسب مع حجم التضحيات التي قدّمها الشعب السوري في انتفاضته، وهناك حاجة ماسّة في كلّ ما سبق لإعمال الفكر السياسي النقدي وتحسّس المواضع ودراسة المشاهد. لكنّ الموقف الأخلاقي السابق والمؤسس لأي عمل سياسي هو أمر مطلوب لدى أيّ يساريّ. فوق كلّ حسابات السياسة والمصالح هناك شعبٌ تحت ساطور أحد أكثر الأنظمة وحشيّة وقمعيّة في العالم، هل من موقف وعمل أخلاقي يساري تجاه ذلك؟ أم فقط هناك حديثُ مقاهٍ عن قناة الجزيرة وأمير قطر وأمراء آل سعود؟ نعلم أن المجتمع الدولي منافق، كما نعلم أن القوى الإقليمية عديمة الأخلاق، لكن ما معنى استخدام ممارسات وأساليب اﻻنتهازيين والمنافقين كحجّة للاموقف؟ أليس هذا بمثابة المطالبة بحقّ اتخاذ موقف اﻻنتهازيّة والنفاق أسوةً بالغير؟ بماذا تتمايزون عنهم يا "رفاق"؟
الجيوستراتيجيا، على ما يبدو، تجعل من طغيان بعض المستبدين مكروهاً ومحارباً وطغيان بعضهم الآخر مشروعاً أو مبرراً أو مسكوتاً عنه، تجعل الكرامة والحرية مستحقّة للبعض ومرفوضة للبعض الآخر، تجعل المبادئ ثابتةٌ في مكانٍ ومتعرّجة متراقصة في مكانٍ آخر. الجيوستراتيجيا، على ما يبدو، هي امتحان الشعارات والقبضات المرفوعة. ليس فقط لليسار العربي، بل لأغلب خيارات "إعادة إحياء اليسار على أسس أكثر إنسانيّة” في العالم بشكل عام، وفي أميركا اللاتينية بشكل خاص. في كلّ النصوص المنشورة عن سوريا لدى إعلام "اليسار الممانع" العالمي الكثير من التحليل والتدقيق والتمحيص في كل ثنايا الوضع السوري، في كل عقدٍ لكل شركة تسليحٍ أو نفط ولكل تحالف أو تفاهم في العلاقات الدوليّة، لكن عليك، عزيزي القارئ، أن تطيل البحث قبل أن تجد إشارة عابرة وصغيرة، لفظيّة بحته، لمعاناة الشعب السوري. قد يقرّ بعض الكتّاب، وكأنهم يعترفون بخطيّة مشاكسة صغيرة، أن النظام السوري "سيء"، لكنهم ﻻ يمنحون أي إشارة لتفهّمهم لحقّ الشعب السوري في رفع هذا السوء عن عنقه، بل أن النتيجة التي سيخرج منها القارئ، بعد دراسة هذه "التحليلات التقدميّة"، هي أن النظام، على رداءته، أفضل من الشعب نفسه..
ملاّ دعم لثورات الشعوب!
لقد دخلت اﻻنتفاضة السوريّة مرحلة اللاعودة منذ زمنٍ طويل، والمنخرطون فيها مصرّون على الذهاب بها حتى النهاية، إن كان ضدّ النظام المستبد الفاشيّ أو ضد أيّ قوى محلّية أو إقليميّة دوليّة تريد حرماننا من حقّنا في بناء دولة الكرامة والمساواة والحرّية. الصعوبات كثيرة والطريق طويل. قد ننجح، قد نفشل. في الحالتين سأفتقد رفاقاً كنت أعتقد، قبل عامٍ من اليوم، أنهم سيطبّقون شعاراتهم، شعاراتنا، وسيقدّمون الإيمان بحقوق وحرّيات وكرامات الشعوب فوق أيّ حسابٍ آخر، وسيكونون بجانبنا ومعنا. أخطأت.
..
منشور في موقع الجمهورية لدراسات الثورة السورية
07 نيسان 2012
السابع من نيسان

النص منشور على موقع مجموعة الجمهوريّة لدراسات الثورة السّوريّة.
..
من الطبيعي، في بلاد البعث، أن تُلصق تهمة الطائفية على جبين كلّ معارضي النظام السوري من قبل وكلائه وزبائنه ووسائل إعلامه، في حين تقام احتفالات تنسيب أعضاء جدد لحزب لبناني طائفي (أو لتوأمه السوري؟) في مدينة سوريّة. الحزب هو حزب التوحيد، لصاحبه الوزير اللبناني السابق وئام وهّاب، الذي، بين تصريحٍ وآخر باسم الطائفة الدرزية في لبنان وغير لبنان، يظهر على شاشات التلفزة السوريّة لاتهام المعارضين بالطائفية وغير الطائفيّة.
رأينا في صورة بطاقة الدعوة لاحتفالات حزب التوحيد في السويداء أن اسم الصالة التي احتفل بها الوئاميّون هو "صالة السابع من نيسان".
