قرأتُ منذ أيام مقالاً لكاتب عربي تزامن نشره مع مرور اليوم العالمي لذكرى ضحايا المحرقة النازيّة (الهولوكست) (السابع و العشرين من كانون الثاني - يناير), و في هذا المقال انتقد الكاتب الصمت و التجاهل العربيين لهذه المناسبة و ربط هذا الصمت بالعداوة تجاه اليهود و التي تجعل العرب يتوزعون بين نكران المحرقة و مباركتها, و هذا موقفٌ غير إنساني و عقيم برأيه لأننا لا يمكن أن ننتظر من العالم أن يتضامن إنسانياً معنا و مع قضايانا عندما نتصرّف بهذه الطريقة.
بعيداً عن الرأي في المقالة و أفكارها (و التي أعتقد أنها كانت قاسية جداً بحق العرب, رغم أنها لم تكن مخطئة تماماً), شكّلت هذه المقالة فرصة لمحاولة ترتيب أفكار متعلّقة بدراسة الموقف العربي العام تجاه المحرقة النازيّة, أسباب هذا الموقف و نتائجه.
كلّ تعميمٍ ظالم, لكنني أعتقد أن هناك جزء كبير (و لا أعلم إن كان رأي الأغلبية) من الرأي العام العربي, بمختلف مستوياته و مشاربه الفكرية, يعتنق و يعبّر و يمارس موقفاً من النازية و محرقتها أعتقد أنه خاطئ مبدئياً و ضار من حيث المفعول, و هذا الموقف من المحرقة النازيّة الذي أتحدّث عنه يتراوح ما بين إنكارها و تبريرها, و أحياناً نجد نفس الشخص ينكرها و يباركها في آنٍ معاً, و يأتي هذا الرأي من أن مفهومنا عن المحرقة هو "قتل يهود", و قتل اليهود أمرٌ يستحق التصفيق على ما يبدو, و كنتيجة لهذا الاستحسان أو الحياد الإيجابي تجاه المحرقة (حتى لو أنكرناها في الوقت نفسه) فهناك إعجاب من نوع معيّن بهتلر منتشر (و هو إعجاب يطال الرّمز و ما يمثّل دون الدخول في العمق الفكري), فكثيراً ما نجد صوره و شعارات النازيّة و عباراته المأخوذة من كتابه "كفاحي" (مع الاعتذار الشديد لكلّ الكتب) في بعض الأدبيات و بعض المواقع و المدوّنات و غيرها.
ليست هذه الظاهرة جديدة أبداً, فهي موجودة منذ الحرب العالمية الثانية حيث أن النازيّة كانت بالنسبة لنا "عدوّة عدونا", و فوقها كان هناك تغلغل استخباراتي ألماني ضخم في المنطقة (لأن الألمان كانوا يعلمون أن إحدى المعارك المصيرية ستحدث عندنا.. و هذا ما حصل في العلمين), و هذا التغلغل الاستخباراتي استفاد من مفهوم "عدو عدوي صديقي" التبسيطي و غذّاه بإشاعة احترام هتلر للعرب و المسلمين, بل و التأكيد على أن هتلر قد أسلم سرّاً و هو ينتظر انتهاء الحرب كي يعلن إسلامه, و لعلّ رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ شاهدٌ أدبي ممتاز على هذا الأمر.
يعلم أي مطّلع على مبادئ الفاشية الأوربية بشكل عام و النازيّة بشكل خاص أن القاعدة الأساسية فيهما هي احتقار كلّ من ليس آريّاً (و طبعاً لديهم تصوّر إيديولوجي حول العرق الآري), بغض النظر عن أيّ شيء آخر, و النازيون يحتقرون العرب باعتبارهم من الشعوب الساميّة, لكن تم تمويه هذا الاحتقار لأسباب مصلحيّة بحتة و لأنه لم يكن لدى هتلر مصالح عندنا و لم يكن هناك جاليات عربية في ألمانيا في ذلك الحين. لو كان هتلر حيّاً اليوم لكانت سمومه موجّهة نحو مئات الألوف من المهاجرين المسلمين (أتراكاً و عرباً و غيرهم) بالإضافة إلى المهاجرين الأفارقة.
