2015/04/21

الحرب المُجرّدة وضحاياها الأبرياء

Osman Sagirli

ثلاث صور


نهاية آذار الماضي، ضجّت شبكات التواصل الاجتماعي، ثم وسائل الإعلام العربية والغربيّة، بصورة طفلة سوريّة، لاجئة في مخيم أطمة، وقد رفعت يديها برعب واستسلام حين رأت عدسة الكاميرا واعتقدت أنها سلاح مصوّب نحوها. لم تكن الصورة جديدة – حسب تعريف زمن الانترنت لسرعة الخبر والمشهد- فقد التقطها المصوّر التركي عثمان صاغرلي قبل نحو خمسة أشهر. لكنها انتشرت بكثافة في الأيام الأخيرة بعد مشاركتها من قبل المصوّرة والصحفية الفلسطينية ناديا أبو شعبان في حسابها على تويتر.

بعد انتشار صورة عثمان صاغرلي بأيام قليلة، نشر رينيه شولتهوف، العامل في الصليب الأحمر الدولي، صورة أخرى التقطها خريف العام الماضي، في مخيم الزعتري في الأردن، لطفلة رفعت أيديها مستسلمة أيضاً حين رأت الكاميرا. انضمت صورة شولتهوف إلى سابقتها، وباتت الصورتان مواداً بصرية مرفقة لعدد هائل من النصوص والتغريدات المتضامنة مع أطفال سوريا، والداعية لإنقاذهم من ويلات الحرب الدائرة في بلادهم.

الأسبوع الماضي، اختارت صحيفة الغارديان البريطانية صورة قادمة من سوريا ضمن باب «صور الأسبوع» على موقعها. تُظهر هذه الصورة -التي التقطها عبد الرحمن اسماعيل في حلب لصالح وكالة رويترز- طفلتين مغبرتي الوجه والشعر، تمسك إحداهن بيد الأخرى، بعد انقاذهن من تحت الأنقاض إثر قصف طيران النظام على أحياء حلب المُحرّرة. يبدو على وجه إحداهنّ بوضوح أن الذهول شلّ استيعابها لما جرى، في حين يظهر أن الأخرى بدأت تعي، نسبياً، ما حدث لهنّ، وبدأت دموعها المذعورة بالسقوط على وجنتيها المغبرتين.

استُخدمت الصور الثلاث بكثافة خلال الأيام الماضية في نصوص وتغريدات تدعو لحماية الأطفال السوريين من ويلات الحرب التي تجري في بلادهم، ولم تكن هذه الصور الثلاث أولى صور الأطفال السوريين التي تنتشر، وليس استثناءاً أن تترافق مع دعوات لحماية الأطفال. يُلاحظ أيضاً أن الصور الأكثر انتشاراً في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ليست الأكثر قسوة بين الصور المُلتقطة في سوريا، بل أن أكثرها رواجاً هي تلك التي لا دماء فيها أو أشلاء. وتنتشر بالذات مشاهد تحوي «نهاية سعيدة» (بقدر ما يمكن للسعادة أن تكون في هذا السياق)، مثل إنقاذ أطفالٍ على قيد الحياة من تحت الأنقاض، أو صور لأطفال لم يعودوا تحت خطر الموت المباشر، كالحال في مخيمات اللجوء.


الحرب الأهلية


قبل سنة أو أكثر، كان من الشائع أن نجد في كتابات السوريين تساؤلات حول إن كان ما تعيشه سوريا حرباً أهلية أم لا، وتوزّعت المواقف حينها. هناك من رفض المصطلح بالكامل؛ أو من أقرّ به مع التأكيد على أن هذه الحرب الأهلية كانت رد النظام على الثورة الشعبية ضدّه؛ وهناك من تمسّك بالحديث عن ثورة رغم وجود ملامح واضحة لحرب أهلية في البلد؛ وأيضاً من اعتبر أن سوريا تعيش حرباً أهلية صرفة، وأن هذه الحرب هي ما أجهض الثورة.

بالكاد هناك آثارٌ لهذا النقاش اليوم، وليس واضحاً أنه قد حُسم قبل أن يندثر. ربما لم يعد هناك إحساس بالحاجة للتعامل مع المصطلحات، أو صار هناك ما يُشبه اليأس من تسمية الأمور بمسمياتها، أو لأن ما نعيشه قد فاض عمّا بين يدينا من مصطلحات وتسميات.

بالمقابل، ما زالت هناك حساسية واسعة لاستخدام مفهوم الحرب الأهلية لتسمية ما يجري في سوريا. من النادر استخدام المصطلح بين السوريين، ليس فقط ضمن القطاع المتمسّك بتسمية «الثورة السورية»، وانما أيضاً في القطاعات الأقل تسييساً، أو حتى بين المؤيدين للنظام. بالكاد يُسمع مصطلح «الحرب الأهلية» بالمقارنة مع «أزمة» أو «أحداث»، أو حتى «حرب» دون توصيفات مضافة.

ثمة مستوىً معيّن من عدم الرغبة باستخدام «الحرب الأهلية» في الحديث عن سوريا أجد نفسي قريباً منه. ليست عدم الرغبة هذه نابعة عن التعفف عن التفكير بوجود حرب أهلية في سوريا فعلاً، من حيث أن هناك سوريون يقاتلون سوريين ضمن تشكيلات قتالية متبلورة، وأن هناك انشطاراً عمودياً في كل المفاهيم والأفكار المتعلقة بسوريا، بل وربما تم تجاوز هذا الانشطار المستقيم والنظيف إلى تشظٍ لا عودة عنه. هنا، في الابتعاد عن الحديث عن «حرب أهلية» مقاومة لمنطق أوساط سياسية وفكرية، محلية وإقليمية ودولية، انحازت مبكراً لسردية الحرب الأهلية باعتبارها الخيار الأسهل لاتخاذ ضربٍ منحط من «اللاموقف»، إما عبر مساواة الأطراف، أو التبرؤ اللفظي الكامل منها. هناك فعلياً موقفٌ مضمر في اللاموقف اللفظي، فالمساواة بين طرفين غير متساويين في القوة والقدرة على الحرب هي انحياز للأقوى!

على مستوى السياسة الدولية. كان في الانتقال الكامل نحو توصيف الحرب الأهلية ما يتجاوز الاستفزاز نحو درجات متقدمة من الخسّة. صحيحٌ أن الحديث عن «حرب أهلية سوريّة» بدأ بالظهور منذ تبلور وجود حالة مسلحة مناهضة للنظام، لكن انتقال المجتمع الدولي النهائي نحو مقاربة الأزمة السورية بوصفها حرباً أهلية ارتبط بمجزرة الكيماوي في غوطة دمشق، حين غُطّي الاتفاق الروسي-الأميركي حول سحب الترسانة الكيماوية من النظام السوري بحديث غائم حول «مؤتمر سلام» بين الأطراف السورية، ومؤتمر السلام هذا هو ما يُفترض أنه حصل في جنيف أوائل عام 2014. لم يعد هناك نظام ديكتاتوري مجرم يشنّ حرباً ضد القطاعات الشعبية المنتفضة، والموقف ضده أخلاقي قبل أن يكون سياسياً، بل أصبح هناك «حرب أهلية»، لها «أطراف»، ودور المجتمع الدولي يجب أن ينصب في إيجاد «تسوية» عبر إجلاس هذه «الأطراف» على «طاولة مفاوضات»، ما يعني أيضاً أن هذه «الأطراف» متساوية في التمثيل والمسؤولية السياسيتين. بمعنى آخر، بشار الأسد تحوّل من مجرم بحق الشعب السوري، لا مستقبل له إلا محاكمة، دولية كانت أم محلية، إلى طرف في حرب أهلية، متساوٍ في السوء مع «خصومه السياسيين»، ويجب الضغط عليه وعليهم للوصول إلى تسوية.

تكريس هذه السردية لم يقد إلى نقل التوصيف من انتفاض المفقّرين والمهمّشين والمسحوقين من السوريين ضد نظامٍ مجرم وإفقاري إلى نزاع مسلح بين النظام السوري و«المعارضة» فحسب، بل تمت إعادة كتابة تاريخ السنوات الخمس الأخيرة بخفة منقطعة النظير، وبدا ذلك واضحاً منتصف الشهر الماضي حين انهمرت المواد الصحفية وبيانات المؤسسات الإنسانية والحقوقية الدولية حول «دخول الحرب الأهلية السورية عامها الخامس».