هكذا سابع من نيسان ﻻ يليق به إﻻ سابع من نيسان كهذا..
..
مؤسسو حزب البعث السوريين الثلاث، ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني، ماتوا أو قتلوا منفيين عن بلدهم في ظل حكم الحزب الذي أسسوه.
الحزب العملاق أم الحزب العاق؟
..
يمثّل فكر وأسلوب ومنهج حزب البعث أسوأ أشكال الشموليّة واﻻستبداد السياسي، أكان عن طريق قتل التعدد بكل أشكاله عن طريق أساليب "الهندسة اﻻجتماعيّة" الفاشيّة بامتياز، أو إيلاء ربط اﻻنتماء الوطني بالولاء العقائدي الأعمى أهميّة بالغة منذ سنوات الطفولة الأولى، حيث يتعلّم الأطفال ترديد شعارات الحزب القائد قبل تعلّمهم كيفيّة كتابة كلماتها حتى. لكن الشموليّة والاستبداد في سوريا ﻻ تختصر بحزب البعث فقط، أي أن النهج "الإصلاحي" الباحث عن تقديم الحزب المترهّل ككبش فداء يتحمّل وزر كلّ موبقات العقود السابقة ليس إﻻ تزويراً للتاريخ وللواقع. فالحزب لم يحكم سوريا كحزب، إنما تحوّل في عهدٍ مبكرٍ من "الحركة التصحيحية" إلى مجرّد مدير لموارد الوﻻء وقالب سياسي مفرّغ من السياسة أصلاً. وكانت له استخدامات بالغة السوء في التعاطي مع تركيبات أهليّة في المجتمعات المحلّية أكان بترسيخ وجودها أو بخلق صفات جديدة لها، ففي المنطقة الشرقيّة، على سبيل المثال، ساهمت ثنائية مجلس الشعب وفرع الحزب في الترسيخ للبنية العشائريّة، أكان بتوزيعات النفوذ والسطوة المحليين أو في خلق تحالفات عشائرية لم تكن موجودة قبل توزيعات فرع الحزب ومقاعد مجلس الشعب وغيرها من المواقع التي تفتح أبواب الفساد والزبائنيّة داخل الجسم الإدارة المحليّة للدولة، ما دون شبكة العلاقات الأمنيّة- العسكريّة- اﻻقتصاديّة- السياسيّة التي تشكّل فعلياً نواة سلطة النظام السوري، وهي نواة تقع فوق الحزب وفوق الدولة حتّى.
سيكون حزب البعث مظلوماً فعلاً لو تُرك يرحل وحيداً..
..
سبعة نيسان يا رفاق
ميلاد الحزب العملاق
يا طلائع بعثيّة
غنوا أحلى غنّية
للقائد أبو سليمان
وللحركة التصحيحية
(صفقة طلائعيّة)
كانت هذه هي الصيحة اﻻحتفاليّة بهذا اليوم العظيم لطلائع البعث، وهي المنظمّة التي ترعى نظافة عقول الأطفال بين 6- 12 عاماً وتعنى بتمسّكهم المبكر بمبادئ عبادة الفرد وتقديسه واختصار اﻻنتماء الوطني بالتذلل في عشقه، وبعدها يُساق إلى اتحاد شبيبة الثورة، الذي يحمي مراهقة الناشئة ويضمن كمية كافية من الكراهية لكل المغايرين والمختلفين، ثم بعدها يأتي اتحاد الطلبة في الجامعات، والذي يحرص على قتل معنى الحياة الجامعيّة الحرّة والمنفتحة وإغلاق الجامعات في وجه تيارات الفكر والرأي، وأخيراً إحدى النقابات أو اﻻتحادات الحرفيّة..
دورة حياة مواطن سوري صالح..
..
ذات مساء، وفي حديث انترنتي مع صديق سابق، سألته عن أحوال البلد (الرّقة) فأجابني بتطوّر هائل يكمن في تبديل سيارات أعضاء قيادة فرع الحزب إلى طراز تويوتا كامري. ظننته يمزح وأعجبت لمقاربته الكوميديّة السوداء، لكنه كان جاداً في حديثة..
صديقي السابق هذا ﻻ يغيب اليوم عن أيّ مناسبة لتأييد "مسيرة الإصلاح".. التويوتا كامري ﻻ تكفي!
..
في طقسٍ عبقري، عمل ناشطون على مزاحمة النظام السوري في أيامه. هكذا، أضحى الثامن من آذار عيداً للمرأة السوريّة بدل أن يكون ذكرى "ثورة" حزب البعث، واليوم، بدل أن يكون ميلاد الحزب، سيكون يوماً مخصصاً لتذكّر المعتقلين السوريين في سجون النظام، السابقون منهم واللاحقون.
