2014/10/28

فهرس مواد مترجمة من الاسبانية إلى العربية [متجدد]

أربع نصوص مترجمة من الاسبانية إلى العربيّة في الشهور الأخيرة. جميعها منشور في موقع الجمهورية.


الديمقراطية عند جون ستيوارت ميل  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

الديمقراطية عند ماكس فيبر  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

لجنة الحقيقة  |  فيكتور أروغانتي (النص الأصلي) - [ الترجمة ]

أنا الشعب  |  بابلو سيمون (النص الأصلي) - [ الترجمة






2014/07/04

الفكرة الجمهوريّة كمناهضة للطغيان


سانتياغو آلبا ريكو*

ترجمة: ياسين السويحة 


يمكننا القول إن العالم العربي، بعد الحرب العالمية الثانية وعمليات نزع الاستعمار المطوّلة، لم يُحكَم إلا بأنظمة حكم ملكيّة: ملكيّات ذات طابع ديني، مثل ممالك وإمارات الخليج، وملكيّات «علمانيّة» كما في سوريا ومصر والعراق وتونس. الملكيّات العلمانيّة التي استلهمت خطابها من الفكر القومي العربي سُمّيت جمهوريّات، ما شكّل التباساً غلّف الطابع التعسّفي والسُلالي لهذه الأنظمة، وضرب مصداقيّة الفكرة الجمهوريّة، بشكل أساسي لصالح الإسلاميين.

فكرة الجمهورية لا هوية لها، لا شرقيّة ولا غربيّة، وهي لا تتعارض مع أيّة هويّة. إنها فكرة جيّدة، كالعجلة أو كإشارات المرور، وبالإمكان شرحها عبر شعار الثورة الفرنسيّة الشهير: «حريّة، مساواة، إخاء».

الحرّيّة هي التضادّ مع العبوديّة، ويمكن تعريفها بالإيجاز التالي: لا ينبغي أن يخضع إنسان لإرادة إنسانٍ آخر. حرّيّة إخضاع الإنسان، كما تفعل النخب السياسية والاقتصاديّة منذ قرون، ليست حرّيّة. الحرّيّة السياسيّة هي الخضوع الحرّ للقانون الذي يُقرّه الجميع، وليس لإرادة أُناس آخرين. غياب هذا «القانون العام» في الدول العربيّة ساهم في رفع رصيد الإسلاميين، الذين نادوا وينادون بالشرع الديني كطريق تحرّر من التعسّف «العلماني» للديكتاتوريات القوميّة. الفكر الجمهوري ينادي بسيادة الناس، أي الديمقراطيّة. يقرّر الناس الأحرار القوانين مجتمعين في إطار دولة القانون. العلمانية، بالتضادّ مع الإلحاد والإيمان الديني، اللذين يجب أن يبقيا خارج أطر العمل الجمهوري، هي ضمان ألا تتدخّل أيّ توجهات فكرية ضيّقة أو مصالح فئوية في القرار العام، وهي مسألة حقوقية وليست اجتماعية، وتُعنى بالاعتراف الاجتماعي بالإلحاد والإسلام والمسيحية…، مع منع استخدام القانون لفرض أيّ منها على المجتمع.

لكن، ماذا نعني حين نتحدّث عن «دولة قانون»؟ نعني أن الجمهور، عبر عمليّة تأسيسية سابقة، كان قد قرّر الحدود الأخلاقيّة والسياسيّة لأيّ قرار جماعي. الديمقراطية لا تحدّدها فقط صناديق الاقتراع، بل هي أيضاً القرار والإقرار المسبق بمبادئ ومنطلقات القرارات المتّخذة، أي الدستور. هذا الإطار المُسبَق يحدّد إمكانيات إصدار القوانين الجديدة أو تعديل القوانين الموجودة. على سبيل المثال، لا يمكن لأي برلمان، مهما علت نتيجة التصويت فيه، أن يشرّع العبوديّة، أو قتل وتعذيب الناس، أو الاغتصاب أو الغِلمانية أو النهب أو أكل لحوم البشر أو احتلال بلاد أخرى. حين نقرّر ديمقراطياً فإننا قد قرّرنا مسبقاً عبر عملية تأسيسية (لذا نحتاج غالباً إلى ثورة) أيّ الأسئلة يمكن طرحها وأيّها لا. إن دستوراً يُشرّع العنصرية مثلاً، كما كان الحال في جنوب إفريقيا في زمن الأبارتهايد، ليس حقّاً «بشكل دستوري». وأيّ قانون يشرّع الاحتلال العسكري ويقبل معاملة شطر من السكان كمواطني درجة ثانية، كما هو حال القوانين الإسرائيليّة، ليس حقّاً «بشكل قانوني». حقّ التمرّد على الدساتير الكاذبة والقوانين الجائرة هو مبدأ جمهوري بامتياز، ولا يمكن لأية ديكتاتوريّة، علمانية كانت أم دينيّة، أن تكون «جمهوريّة»، والقطاعات المناهِضة والمقاوِمة للديكتاتورية بحقّ، بغضّ النظر عن شعبيتها، هي الأساس للأغلبيات الديمقراطيّة المستقبليّة.