في سوريا حرب أهلية، بل وما هو أسوأ حتى. لكن هذه الحرب الأهلية لم تبدأ منتصف آذار عام 2011. لا يمكن حتى لمن لم يعترف بوجود ثورة أصلاً أن يقول هذا. وقد يكون علينا أن ننتظر المؤرخين كي يجيبوا على السؤال حول موعد بداية الحرب الأهلية السوريّة فعلياً، مع الأمل بأن يكونوا أكثر رصانة من كُتّاب بيانات مؤسسات الأمم المتحدة.

يجدر القول، بعد توضيح مكمن الابتعاد عن استخدام مصطلح «الحرب الأهلية»، أن هذا المصطلح أكثر نزاهة بما لا يقاس من مصطلحات أخرى مثل «حرب بالوكالة»، أو «حرب الآخرين على أرضنا». في التاريخ الحديث والمعاصر، لم تخلُ أي حرب أهلية من استقطابات إقليمية ودولية حولها، وتأثيرات خارجية على ديناميكيات الصراع ومخرجاته. في كل حرب أهلية «حرب بالوكالة» متضمنة. لكن الحديث عن «حرب بالوكالة» أو «حرب الآخرين..» فيه تبرئة زائفة للذات، وفيه أيضاً تسفيه للعوامل الذاتية التي أدّت للصراع، وإبعاد للمسؤوليات إلى ما وراء حدودٍ لم تعد موجودة أصلاً.


الحرب


الحرب شرٌّ لا لبس فيه. هذا جوهر المنطق السلامي وفكر مناهضة الحرب. هذه الفكرة محطّ إجماعٍ إنساني. تبدو مُسلّمة لدرجة أن كثيراً من حاملي السلاح على طول العالم وعرضه قد يوافقونها بالكامل. من المنطقي والسليم أن يكون خطاب مناهضة الحرب قوياً، بل أن المطلوب منه أن يكون الأقوى: لقد عانت الإنسانية على مرّ تاريخها من ويلات الحروب ما يكفي للاقتناع بأن هذا الطريق في إحراز الأهداف يجب أن يُسدّ إلى الأبد، وأن تُعالج الخلافات والخصومات عبر أساليب السياسة السلمية.

ليس الجدل على هذه المفاهيم، بطبيعة الحال.

من الشائع أن نجد، في خطاب مناهضة الحرب، نوعاً من البحث عن طريق سهل ومباشر لذمّ الحرب، أي نزع ورفض أي شكل من أشكال التفكير المنطقي فيها، والتعفف عن تفكيكها وتحليلها والبحث في أسبابها ومنطلقاتها وطبيعة المتحاربين ودوافعهم ووسائلهم، والفوارق الكمية والنوعية بين مسؤولياتهم عن الاقتتال ونتائجه. الحرب مفهوم مجرّد، لا منطقي، مُختزل إلى صورة كاريكاتيرية سطحية وبائسة. للحرب كيانية قائمة بحد ذاتها، لا تنتمي للعالم الذي نعيش فيه ولا تنشأ من ظروفه وتتفاعل معها، بل لها إرادات ورغبات ونزوات شريرة بالمطلق، تظهر وتتحرك وفقاً لها، تقتل هنا وتدمر هناك وتُشرّد إلى هنا وهناك.

الحرب، وفق هذا النوع من الخطاب، كارثة كالأعاصير والزلازل والفيضانات. لكنها غير ناتجة عن عوامل الطبيعة الأرضية مثل الزلزال، بل عن طبيعة بشرية شريرة: البشر المتحاربون أشرار، يُصرّفون شرّهم عن طريق حمل السلاح والقتل، ولشرّهم هذا ويلات على البشر غير الأشرار.

الحرب واضحة بقدر ما هي شريرة، ولا تعقيد فيها يستحق التحليل. لا سياسة في الحرب، بل تُعادى السياسة كما تُعادى الحرب تماماً. لا بحث عن أسباب الحرب وتتالي أحداثها وخطوطها البيانية، كما -طبعاً- لا نقاش في سلّم المسؤوليات، ولا في الاختلافات الكمّية والنوعية بين المتحاربين، ولا تدرّج في سلم المسؤوليات. كل المتحاربين، كما الحرب، أشرار. لا يهمّني من بدأ، كلّكم معاقبون، كما تقول الأم الغاضبة من أبنائها المتشاجرين على قطعة حلوى أو لعبة.

في الابتعاد عن تفكيرٍ أكثر تعقيداً من الحُكم القيمي المجرّد فضيلة في نظر شطر كبير من المنطق السلامي: الإقرار بتعقيد الحروب قد يقود لتفهّمها، أو تبرير بعض جوانبها، أو اهتزازاً في الثبات على رفض استخدام العنف كحلّ للخلافات. في تجريد الحرب وتشريرها المطلق والابتعاد عن أي خوضٍ في تفصيلاتها إحساس بالصلابة والثبات على عدم المساومة فيما يُفترض أنه موقف أخلاقي. هو أيضاً -والحق يُقال- كسلٌ أخلاقي وفكري عند أصحاب النية الحسنة من متبنّي هذا الخطاب، وتضييع للمسؤوليات وتمييع للوقائع عند سيئيها.


الضحايا


الحرب «مجنونة» بقدر ما ضحاياها «أبرياء». يبدو أنه لا يكفي أحياناً أن نقول «ضحية»، بما تحمله الكلمة من إقرار بالظلم الواقع عليها، بل يجب أن نلحقها بوصف البراءة.

الضحية البريئة للحرب الشريرة المجردة هي ضحية سلبية.. ضحايا الحرب منسلخون عنها فكراً ونسباً وهوية حُكماً، فالحرب والمتحاربون فيها ينتمون لكوكب آخر، وهم من طبيعة مُغايرة، وحصل أن وقعت ويلاتهم على الضحايا الأبرياء. يجب أن يبدو واضحاً أن الضحية لم تُشارك في «دوامة العنف»، ولا انحيازات لها ضمن طيف المتحاربين، وبالتالي يصعب، مثلاً، الحديث عن الذكور البالغين بوصفهم ضحاياً أبرياء إلا بوصفهم آباءً لأطفال يعانون ويلات الحرب المجنونة. أو يحصل أيضاً أن يتم التأكيد، عند الحديث عن قصف منطقة سكنية ما، أن جميع الضحايا «مدنيون»، وكأن وجود من هو غير مدني بينهم يُشرّع القصف، أو يُحيل المسؤولية إلى من استُهدف.

لا ينطبق هذا الكلام على من ماتوا في الحرب فقط، بل أيضاً على من اضطروا للجوء بعيداً عن منازلهم. يقتصر التفكير فيهم والحديث عنهم في أغلب الأحيان على مستوى البقاء على قيد الحياة، أي المقاربة الإنسانوية الصرفة. لا إمكانية للتفكير، مثلاً، أن مجتمع اللجوء هو ذاته مجتمع المتحاربين، مع كل ما يعنيه هذا الواقع. تجريد الحرب يقود لاعتبار اللاجئين كتلة صمّاء وصامتة وسلبية، متجانسة في عزلتها عن أحداث بلادها. في هذا المنطق الإنسانوي مقدار كبير من الاستلاب.


ضحايا داعش


من المُلاحظ عند متابعة وسائل الإعلام الغربية أن ضحايا داعش غير مشمولين ضمن ضحايا «دوامة العنف» في سوريا. وقد يبدو السبب للوهلة الأولى مقتصراً على أن الرأي العام الغربي يرى في داعش عدواً له، في حين يرى «الأطراف المتحاربة» في سوريا مجرد جبهات من السيئين تتقاتل بجنون. لا شك في أن هذا سبب، انما يرجح أنه ليس الأوحد.

لا تقبل داعش لنفسها أن يكون ضحاياها مجرد «ضحايا حرب»، فهي شديدة الغيرة على «ضحاياها».. يجب أن يموتوا، أو يُسبوا أو يُهجّروا، ويجب أن يموتوا أو يُسبوا أو يُهجروا كما تريد داعش، وأن يراهم العالم كما ترغب هي أن يُروا. الأمر هنا لا يتعلّق بالوحشية فقط. فقد قتل النظام فقط بالبراميل المتفجرة التي طحنت أحياءً وبلدات وقرى بأكملها، أضعاف من قتلتهم داعش، لكن رأس النظام يُنكر استخدام البراميل المتفجرة على الإعلام بوقاحة. لا معنى أو أهمية إن كان أحدٌ يصدّق إنكاره هذا أم لا، أو إن كان هو نفسه يعتقد أن أحداً يُصدّقه أم لا. إنكاره يعني أنه لا يستعرض هذا الاستخدام في الخطاب، ولا يتباهى به. فيما داعش تصوّر إعداماتها من ثلاث أو أربع أو خمس زوايا، وتُشغّل خبرات تقنية للعمل على تفادي مسح منتجاتها «الإعلامية» في شبكات التواصل الاجتماعي ومشغلات الفيديو على الانترنت.