من المؤكد أن الجميع يتذكر مأساة قتل السيّدة المصرية المحجّبة الصيف الماضي في ألمانيا, لقد كان قاتلها نازيّاً, و قد قتلها لأنه احتقر كونها مسلمة.. و جميع من لديه ذرّة إنسانية حزن عليها و لعن القاتل و عنصريته المقرفة, و لكن أعتقد أن نفس القاتل القذر هذا لو أنه قتل امرأة يهودية بدل قتله مسلمة لسارع بعضنا إلى البحث عن أصول عربية له ليفاخر بشجاعته.. أليس هذا مؤسفاً؟
لا أعلم كيف يمكن أن نعجب بهكذا شخص و هكذا عنصرية, كيف يمكن أن نعلّق صوره و شعاراته و نقتبس عباراته, لأنه قتل يهوداً؟ و هل قتل اليهود لأنهم يهود إنجازٌ يستحق التهليل؟ أنا معتادٌ على ذكر هذا الرأي, و معتادٌ أيضاً على أن أٌتّهم بالدفاع عن اليهود, أنا لا أدافع عن اليهود بل أدافع عنّا نحن.. أدافع عن إنسانيتنا ضد الوحشية.. وحشية يلصقها البعض بشكل جاهل برأيي بكونهم مسلمين, و على المسلم أن يقتل اليهودي أو يفرح لمقتل اليهودي.. سؤال بسيط: هل أمر الرسول الكريم بقتل يهود المدينة؟ ألم يكن جاره يهودياً؟ إن اليهودية كدين ليست عدوّتنا بل أن الصهيونية هي العدو.. ليس لنا فقط بل للإنسانية جمعاء, هي توأم النازيّة و تلميذتها.
لقد كان ليهودٍ كثر دورٌ في بناء الحضارة الإنسانية بمختلف مراحلها و فروعها.. بل أنه كان هناك يهود داخل البناء الحضاري الإسلامي حتى, خصوصاً في الأندلس, و ما ابن ميمون الأندلسي إلا مثالٌ ساطع على ذلك.
هناك مسألة أخرى هامة جداً و تعنى بضرر هذا الموقف علينا: هذا الموقف من الحقبة النازية و ما حدث فيها هو خير معين للبروباغندا الصهيونية, و ربط الموقف تجاه المحرقة النازية بصراعنا مع إسرائيل و مناهضة الصهيونية هو أفضل خدمة يمكن أن تقدّم للآليّة الدعائية الصهيونية.. لأسباب عديدة سأحاول ترتيبها في التعداد التالي:
أولاً: مشاهد و مواقف الدفاع عن النازيّة و هتلر و الإعجاب بهما تنفع الآلية الإعلامية الصهيونية الجبّارة لتصوير العرب أمام العالم عامةً و الغرب خصوصاً على أنهم أنصار النازية و عشاقها (طبعاً يتم تضخيم هذه الأمور التي ليست بالأساس صغيرة) مع كل ما يعنى ذلك من أمور سلبية بالنسبة لجزء من العالم ما زال يرى في النازية و ويلاتها أبشع كوابيسه, خاصة في أوربا حيث كلّفت مغامرات هتلر أكثر من ستين مليون قتيل. يضاف هذا التصوير إلى ربط آخر للعرب و المسلمين بالـ "إرهاب" و تشجيعه و مسائل أخرى مشابهة, عندما نطّلع على هذه الحملة البروباغندية ضدنا سنفهم لماذا يعتقد بعض ضعيفي الإطلاع ممن لا يعرف عنّا شيئاً أننا كعرب لسنا إلا 400 مليون وحش.
ثانياً: إن من يبارك المحرقة النازية و يعبّر عن إعجابه بهتلر يبرر ذلك بشكل صريح و واضح بكراهيته العميقة لليهود.. و هذا رائع جداً لإسرائيل ! فقط عليها, باستخدام المكبّرات الإعلامية اللازمة, أخذ كلام هذا الشخص و عرضه على العالم و القول: انظروا يا سادة, هؤلاء العرب يكرهوننا فقط لأننا يهود و لا يخفون عنصريتهم ضدنا. هذا تضليل كبير للرأي العام العالمي و جريمة أخلاقية كبرى بحقنا. إسرائيل تغتصب أرضنا و حقوقنا و تمارس بحقنا أبشع أشكال الوحشية الدموية, و لذلك نقاومها و نقف بوجهها.. لا نحاربهم "فقط لأنهم يهود" فلماذا إذن نساعدهم على خداع العالم بهذا الشكل؟
ثالثاً: عندما نربط موقفنا من المحرقة النازيّة بصراعنا مع إسرائيل فإننا نساهم في تثبيتها كوريثة شرعية وحيدة لضحايا هذه الجريمة الكبرى, و لشرح هذه النقطة يجب علينا العودة إلى الخط الزمني التاريخي للحرب العالمية الثانية و لنشوء الصهيونية السياسية, لكن قبل أن ندخل في مقارنة المتوازية التاريخية هذه يجب أن نفكر في نقطة أخرى نحتاج لأجلها بعض الأرقام (و كلها أرقام تقريبية تتوسط التقديرات المختلفة للباحثين التاريخيين) : يقدّر عدد ضحايا المحرقة النازية بين 15 إلى 20 مليون شخص, منهم 5-6 مليون يهودي (أكثر من نصفهم من