كذلك نحن بحاجة لإدخال مبدأ المساواة لتوطيد الأفكار الجمهوريّة حول القانون والديمقراطيّة. دون هذا المبدأ تكون الحرّيّة هي حرّيّة الأقوى، الأغنى، أو الأكثر شرّاً، أي هي حرّيّة إخضاع الآخرين واستعبادهم. كيّ يكون كلّ الناس أحراراً يجب أن يكونوا متساوين، ويجب أن تكون باستطاعتهم ممارسة حرّيتهم بشكلٍ متساويْ. لا يمكننا الحديث عن حرّيّة مع احتكار عوامل سياسيّة أو اجتماعية أو الاقتصاديّة لصالح أقلّية ما. على سبيل المثال، لا وجود لحرّيّة التعبير بينما يمتلك فرد أو عائلة أو شركة غالبيّة الصحف وقنوات التلفزة. وبالمثل، لا وجود لحرّيّة تصرّف، بل ولا حتى حرّيّة وجود، إذا تمّ احتكار المقدّرات الاقتصادية لبلد ما (الماء والبترول والأرض، وكذلك الصحّة والتعليم والثقافة) لصالح فرد أو عائلة أو شركة. لذلك، كما قيل سابقاً أن دستوراً دينياً أو عنصرياً أو عسكريتارياً ليس «دستوراً» حقيقياً، ليس دستوراً أيضاً ذاك الذي يرسّخ النيوليبراليّة و«السوق الُحرّ» كمبادئ ناظمة للسياسة والاجتماع. «السوق الحرّ»، فعلياً، هو تضادّ جذريّ مع الحرّيّات الجمهورية.

ختاماً، ينبغي أن نتحدّث عن الإخاء، ثالث الثلاثي الثوري الفرنسي الشهير. أقتبس في هذا المجال من أحد أهمّ محلّلي الفكر الجمهوري في إسبانيا طوني دومينيك، والذي يرى أن «التبييت» (من بيت) هي مضادّ «الحضارة». الديكتاتوريّة، كما قلنا قبل قليل، هي مضادّ الجمهوريّة، والديكتاتوريّة، أيضاً، هي «تَبييت» الفضاء العام، أي تمديد «البيت» الذي يسيطر فيه «الأب» ليشمل كامل المدينة. لمقاومة «تبييت» الفضاء العام هذا، على الفكر الجمهوري أن يسعى لحضرنة «البيت»، أو بمعنى آخر أن يستبدل علاقة الأب-الابن (وهي النموذج العام لكلّ الديكتاتوريات، وهنا تجدر الإشارة للنموذج الأبوي التسلّطي عند الأنظمة العربيّة) بعلاقة أفقيّة بين إخوة وأخوات. في المنطق السياسي والاجتماعي لا وجود لآباء يعرفون المصلحة الحقيقية لأبنائهم القصّر ويتّخذون القرارات تبعاً لذلك، بل ثمة «إخوة» ناضجون ومتمكّنون، يتشاركون ويتساعدون فيما بينهم. الإخاء هنا يعني حضرنة –تسييس– الفضاء الخاص، كي لا يستطيع أحد أن يفرض ما يناقض الحرّيّة والمساواة. ويعني الإخاء أيضاً الارتباط المتبادل بين الناس. بهذا المعنى، إذا لم تكن الدساتير الدينية أو العنصريّة أو الرأسماليّة «دساتير» حقيقيّة، فإن دستوراً ذكورياً لن يكون أيضاً «دستوراً» بالمعنى الجمهوري. التنظيم الجمهوري يفترض الاعتراف بعلاقة ارتباط متبادل بين «إخوة» يحتاجون بعضهم البعض لإحراز الكرامة المشتركة.

لقد حملت الثورات العربيّة في منطلقاتها، بغضّ النظر عن نتائجها، معاني جمهوريّة بامتياز، حيث برز مصطلح الكرامة كجامع لمطالبات الحرّيّة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والإخاء بين الأجناس والشعوب، وما يجري من ثورة مضادّة، باعتباره ثمرة تضافر التدخّلات الأجنبية مع إعادة تشكّل النخب المحلّية القديمة والمستجدّة، يهدّد بإعادة إنتاج الدوائر القديمة للديكتاتوريّة والقمع والتمييز و«التبييت»، وهي الدوائر التي تدور لصالح الإسلاميين وتوائمهم العلمانيين. هناك حاجة لاستعادة الفكرة الجمهوريّة لمناهضة الممالك، الدينية منها في الخليج وحتى «العلمانية» في مصر وسوريا. الفكرة الجمهوريّة عالميّة ومجدية، كالعجلة أو كإشارات المرور، وهناك حاجة ماسّة لها، ليس فقط في العالم العربي بل في أوربّا أيضاً، حيث تُعاني الخطوات الإيجابيّة القليلة التي تمّت خلال القرنين السابقين من تراجع خطير.