عدا ذلك، في الحديث عن «ضحايا الحرب» ضمن منطق الحرب المُجرّدة كمّ كبير من معاداة السياسة، أي بتبنّي التقييم الأخلاقوي الصرف أسلوباً وحيداً للخطاب. داعش عصيّة على السياسة لدرجة أنه حتى منطق معاداة السياسة لا يُجدي معها.


الأطفال كضحايا نموذجيين


في التركيز على الأطفال كضحايا نموذجيين للحرب المجرّدة ارتياحٌ إلى قطعية كون الطفل ضحية بشكلٍ لا جدل فيه، فيما يمكن، عند الحديث عن البالغين، خصوصاً الذكور منهم، الدخول في شكوك حول إن كانوا ضحايا «أبرياء» بالمطلق أم لا. الطفل «حقيقة مطلقة» في هذا المجال، بمعنى أنه لا يمكن للأطفال أن يكونوا أطرافاً في صراع، سياسي كان أم عسكرياً. طفلٌ مغبرّ الوجه ناجٍ بأعجوبة من قصف جوّي هو ضحية بريئة، لكن قتيلاً تحت التعذيب، على سبيل المثال، ليس كذلك، لأنه لا وضوح في «براءته». صورة هذا الطفل يمكن أن تدور حول العالم خلال دقائق، فيما تتجاهل نفس الأوساط أخباراً عن أكثر من عشرة آلاف شهيد تحت التعذيب في دمشق وحدها. الطفل ضحية «دوامة العنف»، فيما ليس واضحاً أن الشهيد تحت التعذيب لم يكن جزءاً من هذه «الدوامة» بشكل أو بآخر.

قد يبدو الكلام متحاملاً، أو متعامياً عن التعاطف الإجباري مع الأطفال بوصفهم الضحايا الأضعف، أو غير متفهّم للوطأة النفسية الخاصة -والمشروعة- لصورة طفل يُعاني بالمقارنة مع معاناة البالغين. ليس في التفاعل الأكبر مع معاناة طفلٍ ما يُعيب بطبيعة الحال، لكن احتكار المشاعر لصورة الأطفال غير مجدٍ، لا لهؤلاء الأطفال ولا لغيرهم: أيّ حل جزئي يمكن أن يُقدّم لإنقاذ الأطفال السوريين دون «إنقاذ» أهاليهم، وكيف يتم «إنقاذ» أهالي الأطفال دون «إنقاذ» مجتمعاتهم ككل؟ وكيف يمكن التفكير بذلك دون تفكيك المشكلات؟ وكيف يتم تفكيك المشكلة دون فك التجريد عن مفهوم الحرب الشريرة، المُغلق بإحكام في مساحات واسعة من خطاب مناهضة الحرب، والممتنع عن البحث في الخط البياني للحرب وتوزع المسؤوليات كمّاً ونوعاً؟
....

منشور في الجمهورية.


2015/04/16

داعش في كتالونيا

دخل الصراع بين القوى الاستقلالية الكتالونيّة، وعلى رأسها ائتلاف «التلاقي والوحدة» الحاكم في كتالونيا من جهة، والحكومة المركزية الاسبانيّة والحزب الشعبي الاسباني مرحلة سرياليّة من التصعيد اللفظي في الأسابيع الأخيرة. الأوضاع متوترة للغاية بين الطرفين منذ سنوات طويلة، وبالذات منذ بدء القوى الاستقلالية مسارها من أجل تحصيل حق تقرير المصير للشعب الكتالوني بغية الحصول على الاستقلال عن اسبانيا.

هذه المرة، كان لداعش فسحة في المهاترات. أجل.. داعش! ليس هذا الكلام مزحة على الإطلاق.

جذور القصة تعود إلى أيار عام 2013، حين أصدرت الحكومة الاسبانية قراراً بطرد نور الدين زياني من اسبانيا بناءً على توصية من المخابرات الاسبانية. زياني مواطن مغربي مقيم في كتالونيا منذ سنوات طويلة، وكان رئيساً لاتحاد المراكز الثقافية الإسلامية في الإقليم، وعضواً في مؤسسة Nous Catalans (أي «الكتالونيين الجدد») المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكتالوني، المنخرط في تحالف «التلاقي والوحدة» الحاكم في كتالونيا، وقد كان لزياني دور مهم في الترويج لحزب الاتحاد الديمقراطي الكتالوني ضمن أوساط المسلمين المقيمين في كتالونيا، خصوصاً ذوي الأصول المغاربية، كما عمل بفعالية في خلال الحملة الانتخابية لصالح آرتور ماس، رئيس الحكومة الإقليمية الكتالونيّة. 

نور الدين زياني في إحدى نشاطات «الكتالونيين الجدد»
في التقرير الذي قدّمته المخابرات الاسبانية للحكومة المركزيّة، والذي فصّل، حسب تصريحات الجنرال فيلكس سانث رولدان، المدير العام للمخابرات، نشاطات وتحركات نور الدين زياني خلال السنوات الثلاث السابقة على طرده، يُشار إلى أن زياني قد عمل على الترويج للفكر السلفي الجهادي في كتالونيا بتوجيهات من المخابرات المغربية، وأن له ارتباطات بشخصيات وجهات ناشطة ضمن شبكات جهادية تعمل على نشر التطرف ضمن أوساط المهاجرين المسلمين، وجمع التبرعات المالية وجذب مقاتلين لإرسالهم إلى ساحات القتال في سوريا والعراق وغيرها من الدول.

نفى نور الدين زياني، بشكل شخصي وعبر محاميه، الاتهامات جملة وتفصيلاً، مُعتبراً أن طرده ليس إلا عقاباً له على ارتباطه بالحركة الاستقلالية في كتالونيا وعمله الفاعل ضمنها. آنخيل كولوم، رئيس مؤسسة «الكتلونيين الجدد» وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي الكتالوني، دافع بدوره عن نور الدين زياني، نافياً اتهامات المخابرات الاسبانية له، واصفاً قضية زياني بأنها «لعبة قذرة» من قبل أجهزة الدولة الاسبانية.

كادت القضية تُنسى مع الزمن، إلى أن عادت لتنفجر بقوّة أوائل الشهر الحالي، حيث ألقت الشرطة الإقليمية الكتالونية، في الثامن من نيسان الحالي، القبض على 11 شخصاً متهمين بتشكيل خلية تعمل على جذب الأموال والجهاديين لصالح داعش، وقد أكد الناطقون باسم قوى الأمن الكتالونية والاسبانية أن هذه الخلية كانت تعمل أيضاً من أجل القيام بأعمال إرهابية داخل الأراضي الاسبانية، وأنها كادت أن تحقق القدرات العملياتية الكاملة في هذا المجال. بعد ساعات من العملية الأمنية، شنّ خورخي فرناندث دياث، وزير الداخلية الاسباني، هجوماً عنيفاً على الحكومة الإقليمية الكتالونية والأحزاب الاستقلالية في مقابلة مع إحدى محطات الراديو، مشيراً إلى أن محاولات الاستثمار السياسي للانفصاليين الكتالونيين ضمن الأوساط المسلمة يمنع الاندماج الصحيح والكامل للمسلمين في كتالونيا، مُشيراً بشكل متكرر إلى مؤسسة «الكتالونيين الجدد».

بدورها، ردّت الحكومة الكتالونية على وزير الداخلية بقسوة مماثلة، مُعتبرة أنه يسعى «بخفة وانعدام مسؤولية» لتجريم حراك سياسي سلمي وديمقراطي، ينضوي تحته ملايين المواطنين الكتالونيين، عبر محاولة ربط الحركة الانفصالية بالإرهاب الإسلامي، مذكّرة بأن أهم الإنجازات على صعيد مكافحة شبكات الدعم الجهادي في اسبانيا تمّت على يد الشرطة الإقليمية الكتالونية التابعة للحكومة الكتالونية. أيضاً دافعت مؤسسة «الكتالونيين الجدد» عن نفسها في وجه اتهامات وزير الداخلية لها، مؤكدة أن عملها يصب بالذات في صالح اندماج المهاجرين من كل مكان ضمن المجتمع الكتالوني. كما صدرت تصريحات مشابهة من مسؤولين سياسيين وأمنيين كتالونيين، وقادة أحزاب سياسية كتالونية واسبانية.