تاريخ سوريا المعاصر هو تاريخ الحيف الذي لحق بالشعب السوري على يد الطغيان واﻻستبداد، وللاعتقال مساحة واسعة في الذاكرة السوداء لهذه العقود. تاريخٌ مركّب من عشرات الألاف من قصص زنازين وأقبية، غرف تحقيق وتعذيب، أبواب سجونٍ لا تفتح لزيارة الأمهات والأبناء إﻻ بعد ألف ذلّ وذل.
يجب أن يبقى السابع من نيسان يوماً للمعتقل السوري إلى أن يتوفى، بعد عمرٍ طويل، آخر ابنٍ لآخر معتقل سياسي سوري. هذه ذاكرتنا التاريخيّة..
..
كنهجه في تحويل كلّ ما يلامس إلى ابتذال ورطانة بلا معنى، وصل تأثير البعث إلى أجمل وأعرق الفنون العربيّة: فنّ الخط. فعلى مدى العقود السابقة تحوّل الخطاطون إلى مكررين لعباراتٍ حزبيّة وإيديولوجيّة وأقوال على مساحاتٍ من القماش قد تكفي، إن جُمعت، لستر عار الكذب والنفاق الممزوج بألوان الطلاء. كان للخطاطين موسمين: التشرينين (التحرير والتصحيح) وآذار ونيسان، حيث تنتشر اللافتات على الأرصفة أمام محلاتهم لكي يجف طلاؤها قبل تعليقها على جدار مؤسسة رسميّة أو مدرسة، أو حملها معلقة بين وتدين خشبيين في مسيراتٍ "عفويّة جداً".
لكن، واللعنة للتطوّر، جاءت آﻻت الطباعة الحديثة القادرة على طباعة ﻻفتات وصور عملاقة (وبتكلفة أعلى، وبالتالي عمولة أكبر للمحاسبين ومشغّليهم وزبائنهم) وراح رزق الخطاطين. ﻻ نعرف من استورد هذه الآﻻت إلى سوريا للمرّة الأولى، وإن كان لزاماً أن نتوقع أن يكون عضواً في مجلس الشعب عن قائمة الجبهة الوطنيّة التقدميّة ومن فئة "العمّال والفلاحين".
مأساة الخطاطين تستحق من رفيق شامي جزءاً ثانياً من رائعته "سرّ الخطاط"، وربما ساعد وقف طباعة منشورات الحزب القائد في توفير حيّز في المطابع كي تُطبع رواياته (وغيره من الممنوعين داخل سوريا)، وينتهي بذلك عار أن يُعرف كاتبٌ سوري في أرجاء المعمورة وﻻ كتب له في بلده.
..
في ظلّ الظلمة والحزن والقلق والموت، ثمة خاطرة تدفع للأمل: هذا آخر سابعٍ من نيسان ستعيشه سوريا. العام المقبل، ننتظر ونستحق، سيكون هناك سابع من نيسان جديد، آخر، أكثر تعددية، أكثر حرّية، أكثر سوريّة..
..
مصدر الصّورة: الشعب السوري عارف طريقه
06 نيسان 2012
مجموعة "الجمهوريّة" لدراسات الثورة السورية

الجمهورية هي مجموعة لا حزبية لا ربحية أسسها كتاب وباحثون سوريّون منضوون في الثورة السورية بهدف تقديم إنتاج فكري يساهم في بناء سوريا الجديدة ابتداءً بدعم ثورة الكرامة التي انطلقت في 15 آذار 2011. في الذكرى الأولى للثورة تبدأ المجموعة بنشر دراسات وأبحاث مراجعة عن سوريا والثورة السورية. تأمل المجموعة أن تقدم رؤى وأطروحات فكرية تساهم في التفكير في الثورة وما يتصل بها من قضايا ومشكلات. تتبنى المجموعة الآراء الواردة في الأبحاث والتقارير التي تصدر باسمها فقط. كل الآراء الواردة في مقالات كتاب المجموعة أو المساهمين تعبر عن آراء كاتبيها فقط. تطمح المجموعة إلى ضمّ مزيد من الكتاب والباحثين السوريين -وخاصة الشباب- إليها للمساهمة في تشكيل رؤى واسعة وعميقة لبناء سوريا الديموقراطية التعددية.
..
عنوان موقع المجموعة www.therepublicgs.net
صفحة المجموعة على الفيسبوك (اضغط هنا)
للمتابعة على تويتر therepublicgs@
..
عدا التقارير والأوراق الصادرة باسمها، تستقبل مجموعة الجمهوريّة أيضاً المساهمات الكتابيّة من كتّاب من خارج المجموعة، خاصّة الشباب منهم، كما تسعى لضمّ المزيد من الجهود الفكرية والبحثية المنضوية في إطار خدمة أهداف الثورة السوريّة، للتواصل (اضغط هنا).
..
أصدرت مجموعة الجمهوريّة تقريرها الأول بعنوان "مسح تحليلي مجمل لعام من الثورة السوريّة" (ملف PDF).
..