*سانتياغو آلبا ريكو: كاتب وباحث اسباني، له مؤلفات عديدة في مجالات الفلسفة والسياسة والأنتروبولوجيا، بالإضافة لمساهمات صحفية وأكاديمية عديدة في الشؤون العربيّة. ترجم الأعمال الكاملة للشاعر المصري نجيب سرور إلى الإسبانية.
..







2014/06/05

Elecciones de sangre, resultados de plomo

Deir Ezzor - AFP
Aparecerá hoy en muchos periódicos a lo largo y ancho del mundo, se dirá en muchos telediarios en infinidad de lenguas: Bashar al Asad ha ganado las elecciones en Siria con un 88,6%, con una participación del 73,4%. Bastantes notas de prensa incluso dirán eso de que fueron las "primeras elecciones presidenciales en Siria con más de un candidato desde hace más de medio siglo". Existe el pseudo- argumento que dice que estos son hechos. Datos objetivos. ¿Y qué pasa con el contexto en el que se encuadran estos "datos"? 

Del proceso electoral en sí mismo se podría decir mucho, desde que no fue más que un teatro barato, con candidatos de paja. Un proceso hecho a medida de Bashar al Asad, basado en la constitución que se inventó en 2012, y que aprobó con un referéndum casi tan patético como estas elecciones. Al igual que todos plebiscitos del régimen de los Asad, hemos visto cómo se coaccionaba a los sirios para ir a votar, tanto dentro de Siria como en el Líbano, la TV siria mostró, con desparpajo, como varios leales aseguraron que habían votado 2 y 3 veces, y que votarían las veces que hiciera falta. Incluso hemos visto a responsables de mesas electorales colgar en Facebook números de móvil a los que enviar una foto del DNI por Whatsapp para que votaran por ti si no podías acercarte al colegio electoral. Hemos visto como las instituciones del Estado eran utilizadas como catalizadores de la histeria colectiva a favor de Asad Hijo. De todo esto nada es nuevo. La única novedad es que en casi media Siria no se celebraron las elecciones, ya sea porque son zonas libres del control del régimen, o porque llevan meses cercadas por el ejército del régimen y las fuerzas paramilitares leales, como es el caso de la periferia sur de Damasco. 

Estos datos son más que suficientes para considerar que las elecciones fueron un tremendo fraude, aunque no estén de acuerdo los observadores internacionales invitados por el régimen, que llegaron procedentes de grandes ejemplos democráticos como Rusia, Irán, Corea del Norte, Bielorrusia y Mozambique. Aun así, esto no es más que la superficie de una cuestión mucho más profunda: Aunque hubiesen sido unas elecciones limpias, sin coacciones ni matonismos, sin fraude ni mentira, con libertad de voto, seguirían siendo una pantomima. Este régimen carece de cualquier legitimidad política tras casi medio siglo de tiranía empobrecedora, y más de tres años de guerra absoluta contra los sirios tras el levantamiento popular de marzo de 2011. 

En Siria no existe el Estado. Las instituciones existentes no sirven ni tan siquiera para hacer el paripé. La constitución y las leyes, hechas a medida de Bashar al Asad, no son respetadas ni tomadas en serio. Al hablar del régimen sirio, estamos hablando de un complejo político- económico- militar que ni siquiera reúne las características necesarias para poder decir que es -realmente- dictadura. Decimos que es una dictadura para darle un nombre, pero, en realidad, es algo mucho más primitivo, arbitrario, irracional y sanguinario. Estos criminales presentan un ejemplo difícil de encuadrar en la teoría política, por mucho que busquemos en las páginas más oscuras e inhumanas. 

El tirano sirio monta la patética escena de las elecciones presidenciales porque necesita dar una imagen de normalidad, aparte de encuadrar los baños de histeria colectiva, tan necesarios para la moral de los leales como para el régimen mismo. Aparte de la utilización interna, el régimen le muestra al mundo cual es el proceso político en el que está dispuesto a trabajar: Bashar al Asad es intocable. 

El régimen de los Asad lleva 44 años aplastando a los sirios sin piedad ni límites, y en los últimos 3 años ha declarado la guerra absoluta contra la sociedad siria, convirtiendo en un solar posapocalíptico cualquier ciudad, barrio, o aldea que haya participado en el levantamiento popular en su contra. El número de víctimas mortales superó los 150 mil fallecidos hace ya tiempo, y hay decenas de miles de detenidos en las cárceles del régimen. En los países vecinos de Siria hay millones de refugiados que han huido de las mareas de fuego y acero que el régimen les ha echado encima. Los muertos, detenidos, o refugiados nadie le ha preguntado si quieren votar a su asesino o carcelero, o, en cambio a alguna de las tristes marionetas presentadas como candidatos en su contra.. En serio, ¿De qué elecciones estamos hablando? 