مقالة ألفونسو أوسيا اليوم
لم يتراجع وزير الداخلية عن هجومه، بل عاد ليؤكده قبل يومين خلال جلسة لمجلس الشيوخ الاسباني، مشيراً إلى أن الأرقام تدعم مزاعمه حول وجود ثقل جهادي نوعي ضمن كتالونيا، مثل إشارته إلى أن 5 عمليات أمنية من أصل 11 عملية أمنية جرت منذ مطلع العام ضد الخلايا الجهادية تمت في كتالونيا، وأن 25 من أصل 40 مقبوضاً عليه في قضايا متعلقة بالشبكات الجهادية هذا العام تم اعتقالهم في كتالونيا. أشار فرنانديث دياث كذلك إلى أن الأجهزة الأمنية صنّفت 98 مسجداً من أصل 1250 مسجداً في اسبانيا على أنها «مساجد سلفيّة» وأن أكثر من نصف هذه المساجد «السلفية» (50 مسجداً) موجود في كتالونيا. وفي ردّهم، أدان أعضاء مجلس الشيوخ الكتالونيين استخدام وزير الداخلية للأرقام بهذا الشكل، مشيرين بداية إلى أن نسبة المهاجرين في كتالونيا تفوق الـ 15% من سكانها، في حين أن المتوسط في باقي اسبانيا بالكاد يصل إلى 10٪، كما أن كثافة العمليات الأمنية في كتالونيا تدل على فعالية أجهزة الأمن الإقليمي ضد الخطر الجهادي وليس العكس.

لم تتأخر الصحافة في الدخول في هذا الصراع، حيث نشرت جريدة «لا راثون» اليمينية والمقرّبة من الحزب الشعبي الحاكم في اسبانيا في نسختها الورقية اليوم مقالاً لألفونسو أوسيا، أحد نجوم اليمين الاسباني في الصحافة والثقافة، بما يُفترض أنه لغة عربية (كلمات متتالية دون معنى، يبدو واضحاً أنها أُخذت من «غوغل ترانزليت» بشكل سيء، فالأحرف غير موصولة ببعضها، والنص معكوس)، وعنون الكاتب -المشهور بسلوكه الاستعراضي ولغته القاسية والمثيرة للجدل- بالاسبانية إلى أن هذا المقال كُتب «باللغة الكتالونية الجديدة في كتالونيا المستقلة المستقبلية».


2015/04/11

بكالوريا اللجوء

من دعايات المهربين على الفيسبوك.
تنتشر على الفيسبوك السوري مجموعات عديدة، مغلقة وسرّية أحياناً، ومفتوحة للعموم في أحيانٍ أخرى، فُتحت لالتقاء المهتمين بشؤون الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، حيث تُناقش طرق وطرائق الوصول إلى النعيم الأوروبي عبر تركيا أو دول شمال أفريقيا، ويعرض أصحاب الخبرة من الذين تمكنوا من الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية معلوماتهم، ويُجيبون على تساؤلات الذين يدخلون لتعلّم كيفية اجتياز الحدود والوصول إلى الدولة الأوروبية المنشودة بأقل كلفة مادية ممكنة، ودون أخطاء تجعلهم حبيسي دولة أوروبية أخرى لا تُقدم للاجئين السوريين من المساعدات والتسهيلات ما تقدمه دول مثل ألمانيا أو هولندا أو الدول الاسكندنافية.

عدا تبادل المعلومات والخبرات بين المُهاجرين السابقين واللاحقين، تعج هذه المجموعات بدعايات شبكات التهريب وعروضها للسفر، والتي قد تكون بضعة كلمات ورقم التواصل مع المهرب أو وكلائه، أو تصميمات غرافيكس بمشاهد طبيعية لجزر أو سواحل، يبدو لمشاهدها، للوهلة الأولى، أنه أمام دعاية لشركة سياحية تُسير رحلات كروز عبر المتوسط أو بين الجزر اليونانية. بالإمكان أيضاً إيجاد معلومات أو دعايات لمكاتب «تأمين»، أي المكاتب والأشخاص الذين يستبقون، لقاء مبلغ مقطوع أو نسبة، كلفة السفر المُتفق عليها مع المُهرب عندهم، ويدفعونها للمهرب فقط عند تلقي إشارة من المسافر تُؤكد وصوله سالماً إلى المكان المتفق عليه، أو إرجاعها في حال فشل السفر لسوء الأحوال الجوية أو بسبب التشدد الأمني على الحدود.

ثمة مجموعات كبيرة وشاملة يصل أعداد أعضائها إلى عشرات الألوف، ومجموعات أخرى أصغر، غالباً مختصة بالمعلومات عن دولة معينة أو عن طريقة تهريب محددة.

تُقدم متابعة هذا النوع من المجموعات للمهتم بالشأن السوري جزءاً ثميناً من المشهد العام للبلد. ليس فقط لأنها تُعطي فكرة (ولو جزئية وغير علمية) عن الأعداد والنسب التي تُهاجر إلى أوروبا بحثاً عن اللجوء الإنساني، وتمثل أسلوباً سهلاً للتعرف على طرق التهريب وأسلوب عمل شبكاته، ولكن أيضاً لأنها تفتح نافذة لمشاهدة قصص كثيرة لسوريين، أفراد وعائلات، يبحثون عن مستقبل -أو ما يعتبرون أنه مستقبل- في أوروبا، ويسمح بالتلصص على طريقة تفاعل أصحاب القصص فيما بينهم: التضامن، النصح، المشاحنات، تقييم هذا المهرب أو ذاك، أو التحذير من النصب والاحتيال الذي قد يتعرض له الراغب بالهجرة من مهربين «أولاد حرام» أو مكاتب تأمين «مزيفة».

يُشاهد أيضاً كيف تتم تزكية مهرب أو مكتب تأمين بوصفهم «أصحاب كلمة»، وبإمكان المرء هنا أن يقف قليلاً عن نسبية هذه التقييمات، فهي ترفع شأن البعض وتحط من شأن البعض الآخر من مهربين ومنتفعين من التهريب، لا يمارسون فعلاً غير قانوني فحسب، بل أنهم ينتفعون من مأساة الهاربين من جحيم بيوتهم إلى ليمبو ملاجئهم. إنهم يُتاجرون بالبشر!

للمتابع أيضاً أن يرى هذه المأساة كجزء له مكانه في سياق الكارثة الكبرى، مكانٌ ليس الأسوأ بأي شكلٍ من الأشكال. لا شك أن حالة الهاربين إلى أوروبا مأساوية، ولها نصيب مستحق من التضامن الإنساني، وأعداد الغرقى في البحر مهولة، لكن هؤلاء، على الأقل، استطاعوا الحصول على المبلغ الكافي لركوب الخطر نحو مستقبلٍ ما، أما غيرهم فليس لديه ما يستر حاضره كي يفكر بمستقبله، أو حتى لكي يتذكر ماضيه.

قبل أيام، كتبت سيدة على إحدى هذه المجموعات قائلة أنها قررت «تسفير» ابنها جواً من تركيا إلى ليبيا، ليركب البحر بعدها باتجاه السواحل الإيطالية. وأنها تريد «تجميع غروب» للاتفاق مع مهرب يتكفّل بكامل الرحلة لقاء 4000 دولار للشخص، وعلى الراغبين بالانضمام إلى مجموعتها أن يُراسلوها على بريدها الخاص. بعد ساعات قليلة، عادت السيدة لتكتب أن العدد المطلوب قد اكتمل، وأنها ستبدأ بالتواصل مع المهرب حالاً.