اليهود البولونيين) و 4,5 مليون مدني من العرق السلافي (أوربيو الدرجة الثانية بالنسبة للآريين العنصريين), 3,5 مليون أسير حرب سوفيتي, 3 ملايين بولوني غير يهودي, 1,3 مليون مُعارض سياسي, 700 ألف غجري, 250 ألف معاق جسدي أو عقلي و عشرات الألوف من المثليين الجنسيين. نلاحظ أنه رغم أن الضحايا اليهود يشكّلون ثلث العدد الإجمالي للضحايا إلا أن مفهوم المحرقة النازية مربوط بشكل وثيق في الأذهان عامةً باليهود فقط, الباقي أكلهم النسيان ! و هذا بالطبع ليس ذنب الضحايا اليهود بل هو نتيجة لعمل إعلامي و بروباغندا محمومة لتحويل الهولوكست إلى قضية صهيونية, و لأجل ذلك تم استخدام كل الطرق الممكنة من أدب و مسرح و سينما و غيرها من وسائل النشر, و بعد النجاح في جعل الهولوكست قضية صهيونية تم تصوير إسرائيل على أنها "الملجأ" لليهود الناجين من المحرقة و تم تحويل الكيان الصهيوني إلى ما يشبه "النصب التذكاري التكريمي العملاق" لملايين اليهود الذين ماتوا في معسكرات الموت النازي.. و هذا مستمرٌ إلى اليوم و يتم الحفاظ عليه بغيرة شديدة, و من يربط الهولوكست بإسرائيل سلباً أو إيجاباً يساعدها على ترسيخ هذه الثروة الكبرى, و التي تستخدمها لابتزاز العالم بأكمله, فالهولوكست بيدها سلاحٌ فعّال ضد كلّ من يجرؤ على انتقاد إسرائيل في الغرب حيث يتم اتهامه بمهاجمة "الصرح التكريمي" لملايين الضحايا الأبرياء, بل و أصبح من المجبر ربط ذكرى ضحايا النازية بإسرائيل.. فلا يمكن البكاء على ميّت دون وضع الزهور على نصبه التذكاري.
من الأجدى و الأنفع و الأصح بالنسبة لنا برأيي أن نفنّد هذا الاحتيال التاريخي بدل أن نتعامل مع الهولوكست و كأننا متهمون بارتكابه. لا علاقة لنا بما حدث في أوربا, و بالتالي ليس علينا أن نتحمّل ويلاته و ليس من واجبنا أن نعوّض لهؤلاء الضحايا من حقوقنا و أراضينا.. هذا في حل كانت إسرائيل فعلاً "ضرورة تاريخية لإنهاء المأساة اليهودية", لكن حتى هذا الزعم ليس صحيحاً, و تفنيده تاريخياً سهل للغاية و من الممكن أن يقوم به أي تلميذ في المرحلة الإعدادية: المشروع الصهيوني في فلسطين أقدم من المحرقة بكثير, بل و أقدم من النازية نفسها, لقد أسست الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر عندما كان هتلر لا يزال طفلاً, و بدأت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل و تسارعت قبل وصول النازيين إلى السلطة, و العصابات الصهيونية مثل الهاجاناه و الأرغون, و التي توحدّت فيما بعد و تحوّلت إلى نواة الكيان الصهيوني لم تكن قبل و خلال الحرب العالمية تقاوم النازية و تدافع عن اليهود الأوربيين بل كانت تمارس إرهابها على الفلاحين الفلسطينيين.. نعم هاجر الكثير من الناجين اليهود من المحرقة فيما بعد إلى فلسطين المحتلة لكنهم هاجروا إلى مشروع صهيوني قائم سلفاً.. منهم من هاجر إلى إسرائيل لأسباب إيديولوجية و دينية, و منهم من هاجر لأنه خسر كلّ شيء في الحرب و كانت تلك هي فرصته الوحيدة للبدء من جديد, لكن أيضاً هناك من لم يهاجر بل بقي في أوربا أو هاجر إلى مناطق أخرى من العالم و لا علاقة لهم بإسرائيل و ما تفعله باسمهم, بل أن بعضهم يعارضها (هناك سيدة يهودية من الناجين من المحرقة النازية شاركت, رغم عمرها, في قافلة شريان الحياة المتضامنة مع غزّة المحاصرة).
أعلم أن رأيي ليس جماهيرياً و ربما يصطدم مع الوهج العاطفي و حرقة القلب على ما يحدث لإخواننا الفلسطينيين, لكنني مع ذلك أقوله كمحاولة لطرح نظرة مختلفة فيما أراه ليس فقط مهيناً لنا كبشر ذوو أخلاق إنسانية, بل أنه ضارٌ بنا و بقضيتنا..
ختاماً: العزّة للإنسان... و الحرّية لفلسطين !
...
الصورة: مشاهدٌ كهذه يستخدمها أنصار إسرائيل بكثرة للطعن في منطق الوقوف ضد إسرائيل و ممارساتها عبر ربط من يعادي إسرائيل (العرب و المسلمين) بالنازية. (مصدر الصورة)