2014/06/03

حين يتنحى الملك الإسباني

الملك خوان كارلوس الاول مع وريثة، الأمير فيليبي (إل باييس)

الإثنين، الثاني من حزيران/يونيو، في التاسعة صباحاً تُخطر الحكومة الاسبانية وسائل الإعلام، أن رئيسها ماريانو راخوي، سيتلو إعلاناً رسمياً بعد ساعة ونصف في مونكلوا، مقر رئاسة الوزراء. التكهنات والتوقّعات الأولى، تحدّثت عن إمكانية تعديل التشكيلة الحكومية، لكن نمط الإعلان، غير المألوف، جعل من هذا الاحتمال مستبعداً. قبل العاشرة والنصف بربع ساعة، تظهر تسريبات تؤكدها كلمات راخوي بعدها: خوان كارلوس الأول، صاحب التاج الاسباني منذ عام 1975، يتنحّى عن العرش لصالح ابنه فيليبي. إنه خبر متوقّع منذ أكثر من عامٍ ونصف العام أو أكثر، لكنّ التوقّع لا يخفف من حجم وقوّة الزلزال الإعلامي والسياسي الذي أحدثه الإعلان. 

ولد خوان كارلوس دي بوربون، في روما عام 1938، وهو ابن خوان دي بوربون وحفيد ألفونسو الثالث عشر. الملك ألفونسو الذي رحل عن اسبانيا عام 1931 لتقوم مكانه الجمهورية الإسبانية الثانية. والتي انتهت بدورها إثر هزيمتها في الحرب الأهلية الاسبانية 1936-1939. وذلك أمام قوّات الجنرال فرانكو، الذي أرسى دعائم نظامٍ استبدادي عسكري، ينهل من اليمين القومي-الكاثوليكي إيديولوجيته شبه الفاشيّة. كان فرانكو مقتنعاً بعودة الملكيّة إلى عائلة بوربون من بعده. لكنه فضّل تجاوز خوان، الوريث الأول، ذو النزعة الملكيّة الليبراليّة والحالم بملكية دستورية على الطراز الأوروبي، لصالح ابنه خوان كارلوس. لم يرق لخوان دي بوربون هذا التوجّه، لكنه لم يمانع ارسال ابنه اليافع من مقر إقامة العائلة في استوريل البرتغاليّة، إلى اسبانيا ليتربّى في أكاديميات قوّاتها البحريّة المرموقة، ريثما ينجلي النقاش حول وراثة الحكم بعد فرانكو. عام 1969 حسم فرانكو قراره لصالح تسمية خوان كارلوس وريثاً للتاج الاسباني، ما تسبب بقطيعة بين خوان كارلوس وأبيه، الذي رفض الاعتراف بابنه ملكاً لإسبانيا حتى عام 1977. 

الجنرال فرانكو مع خوان كارلوس دي بوربون، وريث العرش آنذاك
في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1975، صعد خوان كارلوس إلى العرش بعد وفاة الجنرال فرانكو بيومين. وكما حصل قبل ستة أعوام حين عُيّن رسمياً ولياً للعهد، قرأ القسم الذي تضمّن التعهّد بالحفاظ على مبادئ الحركة القوميّة، الهيكل الإيديولوجي لنظام الجنرال فرانكو. وعلى الرغم من ذلك، بدا واضحاً بعد أشهرٍ قليلة، أن الملك الجديد يسير مع المزاج الصاعد باتجاه الانفتاح والتحوّل الديمقراطي. وهو مزاجٌ كان مندفعاً، أساساً، بفضل علاقات اقتصادية أقوى مع أوروبا، والتي كانت قد بدأت بالتبلور منذ أواسط الستينات. يضاف إلى ذلك، رغبة طبقة وسطى توسّعت كثيراً خلال العقد والنصف الأخير من عهد فرانكو. وبالتعاون مع أدولفو سواريث، آخر رئيس وزراء مُعيّن من قبل رأس الدولة عام 1976، وأول رئيس وزراء خارج من برلمان منتخب بعد إقرار دستور عام 1978، قاوم الملك النزعات الرجعية للقطاعات الموالية لفرانكو، التي كانت ما تزال تحظى بنفوذ كبير في الجيش وقوى الأمن. وطبع هذا الاستقطاب سنوات التحويل الديمقراطي في النصف الثاني من السبعينات. ولا سيما مع رفع الحظر عن الحزب الشيوعي الإسباني، وتطبيع وجوده في الحياة السياسيّة. لكن الاستقطاب وصل إلى ذروته عام 1982، حين أُفشلت محاولة انقلابيّة صاخبة في الثالث والعشرين من شباط/فبراير. في ذلك اليوم، اقتحمت قوّة من الحرس المدني بقيادة أنطونيو تيخيرو، وهو ضابط من نوستالجيي فرانكو، مبنى البرلمان أثناء انعقاد جلسة لاختيار خليفة أدولفو سواريث، واحتجزت البرلمانيين طوال الليل. انتشرت بعض القطع العسكرية الانقلابية في منطقة فالنسيا، لكنّ ظهور الملك في التلفزيون مرتدياً زيّ القائد العام للقوات المسلّحة، وهو يندد بالانقلاب ويؤكد على استمراريّة النظام الدستوري حسمت الموقف، وسلّم الانقلابيون أنفسهم للشرطة العسكرية. 