ليس بالإمكان استشفاف معلومات كثيرة حول السيدة وابنها مما نشرته، أو حتى مما هو عامٌ على صفحتها الشخصية. لا نعلم أين تقيم، وأين ابنها الآن، أو كم عمره. لكن طريقة حديثها عن إنشاء «غروب» لكي يُشارك ابنها غيره لم تُذكرني إلا بسعي أمهات وآباء طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية في سوريا قبل أعوام، حين كانت رحلة البحث عن بناء «غروب» للدروس الخصوصية في المواد الرئيسية للشهادتين يبدأ قبل بدء العام الدراسي بأشهر، وربما قبل عام، وتحدث وساطات ومُداولات وتحالفات وخصومات حول الانضمام لمجموعات طلاب منتقاة بعناية كي يكون الجميع على مستوى متقارب من الاجتهاد، ولكي لا يكون هناك أي «نعجة سوداء» تُعيق سير العملية الدراسية، أكان لأنها ليست مجتهدة بما فيه الكفاية، أو لأنها غير منضبطة سلوكياً. كثيراً ما كانت تحدث خصومات بين العائلات بناء على قرار عدم قبول ابن أحدهم أو إحداهن في المجموعة، أو المماطلة بإعطاء جواب نهائي بحثاً عن خيار أفضل، وقد تدوم هذه الخصومات والحساسيات إلى ما بعد تخرّج الأبناء من الجامعة.

في هذه الحالة، لم يكن هناك من انتقاء أبعد من القدرة على المساهمة بالآلاف الأربعة من الدولارات، ولا شبه بما ذُكر سابقاً إلا بانخراط الأهل في إيجاد مستقبل، أو شبح مستقبل، لابنهم. إنه الصراع من أجل البقاء.. هنا، أم هناك، أو في أي مكان. لم يعد «أين» سؤالاً مهماً في زمنٍ أصبحت سوريا فيه في كل مكان، إلا في سوريا..


2015/04/10

الجزيرة والشاميّة


سأُفشي لكم سرّاً جغرافياً لا يعلمه إلا الرقاويّون ومن في حكمهم: محافظة الرقة، وسوريا، بل والعالم جميعه، ليست مقسّمة فقط إلى نصف كرة شمالي وآخر جنوبي، ولا تقتصر إحداثيات الاستدلال على خطوط الطول والعرض، بل أن هناك تقسيماً آخراً لا يقلّ عن هذه الحيثيات الجغرافيّة أهمية، بل -على الأقل للرقاويين- هو أهم وأنفع: الجزيرة والشاميّة.

الجزيرة هي الضفة الشمالية لنهر الفرات، وفيها تقع مدينة الرقة، فيما الشاميّة هي الضفّة الجنوبية للنهر، أي ضفّة البادية.

حسب هذا التصنيف، نستطيع القول أن الحسكة والقامشلي وتل أبيض هي «جزيرة»، فيما حمص وحلب وحماة ودمشق «شاميّة». دير الزور فيها جزيرة وشاميّة في آنٍ معاً.

الشاميّة، ببساطة، هي كل مكانٍ يعبر الرقاويّ الفرات كي يذهب إليه. فيما لا حاجة لجسور للذهاب من الرقة إلى أي مكان في الجزيرة.

من المؤكد أن بإمكاننا بناء خرائط جيوسياسية جديدة حسب هذا التصنيف على المستوى العالمي، وربما ساعدنا إلى حدٍ كبير على تفسير عدد هائل من الأمور غير الواضحة في مسير شؤون الإقليم والعالم، لكن هذا أهم من أن يُعالج في نص قصير كهذا.

تصنيف الجزيرة- الشاميّة أيضاً ينفع لدراسة المشاريع والطموحات والمطامع في الإقليم. الشاميّة هي مُراد إسرائيل في حدودها المزعومة «من الفرات إلى النيل». أي أن إسرائيل، في أقصى توسّعها، ستأخذ قرى مثل كسرة فرج والسحل، ومواقع مهمة للغاية مثل معسكر الطلائع أو جامعة الاتحاد الخاصة، فيما تبقى مدينة الرقة التاريخية، لوقوعها شمال النهر مباشرة، في مأمن من مطامع العدو الصهيوني. بمعنى آخر: حتى إسرائيل لا تريدنا!

من جهة أخرى، تصطلح غالبية الخرائط المُصوّرة لإقليم كردستان أن حدودها الجنوبية، من جهة الرقة، تبدأ شمال المدينة بعشرين أو ثلاثين كيلومتراً. أيضاً الأكراد لا يريدون الرقة وما حولها مباشرة من «جزيرة». وقوع الرقة في اللامكان بهذا الشكل جعلنا، نحن الرقاويّون، نشعر بحسرة عدم المرغوب به، إلى أن جاء مولانا البغدادي -حفظه الله- وأثبت لنا أن هناك من يريدنا.. الله يجبر بخاطره!

على المستوى العائلي والعشائري. ثمة ديالكتيك بين الجزيرة والشاميّة في أصولنا، نحن آل السويحة، المنتمين إلى عشيرة البوحميد. تعود أصولنا إلى قريتين تقعان في منتصف الطريق بين الرقة ودير الزور، وهما جزرة البوحميد والبويطية. نهر الفرات يمرّ بين القريتين -أي مثل منهاتن وباقي نيويورك- لتبقى جزرة البوحميد في الجزيرة، والبويطية في الشاميّة. حتى فترة قريبة كان هناك عبّارة تؤمن نقل الأفراد والمركبات بين ضفتي النهر، حيث أن أقرب جسر على نهر الفرات يبعد عشرات الكيلومترات.

لا أذكر أنني ذهبت إلى البويطية، في حين ذهبت في طفولتي إلى جزرة البوحميد عشرات المرّات، وذلك لوقوع أراضينا شمالها، بالقرب من محطة ضخ بترول بجانبها قرية اسمها الرسمي «صباح الخير» (أجل، إلى هذه الحدود تصل رومانسيتنا!).

أكثر ما يُلفت النظر في جزرة البوحميد هو تل الحميضة، وهو تل جميل جداً يُطل على نهر الفرات مباشرة. ورغم الأراضي الشاسعة الواسعة الخالية المحيطة بجزرة البوحميد إلا أن سبباً خفياً يجهله الجميع دعا لأن تكون المقبرة بالذات على تل الحميضة.

لو حققت إسرائيل أهدافها فستأخذ البويطية. لكن جزرة البوحميد، لوقوعها في الجزيرة على مأمن من مطامع العدو وفق نصوصه المقدسّة، ستكون قاعدة انطلاق لحرب التحرير الشعبيّة. الجزرة هي «هانوي» البوحميد.

بالإمكان القول أن الفرات يقوم هنا مقام نهر الروبيكون في أيام الرومان. الروبيكون نهر صغير في إيطاليا، وقد كانت له أهمية سياسية وقانونية لأنه كان يمثل الحدّ بين المحافظات الرومانية وغاليا، وكان محظوراً على الجنرالات عبوره من غاليا باتجاه أراضي روما، إذ أن عبور الروبيكون بالسلاح يعني إعلان حرب. يُحكى أن يوليوس قيصر، سيّد غاليا آنذاك، وقف حائراً على ضفة الروبيكون عام 49 قبل الميلاد، ثم قال باللاتيني «Alea iacta est» (أي بما معناه: بدأت لعبة الحظ) وأمر جيوشه بعبور النهر باتجاه أراضي روما. لا يوليوس قيصر لدينا اليوم في الرقة، لكن لدينا أمراء داعش. لا إمكانية للجزم هنا، لكن لا أعتقد أنهم يحدّثون أنفسهم باللاتينية عند عبور النهر، بل ربما يُدندن بعضهم «من فوق جسر الرقة» دون أن يسمعه أحد.



2015/03/09

[روابط] صور من مجتمع العمل السوري في اسطنبول



رغم غياب الإحصاءات الدقيقة، يمكن القول إن عدد السوريين في اسطنبول تجاوز مئات الألوف، في هذا التحقيق صور لجوانب من الحياة الاقتصادية للسوريين في كبرى المدن التركية (للقراءة).


2015/03/02

[روابط] مواد عن اسبانيا وأميركا اللاتينية

مواد منشورة في الجمهورية.نت عن اسبانيا ودول أميركا اللاتينية خلال النصف الثاني من 2014 وكانون الثاني 2015.

كلايد سنو



الطريق الكتالوني (أيلول 2014) 

تسعى القوى الكَتَلونية لانتزاع حقّ تقرير المصير مدعومة بزخم شعبي كبير، فيما تحاول الحكومة الإسبانية سدّ هذا الطريق وسط غرقها في أقسى أزمة سياسية واقتصادية تعيشها إسبانيا منذ وفاة فرانكو. (للقراءة)
.. 

ذاكرة الجماجم (تشرين الثاني 2014) 

إن الكشف عن مصير المُغيّبين قسراً واجبٌ يتجاوز حقّ ذويه الشخصي، فهو جزء من التعاطي السليم مع الذاكرة التاريخية للبلد. في النص مدخل لتجربة الأرجنتين، وتعريف برائد في هذا المجال: كلايد سنو. (للقراءة)
.. 

أمهات ساحة مايو (كانون الثاني 2014) 

استخدم الحكم العسكري في الأرجنتين التغييب القسري كوسيلة لقمع مُعارضيه، وولدت منظمة أمهات ساحة مايو كردّ على إرهاب الدولة، مقدمة نموذجاً مهماً على مستوى أميركا اللاتينية، والعالم. (للقراءة) 


2014/10/28

[روابط] مواد مترجمة من الاسبانية إلى العربية

أربع نصوص مترجمة من الاسبانية إلى العربيّة في الشهور الأخيرة. جميعها منشور في موقع الجمهورية.


الديمقراطية عند جون ستيوارت ميل  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

الديمقراطية عند ماكس فيبر  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

لجنة الحقيقة  |  فيكتور أروغانتي (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

أنا الشعب  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة


2014/07/04

الفكرة الجمهوريّة كمناهضة للطغيان


سانتياغو آلبا ريكو*

ترجمة: ياسين السويحة 


يمكننا القول إن العالم العربي، بعد الحرب العالمية الثانية وعمليات نزع الاستعمار المطوّلة، لم يُحكَم إلا بأنظمة حكم ملكيّة: ملكيّات ذات طابع ديني، مثل ممالك وإمارات الخليج، وملكيّات «علمانيّة» كما في سوريا ومصر والعراق وتونس. الملكيّات العلمانيّة التي استلهمت خطابها من الفكر القومي العربي سُمّيت جمهوريّات، ما شكّل التباساً غلّف الطابع التعسّفي والسُلالي لهذه الأنظمة، وضرب مصداقيّة الفكرة الجمهوريّة، بشكل أساسي لصالح الإسلاميين.

فكرة الجمهورية لا هوية لها، لا شرقيّة ولا غربيّة، وهي لا تتعارض مع أيّة هويّة. إنها فكرة جيّدة، كالعجلة أو كإشارات المرور، وبالإمكان شرحها عبر شعار الثورة الفرنسيّة الشهير: «حريّة، مساواة، إخاء».

الحرّيّة هي التضادّ مع العبوديّة، ويمكن تعريفها بالإيجاز التالي: لا ينبغي أن يخضع إنسان لإرادة إنسانٍ آخر. حرّيّة إخضاع الإنسان، كما تفعل النخب السياسية والاقتصاديّة منذ قرون، ليست حرّيّة. الحرّيّة السياسيّة هي الخضوع الحرّ للقانون الذي يُقرّه الجميع، وليس لإرادة أُناس آخرين. غياب هذا «القانون العام» في الدول العربيّة ساهم في رفع رصيد الإسلاميين، الذين نادوا وينادون بالشرع الديني كطريق تحرّر من التعسّف «العلماني» للديكتاتوريات القوميّة. الفكر الجمهوري ينادي بسيادة الناس، أي الديمقراطيّة. يقرّر الناس الأحرار القوانين مجتمعين في إطار دولة القانون. العلمانية، بالتضادّ مع الإلحاد والإيمان الديني، اللذين يجب أن يبقيا خارج أطر العمل الجمهوري، هي ضمان ألا تتدخّل أيّ توجهات فكرية ضيّقة أو مصالح فئوية في القرار العام، وهي مسألة حقوقية وليست اجتماعية، وتُعنى بالاعتراف الاجتماعي بالإلحاد والإسلام والمسيحية…، مع منع استخدام القانون لفرض أيّ منها على المجتمع.

لكن، ماذا نعني حين نتحدّث عن «دولة قانون»؟ نعني أن الجمهور، عبر عمليّة تأسيسية سابقة، كان قد قرّر الحدود الأخلاقيّة والسياسيّة لأيّ قرار جماعي. الديمقراطية لا تحدّدها فقط صناديق الاقتراع، بل هي أيضاً القرار والإقرار المسبق بمبادئ ومنطلقات القرارات المتّخذة، أي الدستور. هذا الإطار المُسبَق يحدّد إمكانيات إصدار القوانين الجديدة أو تعديل القوانين الموجودة. على سبيل المثال، لا يمكن لأي برلمان، مهما علت نتيجة التصويت فيه، أن يشرّع العبوديّة، أو قتل وتعذيب الناس، أو الاغتصاب أو الغِلمانية أو النهب أو أكل لحوم البشر أو احتلال بلاد أخرى. حين نقرّر ديمقراطياً فإننا قد قرّرنا مسبقاً عبر عملية تأسيسية (لذا نحتاج غالباً إلى ثورة) أيّ الأسئلة يمكن طرحها وأيّها لا. إن دستوراً يُشرّع العنصرية مثلاً، كما كان الحال في جنوب إفريقيا في زمن الأبارتهايد، ليس حقّاً «بشكل دستوري». وأيّ قانون يشرّع الاحتلال العسكري ويقبل معاملة شطر من السكان كمواطني درجة ثانية، كما هو حال القوانين الإسرائيليّة، ليس حقّاً «بشكل قانوني». حقّ التمرّد على الدساتير الكاذبة والقوانين الجائرة هو مبدأ جمهوري بامتياز، ولا يمكن لأية ديكتاتوريّة، علمانية كانت أم دينيّة، أن تكون «جمهوريّة»، والقطاعات المناهِضة والمقاوِمة للديكتاتورية بحقّ، بغضّ النظر عن شعبيتها، هي الأساس للأغلبيات الديمقراطيّة المستقبليّة.

كذلك نحن بحاجة لإدخال مبدأ المساواة لتوطيد الأفكار الجمهوريّة حول القانون والديمقراطيّة. دون هذا المبدأ تكون الحرّيّة هي حرّيّة الأقوى، الأغنى، أو الأكثر شرّاً، أي هي حرّيّة إخضاع الآخرين واستعبادهم. كيّ يكون كلّ الناس أحراراً يجب أن يكونوا متساوين، ويجب أن تكون باستطاعتهم ممارسة حرّيتهم بشكلٍ متساويْ. لا يمكننا الحديث عن حرّيّة مع احتكار عوامل سياسيّة أو اجتماعية أو الاقتصاديّة لصالح أقلّية ما. على سبيل المثال، لا وجود لحرّيّة التعبير بينما يمتلك فرد أو عائلة أو شركة غالبيّة الصحف وقنوات التلفزة. وبالمثل، لا وجود لحرّيّة تصرّف، بل ولا حتى حرّيّة وجود، إذا تمّ احتكار المقدّرات الاقتصادية لبلد ما (الماء والبترول والأرض، وكذلك الصحّة والتعليم والثقافة) لصالح فرد أو عائلة أو شركة. لذلك، كما قيل سابقاً أن دستوراً دينياً أو عنصرياً أو عسكريتارياً ليس «دستوراً» حقيقياً، ليس دستوراً أيضاً ذاك الذي يرسّخ النيوليبراليّة و«السوق الُحرّ» كمبادئ ناظمة للسياسة والاجتماع. «السوق الحرّ»، فعلياً، هو تضادّ جذريّ مع الحرّيّات الجمهورية.

ختاماً، ينبغي أن نتحدّث عن الإخاء، ثالث الثلاثي الثوري الفرنسي الشهير. أقتبس في هذا المجال من أحد أهمّ محلّلي الفكر الجمهوري في إسبانيا طوني دومينيك، والذي يرى أن «التبييت» (من بيت) هي مضادّ «الحضارة». الديكتاتوريّة، كما قلنا قبل قليل، هي مضادّ الجمهوريّة، والديكتاتوريّة، أيضاً، هي «تَبييت» الفضاء العام، أي تمديد «البيت» الذي يسيطر فيه «الأب» ليشمل كامل المدينة. لمقاومة «تبييت» الفضاء العام هذا، على الفكر الجمهوري أن يسعى لحضرنة «البيت»، أو بمعنى آخر أن يستبدل علاقة الأب-الابن (وهي النموذج العام لكلّ الديكتاتوريات، وهنا تجدر الإشارة للنموذج الأبوي التسلّطي عند الأنظمة العربيّة) بعلاقة أفقيّة بين إخوة وأخوات. في المنطق السياسي والاجتماعي لا وجود لآباء يعرفون المصلحة الحقيقية لأبنائهم القصّر ويتّخذون القرارات تبعاً لذلك، بل ثمة «إخوة» ناضجون ومتمكّنون، يتشاركون ويتساعدون فيما بينهم. الإخاء هنا يعني حضرنة –تسييس– الفضاء الخاص، كي لا يستطيع أحد أن يفرض ما يناقض الحرّيّة والمساواة. ويعني الإخاء أيضاً الارتباط المتبادل بين الناس. بهذا المعنى، إذا لم تكن الدساتير الدينية أو العنصريّة أو الرأسماليّة «دساتير» حقيقيّة، فإن دستوراً ذكورياً لن يكون أيضاً «دستوراً» بالمعنى الجمهوري. التنظيم الجمهوري يفترض الاعتراف بعلاقة ارتباط متبادل بين «إخوة» يحتاجون بعضهم البعض لإحراز الكرامة المشتركة.