حفظت السرديّة الرسميّة للتحويل الديمقراطي في اسبانيا للملك مكانةً مرموقة، إذ قدّمته كصانع رئيسي للقفزة الإسبانية من ديكتاتورية عسكرية كاثوليكية إلى ملكية دستورية عضو في الإتحاد الأوروبي. وكعنصر فاعل في صناعة التوافقات بين الأحزاب السياسية في اللحظات الحرجة. لذلك، حُيّدت العائلة المالكة من أي استقطاب سياسي في البرلمان، والتزمت وسائل الإعلام الرئيسية “ميثاق شرف” غير مكتوب يقضي بعدم المسّ بالملك وعائلته. وعدا عن التيارات اليسارية الجمهورية، لم يلق الملك إلا المديح. وطوال عقدي الثمانينات والتسعينيات والنصف الأول من العقد الماضي، كان التاج يتلقى أفضل التقييمات في استطلاعات الرأي الشعبي حول مؤسسات الدولة وعملها. وبقي الوضع على هذا الحال حتى انفجار الأزمة الاقتصادية عام 2007، حين بدأت المطالبات بعلنيّة موازنات القصر الملكي، لكن هذه لم تكن إلا حنجلة بداية الرقص.

وجّه القضاء، في حزيران/يونيو عام 2011 اتهاماً لإينياكي أوردانغارين، لاعب كرة اليد الدولي السابق وزوج كريستينا، ابنة ملك اسبانيا الصغرى، بالفساد على خلفية كشف تلاعبه بحسابات مؤسسات غير ربحية معنيّة بالترويج للرياضة، كان قد أنشأها قبل سنوات. وحاولت الأوساط السياسية والصحافية الملكية تحييد الملك عن الفضيحة، لكن وقوعها في سياق أزمة اقتصادية خانقة شكّل انطلاقة لرفع الغطاء الإعلامي عن الملك وعائلته. وبالكاد غابت أنباء القضية عن الصحف منذ ذلك الحين. بدا مستشارو الملك ومسؤولو القصر في وضعٍ لا يُحسدون عليه في تلك اللحظة، لكن ما سيجري بعد أقل من عام أثبت أنهم لم يلمسوا القعر بعد.

في نيسان/إبريل 2012، وفي الوقت الذي كانت اسبانيا تعيش فيه أسوأ أوضاعها الاقتصادية منذ عقود، بنسب بطالة تفوق الـ 24 بالمائة، ونسب فائدة خيالية على الدين العام الإسباني، يُعلن أن الملك قد خضع لعمل جراحي لمعالجته من إصابة في وركه إثر سقوطه. حاول جهاز الحماية الخاص بالملك تمويه القصة، لكنه فشل في ذلك: أصيب الملك أثناء مشاركته في رحلة صيد فيلة في بوتسوانا! أثار هذا الخبر زلزالاً مدوياً في اسبانيا، لا سيما وأنه ترافق مع تقارير صحافية، تُشير إلى أن الملك كان برفقة "صديقة خاصّة" هي الأميرة كورينا زو ساين، طليقة أحد النبلاء الألمان. وكانت الأميرة كورينا قد سافرت ضمن وفود ملكية رسمية عدة مرات، كما قامت بعدّة زيارات بروتوكولية بصفتها “ممثلة ملك اسبانيا”. مما أدى لاستدعاء مدير عام المخابرات الإسبانية، إلى البرلمان ليقدّم تقريراً عن نشاطها أمام لجنة أسرار الدولة. وليوضّح إن كانت قد تلقّت أموالاً من الخزينة العامّة لقاء تمثيلها "الشخصي" للملك.


وعلى الرغم من اعتذار الملك العلني للإسبان، أمام وسائل الإعلام التي غطّت خروجه من المستشفى بعد العمل الجراحي، تدهورت صورة العائلة المالكة بقسوة بعد رحلة بوتسوانا. وسجّلت التقارير الدورية لمعهد الدراسات السوسيولوجيّة، التابع للحكومة الإسبانية، انهياراً لإيجابية صورة الملك بين الإسبان؛ من أكثر من 75 بالمائة أواسط التسعينيات، إلى ما دون الـ 35 بالمائة قبل شهرين. وتزامن هذا الأمر مع تدهور صحة الملك واضطراره لإيفاد وريثه فيليبي، الأقل تضرراً من التدهور العام لصورة العائلة المالكة، ممثلاً عنه في أغلب المناسبات والمحافل الرسمية داخل وخارج اسبانيا. منذ شهور والأوساط السياسية والصحفية في اسبانيا تتحدث عن حتمية تنحٍّ قريب لخوان كارلوس الأول. وتنقل بامتعاض رفض الملك لهكذا خيار وإصراره على البقاء ملكاً حتى الموت. وهو رفضٌ تضعضع، حسب ما تُشير الصحافة اليوم نقلاً عن دوائر القصر الملكي، بداية العام الجاري، وصار قراراً نهائياً أواسط آذار/مارس الماضي، ونُقل رسمياً للحكومة بعدها بأيام، ليُعلن الاثنين للشعب الاسباني.
... 