لقد حملت الثورات العربيّة في منطلقاتها، بغضّ النظر عن نتائجها، معاني جمهوريّة بامتياز، حيث برز مصطلح الكرامة كجامع لمطالبات الحرّيّة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والإخاء بين الأجناس والشعوب، وما يجري من ثورة مضادّة، باعتباره ثمرة تضافر التدخّلات الأجنبية مع إعادة تشكّل النخب المحلّية القديمة والمستجدّة، يهدّد بإعادة إنتاج الدوائر القديمة للديكتاتوريّة والقمع والتمييز و«التبييت»، وهي الدوائر التي تدور لصالح الإسلاميين وتوائمهم العلمانيين. هناك حاجة لاستعادة الفكرة الجمهوريّة لمناهضة الممالك، الدينية منها في الخليج وحتى «العلمانية» في مصر وسوريا. الفكرة الجمهوريّة عالميّة ومجدية، كالعجلة أو كإشارات المرور، وهناك حاجة ماسّة لها، ليس فقط في العالم العربي بل في أوربّا أيضاً، حيث تُعاني الخطوات الإيجابيّة القليلة التي تمّت خلال القرنين السابقين من تراجع خطير.



*سانتياغو آلبا ريكو: كاتب وباحث اسباني، له مؤلفات عديدة في مجالات الفلسفة والسياسة والأنتروبولوجيا، بالإضافة لمساهمات صحفية وأكاديمية عديدة في الشؤون العربيّة. ترجم الأعمال الكاملة للشاعر المصري نجيب سرور إلى الإسبانية.
..



2014/06/05

Elecciones de sangre, resultados de plomo

Deir Ezzor - AFP
Aparecerá hoy en muchos periódicos a lo largo y ancho del mundo, se dirá en muchos telediarios en infinidad de lenguas: Bashar al Asad ha ganado las elecciones en Siria con un 88,6%, con una participación del 73,4%. Bastantes notas de prensa incluso dirán eso de que fueron las "primeras elecciones presidenciales en Siria con más de un candidato desde hace más de medio siglo". Existe el pseudo- argumento que dice que estos son hechos. Datos objetivos. ¿Y qué pasa con el contexto en el que se encuadran estos "datos"? 

Del proceso electoral en sí mismo se podría decir mucho, desde que no fue más que un teatro barato, con candidatos de paja. Un proceso hecho a medida de Bashar al Asad, basado en la constitución que se inventó en 2012, y que aprobó con un referéndum casi tan patético como estas elecciones. Al igual que todos plebiscitos del régimen de los Asad, hemos visto cómo se coaccionaba a los sirios para ir a votar, tanto dentro de Siria como en el Líbano, la TV siria mostró, con desparpajo, como varios leales aseguraron que habían votado 2 y 3 veces, y que votarían las veces que hiciera falta. Incluso hemos visto a responsables de mesas electorales colgar en Facebook números de móvil a los que enviar una foto del DNI por Whatsapp para que votaran por ti si no podías acercarte al colegio electoral. Hemos visto como las instituciones del Estado eran utilizadas como catalizadores de la histeria colectiva a favor de Asad Hijo. De todo esto nada es nuevo. La única novedad es que en casi media Siria no se celebraron las elecciones, ya sea porque son zonas libres del control del régimen, o porque llevan meses cercadas por el ejército del régimen y las fuerzas paramilitares leales, como es el caso de la periferia sur de Damasco. 

Estos datos son más que suficientes para considerar que las elecciones fueron un tremendo fraude, aunque no estén de acuerdo los observadores internacionales invitados por el régimen, que llegaron procedentes de grandes ejemplos democráticos como Rusia, Irán, Corea del Norte, Bielorrusia y Mozambique. Aun así, esto no es más que la superficie de una cuestión mucho más profunda: Aunque hubiesen sido unas elecciones limpias, sin coacciones ni matonismos, sin fraude ni mentira, con libertad de voto, seguirían siendo una pantomima. Este régimen carece de cualquier legitimidad política tras casi medio siglo de tiranía empobrecedora, y más de tres años de guerra absoluta contra los sirios tras el levantamiento popular de marzo de 2011. 

En Siria no existe el Estado. Las instituciones existentes no sirven ni tan siquiera para hacer el paripé. La constitución y las leyes, hechas a medida de Bashar al Asad, no son respetadas ni tomadas en serio. Al hablar del régimen sirio, estamos hablando de un complejo político- económico- militar que ni siquiera reúne las características necesarias para poder decir que es -realmente- dictadura. Decimos que es una dictadura para darle un nombre, pero, en realidad, es algo mucho más primitivo, arbitrario, irracional y sanguinario. Estos criminales presentan un ejemplo difícil de encuadrar en la teoría política, por mucho que busquemos en las páginas más oscuras e inhumanas. 

El tirano sirio monta la patética escena de las elecciones presidenciales porque necesita dar una imagen de normalidad, aparte de encuadrar los baños de histeria colectiva, tan necesarios para la moral de los leales como para el régimen mismo. Aparte de la utilización interna, el régimen le muestra al mundo cual es el proceso político en el que está dispuesto a trabajar: Bashar al Asad es intocable. 

El régimen de los Asad lleva 44 años aplastando a los sirios sin piedad ni límites, y en los últimos 3 años ha declarado la guerra absoluta contra la sociedad siria, convirtiendo en un solar posapocalíptico cualquier ciudad, barrio, o aldea que haya participado en el levantamiento popular en su contra. El número de víctimas mortales superó los 150 mil fallecidos hace ya tiempo, y hay decenas de miles de detenidos en las cárceles del régimen. En los países vecinos de Siria hay millones de refugiados que han huido de las mareas de fuego y acero que el régimen les ha echado encima. Los muertos, detenidos, o refugiados nadie le ha preguntado si quieren votar a su asesino o carcelero, o, en cambio a alguna de las tristes marionetas presentadas como candidatos en su contra.. En serio, ¿De qué elecciones estamos hablando? 


2014/06/03

حين يتنحى الملك الإسباني

الملك خوان كارلوس الاول مع وريثة، الأمير فيليبي (إل باييس)

الإثنين، الثاني من حزيران/يونيو، في التاسعة صباحاً تُخطر الحكومة الاسبانية وسائل الإعلام، أن رئيسها ماريانو راخوي، سيتلو إعلاناً رسمياً بعد ساعة ونصف في مونكلوا، مقر رئاسة الوزراء. التكهنات والتوقّعات الأولى، تحدّثت عن إمكانية تعديل التشكيلة الحكومية، لكن نمط الإعلان، غير المألوف، جعل من هذا الاحتمال مستبعداً. قبل العاشرة والنصف بربع ساعة، تظهر تسريبات تؤكدها كلمات راخوي بعدها: خوان كارلوس الأول، صاحب التاج الاسباني منذ عام 1975، يتنحّى عن العرش لصالح ابنه فيليبي. إنه خبر متوقّع منذ أكثر من عامٍ ونصف العام أو أكثر، لكنّ التوقّع لا يخفف من حجم وقوّة الزلزال الإعلامي والسياسي الذي أحدثه الإعلان. 

ولد خوان كارلوس دي بوربون، في روما عام 1938، وهو ابن خوان دي بوربون وحفيد ألفونسو الثالث عشر. الملك ألفونسو الذي رحل عن اسبانيا عام 1931 لتقوم مكانه الجمهورية الإسبانية الثانية. والتي انتهت بدورها إثر هزيمتها في الحرب الأهلية الاسبانية 1936-1939. وذلك أمام قوّات الجنرال فرانكو، الذي أرسى دعائم نظامٍ استبدادي عسكري، ينهل من اليمين القومي-الكاثوليكي إيديولوجيته شبه الفاشيّة. كان فرانكو مقتنعاً بعودة الملكيّة إلى عائلة بوربون من بعده. لكنه فضّل تجاوز خوان، الوريث الأول، ذو النزعة الملكيّة الليبراليّة والحالم بملكية دستورية على الطراز الأوروبي، لصالح ابنه خوان كارلوس. لم يرق لخوان دي بوربون هذا التوجّه، لكنه لم يمانع ارسال ابنه اليافع من مقر إقامة العائلة في استوريل البرتغاليّة، إلى اسبانيا ليتربّى في أكاديميات قوّاتها البحريّة المرموقة، ريثما ينجلي النقاش حول وراثة الحكم بعد فرانكو. عام 1969 حسم فرانكو قراره لصالح تسمية خوان كارلوس وريثاً للتاج الاسباني، ما تسبب بقطيعة بين خوان كارلوس وأبيه، الذي رفض الاعتراف بابنه ملكاً لإسبانيا حتى عام 1977. 

الجنرال فرانكو مع خوان كارلوس دي بوربون، وريث العرش آنذاك
في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1975، صعد خوان كارلوس إلى العرش بعد وفاة الجنرال فرانكو بيومين. وكما حصل قبل ستة أعوام حين عُيّن رسمياً ولياً للعهد، قرأ القسم الذي تضمّن التعهّد بالحفاظ على مبادئ الحركة القوميّة، الهيكل الإيديولوجي لنظام الجنرال فرانكو. وعلى الرغم من ذلك، بدا واضحاً بعد أشهرٍ قليلة، أن الملك الجديد يسير مع المزاج الصاعد باتجاه الانفتاح والتحوّل الديمقراطي. وهو مزاجٌ كان مندفعاً، أساساً، بفضل علاقات اقتصادية أقوى مع أوروبا، والتي كانت قد بدأت بالتبلور منذ أواسط الستينات. يضاف إلى ذلك، رغبة طبقة وسطى توسّعت كثيراً خلال العقد والنصف الأخير من عهد فرانكو. وبالتعاون مع أدولفو سواريث، آخر رئيس وزراء مُعيّن من قبل رأس الدولة عام 1976، وأول رئيس وزراء خارج من برلمان منتخب بعد إقرار دستور عام 1978، قاوم الملك النزعات الرجعية للقطاعات الموالية لفرانكو، التي كانت ما تزال تحظى بنفوذ كبير في الجيش وقوى الأمن. وطبع هذا الاستقطاب سنوات التحويل الديمقراطي في النصف الثاني من السبعينات. ولا سيما مع رفع الحظر عن الحزب الشيوعي الإسباني، وتطبيع وجوده في الحياة السياسيّة. لكن الاستقطاب وصل إلى ذروته عام 1982، حين أُفشلت محاولة انقلابيّة صاخبة في الثالث والعشرين من شباط/فبراير. في ذلك اليوم، اقتحمت قوّة من الحرس المدني بقيادة أنطونيو تيخيرو، وهو ضابط من نوستالجيي فرانكو، مبنى البرلمان أثناء انعقاد جلسة لاختيار خليفة أدولفو سواريث، واحتجزت البرلمانيين طوال الليل. انتشرت بعض القطع العسكرية الانقلابية في منطقة فالنسيا، لكنّ ظهور الملك في التلفزيون مرتدياً زيّ القائد العام للقوات المسلّحة، وهو يندد بالانقلاب ويؤكد على استمراريّة النظام الدستوري حسمت الموقف، وسلّم الانقلابيون أنفسهم للشرطة العسكرية. 

حفظت السرديّة الرسميّة للتحويل الديمقراطي في اسبانيا للملك مكانةً مرموقة، إذ قدّمته كصانع رئيسي للقفزة الإسبانية من ديكتاتورية عسكرية كاثوليكية إلى ملكية دستورية عضو في الإتحاد الأوروبي. وكعنصر فاعل في صناعة التوافقات بين الأحزاب السياسية في اللحظات الحرجة. لذلك، حُيّدت العائلة المالكة من أي استقطاب سياسي في البرلمان، والتزمت وسائل الإعلام الرئيسية “ميثاق شرف” غير مكتوب يقضي بعدم المسّ بالملك وعائلته. وعدا عن التيارات اليسارية الجمهورية، لم يلق الملك إلا المديح. وطوال عقدي الثمانينات والتسعينيات والنصف الأول من العقد الماضي، كان التاج يتلقى أفضل التقييمات في استطلاعات الرأي الشعبي حول مؤسسات الدولة وعملها. وبقي الوضع على هذا الحال حتى انفجار الأزمة الاقتصادية عام 2007، حين بدأت المطالبات بعلنيّة موازنات القصر الملكي، لكن هذه لم تكن إلا حنجلة بداية الرقص.

وجّه القضاء، في حزيران/يونيو عام 2011 اتهاماً لإينياكي أوردانغارين، لاعب كرة اليد الدولي السابق وزوج كريستينا، ابنة ملك اسبانيا الصغرى، بالفساد على خلفية كشف تلاعبه بحسابات مؤسسات غير ربحية معنيّة بالترويج للرياضة، كان قد أنشأها قبل سنوات. وحاولت الأوساط السياسية والصحافية الملكية تحييد الملك عن الفضيحة، لكن وقوعها في سياق أزمة اقتصادية خانقة شكّل انطلاقة لرفع الغطاء الإعلامي عن الملك وعائلته. وبالكاد غابت أنباء القضية عن الصحف منذ ذلك الحين. بدا مستشارو الملك ومسؤولو القصر في وضعٍ لا يُحسدون عليه في تلك اللحظة، لكن ما سيجري بعد أقل من عام أثبت أنهم لم يلمسوا القعر بعد.

في نيسان/إبريل 2012، وفي الوقت الذي كانت اسبانيا تعيش فيه أسوأ أوضاعها الاقتصادية منذ عقود، بنسب بطالة تفوق الـ 24 بالمائة، ونسب فائدة خيالية على الدين العام الإسباني، يُعلن أن الملك قد خضع لعمل جراحي لمعالجته من إصابة في وركه إثر سقوطه. حاول جهاز الحماية الخاص بالملك تمويه القصة، لكنه فشل في ذلك: أصيب الملك أثناء مشاركته في رحلة صيد فيلة في بوتسوانا! أثار هذا الخبر زلزالاً مدوياً في اسبانيا، لا سيما وأنه ترافق مع تقارير صحافية، تُشير إلى أن الملك كان برفقة "صديقة خاصّة" هي الأميرة كورينا زو ساين، طليقة أحد النبلاء الألمان. وكانت الأميرة كورينا قد سافرت ضمن وفود ملكية رسمية عدة مرات، كما قامت بعدّة زيارات بروتوكولية بصفتها “ممثلة ملك اسبانيا”. مما أدى لاستدعاء مدير عام المخابرات الإسبانية، إلى البرلمان ليقدّم تقريراً عن نشاطها أمام لجنة أسرار الدولة. وليوضّح إن كانت قد تلقّت أموالاً من الخزينة العامّة لقاء تمثيلها "الشخصي" للملك.


وعلى الرغم من اعتذار الملك العلني للإسبان، أمام وسائل الإعلام التي غطّت خروجه من المستشفى بعد العمل الجراحي، تدهورت صورة العائلة المالكة بقسوة بعد رحلة بوتسوانا. وسجّلت التقارير الدورية لمعهد الدراسات السوسيولوجيّة، التابع للحكومة الإسبانية، انهياراً لإيجابية صورة الملك بين الإسبان؛ من أكثر من 75 بالمائة أواسط التسعينيات، إلى ما دون الـ 35 بالمائة قبل شهرين. وتزامن هذا الأمر مع تدهور صحة الملك واضطراره لإيفاد وريثه فيليبي، الأقل تضرراً من التدهور العام لصورة العائلة المالكة، ممثلاً عنه في أغلب المناسبات والمحافل الرسمية داخل وخارج اسبانيا. منذ شهور والأوساط السياسية والصحفية في اسبانيا تتحدث عن حتمية تنحٍّ قريب لخوان كارلوس الأول. وتنقل بامتعاض رفض الملك لهكذا خيار وإصراره على البقاء ملكاً حتى الموت. وهو رفضٌ تضعضع، حسب ما تُشير الصحافة اليوم نقلاً عن دوائر القصر الملكي، بداية العام الجاري، وصار قراراً نهائياً أواسط آذار/مارس الماضي، ونُقل رسمياً للحكومة بعدها بأيام، ليُعلن الاثنين للشعب الاسباني.
...