2014/05/09

من أنطاكيا إلى باب الهوى

أنطاكيا (ويكيبيديا)

لأنطاكيا موقع خاص في خارطة ارتداد مفاعيل الثورة السوريّة على الجنوب التركي، نزوحاً وسياسةً وأمناً. من جهة، هي ملجأ لآلاف السوريين الهاربين من الجحيم المسكوب على بلادهم، خصوصاً حلب وإدلب والجزء الشمالي من الساحل السوري، وهي المركز المديني الأقرب للريحانية وأطمة، اللتين تشهدان تمركزاً كبيراً للاجئين وللمنظمات الإنسانية والإغاثية، واللتين تشكّلان نقطتي تماس وتبادل مع الداخل السوري. ومن جهة أخرى، تشكّل أنطاكيا، التي يعود حوالي نصف سكانها إلى أصول علويّة، النموذج الأكثر صخباً للمسألة العلويّة في تركيا، وهي المسألة التي تصاعدت في السنوات الأخيرة، ضمن سجال عام يخصّ وضع الهويّات القومية والطائفيّة في تركيا، ومطالباتها بالاعتراف بها وبحقوقها الثقافية والدينية بعد عقود من الصهر القسري، ثم أتت الثورة السوريّة كعنصر إضافي لشدّ عصب التعريف الهويّاتي العلوي على الجانب السياسي. اللغة العربيّة هي أحد العناصر الهامّة التي يتمسّك بها علويو لواء اسكندرون، وإقرارها في التعليم مطلب أساسي لهم، وقد نما استخدامها في السنوات الأخيرة، خصوصاً بين الشباب، مع الاستيقاظ الكبير للهويّة العلويّة في أنطاكيا وما حولها، وبات التحدّث بها رمزاً لتعريف العلوي عن ذاته. لا تخلو المظاهرات المطلبيّة للعلويين في أنطاكيا من شعارات متفاوتةِ الحدّيّة ضد «الحرب على سوريا» وضد دعم حكومة رجب طيب أردوغان لـ«المتطرفين الإسلاميين» السوريين، وصولاً إلى رفع شعارات داعمة للنظام، مع أعلام الوحدة وصور لبشار الأسد، كما أن طروحات وقف الطائفة العلوية في أنطاكيا ‒ممثّلاً برئيسه علي ييرال‒ منحازة لصالح النظام بشكل تام، ولا تخلو من سلبية وعدوانية تجاه اللاجئين السوريين، في خطاب وصل إلى حدّ المطالبة بنقل اللاجئين السوريين من أنطاكيا إلى مناطق أخرى.



الحضور الاقتصادي السوري في أنطاكيا

كما في أغلب مناطق اللجوء السوري، يلاحظ الزائر وجود السوريين عبر نشاطهم التجاري، من مطاعم صغيرة ومتاجر وورش. ينتشر السوريون تجارياً في عموم مناطق مدينة أنطاكيا، وإن ازدادت وتيرة ملاحظتهم كلّما ابتعد المرء عن مركز المدينة التجاري والسياسي، خصوصاً باتجاه الشرق.

لا تكثر المشاريع التجارية السوريّة الصرفة في مركز المدينة، أي في كورنيش العاصي والسوق المسقوف، لكن وجود عمّال وموظفين سوريين في المتاجر والمطاعم التركية كثيف، كما أن أغلبية الباعة المتجولين في هذه الشوارع، المكتظّة عادةً بالمتنزّهين والسيّاح، سوريون. إشارات «هنا نتكلّم العربيّة» على واجهات المحلّات منتشرة بكثرة، بدءاً من مركز لشركة تُركسِل للهواتف الخلوية، وصولاً لأصغر محلّ كنافة، لكنها عامل جذب للسياح العرب بقدر ما هي جاذبة للسوريين المقيمين في أنطاكيا.

على بعد مئات الأمتار فقط من مركز المدينة، تبدأ مظاهر سوريّة أكثر شعبيّة بالظهور، ولا سيما فيما يخص المنتجات الغذائية ونمط مطاعم المشاوي والفلافل. بضاعة الكثير من البقاليات سوريّة بغالبيتها، كالمرتديلا والزعتر والشاي، حتى لو لم يكن صاحب البقاليّة سوريّاً. الكثير من المطاعم يديرها سوريون، والمطاعم التركيّة تعلّق لوائح أسعار بالعربيّة، وغالباً ما يعمل فيها على الأقل سوريّ واحد يستطيع التفاهم مع الزبائن السوريين.

في الضواحي الشرقيّة ‒خصوصاً في ’نارلجا‘‒ حيث يبدأ الطريق الدولي الواصل بين أنطاكيا والريحانيّة-معبر باب الهوى، تبدو الشاخصات الطرقيّة المشيرة إلى حلب تمثيلاً رمزياً لما في هذه الأحياء، حيث تقطن النسبة الأكبر من السوريين المقيمين في أنطاكيا، ويلاحظ المارّ فيها نشاطاً تجارياً وصناعياً (ورش حدادة، ميكانيك سيارات…) سوريّاً صرفاً. في دوّار ’ألتينوز‘، المستديرة الخضراء التي يبدأ عندها الأوتوستراد، يتجمّع عشرات الشبّان السوريين فجر كلّ يوم انتظاراً لمتعهد بناء أو صاحب مصلحة زراعيّة يحتاج لعمال مياومين.

أحمد ح. سائق سيارة أجرة غير نظامية، بلوحة سوريّة، يقطن قرب «دوّار العمّال» كما أسماه. يعمل أحمد على خط أنطاكيا-الريحانيّة-المعبر الحدودي، بكلفة أقل من سيارات الأجرة التركيّة، ويوزّع رقم هاتفه على كلّ سوريّ يركب معه، عارضاً خدماته للتوصيل إلى أي نقطة وفي أي ساعة في اليوم، كما يعرض استعداده رحلات أبعد تصل إلى غازي عينتاب. أحمد من ريف إدلب، وقد مضى على خروجه من سوريا حوالي سنة، ويشرح أنه، عدا عمله كسائق أجرة، يتعامل مع مزارعي زيتون أتراك، نظراً لخبرته في هذا المجال. يروي ضاحكاً أن «شركاءه» علويّون، يدافعون عن نظام بشار الأسد، ويرون، ارتكازاً على تاريخ المعاناة العلويّة في تركيا، أن الثورة السوريّة ليست إلا مخططاً إسلاموياً لمذبحة علوية كبرى في سوريا. مع ذلك، يقول أحمد، المنحاز للثورة بحماسة، إن علاقته الشخصية جيّدة معهم، وهو يتجنّب الحديث في الشأن السوري معهم حفاظاً على العلاقة الشخصية والعمليّة. «بالنهاية أنا لاجئ في ديارهم، وآكل من عملي معهم»، يُكمل.

على أن الأثر الاقتصادي للسوريين في أنطاكيا لا يقتصر على نشاطهم التجاري والصناعي الخاص، ولا على تكيّف الأتراك اقتصادياً مع وجودهم كزبائن وقوّة شرائيّة، بل هناك، أيضاً، آثار واضحة للوضع الداخلي السوري، سياسةً وحرباً، على نمط النشاط الاقتصادي في أنطاكيا. محمود ب. صاحب مطبعة «أوفست» وصانع أختام، تقع مطبعته على بعد أمتار قليلة من أحد مخارج السوق المسقوف وسط أنطاكيا. واجهة محلّ المطبعة مليئة بنماذج أعلام صغيرة ‒من تلك التي توضع على المكاتب وطاولات الاجتماعات‒ بألوان ورموز كتائب وألوية سوريّة، وهي نفسها النماذج التي يعرضها على أيّ زبون يدخل متجره للسؤال عن كلفة طباعة الأعلام.



على الطرف الآخر من السوق المسقوف، في «شارع الاستقلال»، الذي ينتهي عند كراجات الريحانيّة، تصطفّ عدّة متاجر تركيّة متخصّصة في «المستلزمات العسكريّة» وتعلن عن نفسها بوضوح باللغة العربيّة. فيها ‒باستثناء السلاح والذخيرة‒ كلّ ما يلزم لتجهيز كتيبة مسلّحة: نواظير تيليسكوبية، خوذات، واقيات رُكب، جُعَب، قبضات «ووكي توكي» تُشير أغلفتها والبطاقات المعروضة عليها أن نظام تشغيلها عربيّ، أبواط عسكرية من مختلف الأنواع، حِبال، وألبسة مموّهة وقبّعات.. وهناك أيضاً نماذج جاهزة لسترات وقبعات مطرّزة بـ«راية التوحيد» السوداء. على نفس صفّ محلات المستلزمات العسكرية، نجد محلات عديدة متخصصة في صيانة وبرمجة قبضات الووكي-توكي وقواعدها، أو في بيع وصيانة أجهزة الإنترنت الفضائي، ويتخصص أحدها ‒كما تشير اللافتة العربيّة أعلى مدخلها‒ في راوترات تعمل على الطاقة الشمسيّة.



ليس هذا النمط من المتاجر حكراً على أنطاكيا، فهو موجود بكثافة في المناطق الحدودية الأخرى، لكن وجودها في الشارع الموازي لمكان مرور مظاهرات كثيرة تعادي الثورة وتدعم نظام بشار الأسد هو تمثيل لموقع أنطاكيا الخاصّ والمعقّد.



الريحانيّة

بأربعين دقيقة تقريباً تجتاز السيارة الأوتوستراد بين أنطاكيا ودوّار «البِركة» ‒ كما يُسمّيه السوريون، وهو الدوّار الذي ينظم السير بين الاتجاه يساراً نحو مركز الريحانيّة وإكمال الأوتوستراد باتجاه معبر باب الهوى. تتتابع المشاهد «السوريّة» فيه، فالناظر باتجاه اليمين، أي باتجاه الشريط الحدودي الظاهر للعيان على بعد 200-300م في مقاطع عديدة من الطريق، سيرى مخيّم العسكريين المنشقّين، والذي تحيط به إجراءات أمنية مشدّدة؛ كما سيرى مركبات «الجندرمة» تحرس المفرق المؤدي إلى قرية ’الحامضة‘، التي تقابل ’حارم‘ على الطرف الآخر من الحدود، لمحاولة منع تهريب المحروقات. هذه النقطة هي التواجد الأمني المهم الوحيد الذي سيشاهده المرء على الطريق في الأيام العادية. بعد ’الحامضة‘ بقليل، يكاد الشريط الحدودي يلتصق بالطريق، ويُشاهد، على الجانب السوري، محرس صغير يعلوه علم الثورة.

قبل الوصول إلى دوّار البِركة بقليل، يمكن ملاحظة مجموعة عنابر بيضاء مسبقة الصنع، عليها لافتة ضخمة تشير إلى أنها ’تجمّع السلام السوري‘. يُشرف الشيخ عدنان العرعور على التجمّع، ويظهر اسمه على كلّ اللافتات، كما على أكياس الدواء الذي تصرفه صيدلية التجمّع للسوريين بالمجّان. يتشارك ’تجمّع السلام‘ مع دار الاستشفاء التابعة لمؤسسة ’أورينت‘ في تغطية القسم الأكبر من الخدمات الطبّية للسوريين، وتوجد مشافٍ ومستوصفات سوريّة أصغر في مدخل الريحانية، مثل ’مشفى الدكتور نجار‘ و’هيئة إغاثة سوريا‘.

يصعب على المتجوّل في الأوتوستراد الواصل بين دوّار البِركة وساحة البلدية في وسط الريحانيّة أن يجد متجراً أو مطعماً غير سوري في الشارع كلّه. أبو يحيى، وهو بائع متجوّل يعرض بضاعته قرب ساحة البلدية، يجيب ساخراً على السؤال حول منطقة تمركز السوريين: «اسألني عن منطقة الأتراك أسرعلك!». يبيع أبو يحيي، بالإضافة للتبغ المهرّب، أكياس شاي ومتّة سوريّة، بالإضافة لعدّة أنواع مرتديلا سوريّة ومعجون «هامول» للحلاقة. المنطقة «التركيّة»، كما تندّر أبو يحيي، هي مركز الريحانيّة، حيث فروع البنوك ومكتب البريد. كما في حالة أنطاكيا، وإن بكثافة أعلى، تحوي المحلات والمطاعم التركية عمالاً سوريين، كما يكثر الباعة المتجولون السوريون في ساحات وسط الريحانية الثلاث، وأغلبهم يعرض بضاعة سوريّة صرفة، مشابهة لبضاعة أبو يحيى.

في إحدى ساحات الريحانيّة، يرتفع نصب جديد على شكل برج ساعة، أعلاه قائمة بأسماء ضحايا تفجيرات الريحانية الـ٥٢. حصلت التفجيرات في 11 أيار الماضي، وعاش مقيمو الريحانية السوريون أياماً عديدة من الرعب بعدها، إذ عانوا من موجة غضب تركي استهدفتهم كأشخاص، كما حطّمت الكثير من المتاجر والسيارات السوريّة. يروي العديد من المقيمين في الريحانية أن المخاتير اضطروا لتوزيع الأغذية والخبز على السوريين بيتاً بيتاً لتجنيبهم الخروج إلى الشوارع. هدأت موجة الغضب والاعتداءات بعد أيام، ونشطت الكوادر المحلّية في ’حزب العدالة والتنمية‘ في جهود التهدئة، خاصةً بعد أن صرّح رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، متهماً النظام السوري ومتعاونين معه بوضع السيارات المفخخة، وبعد أسابيع عديدة أيّد القضاء التركي تصريح أردوغان هذا، مصدراً اتهاماً بحق أكثر من ثلاثين شخصاً، ومعتبراً أن معراج أورال هو العقل المدبّر للتفجيرات.

على عكس أنطاكيا، حيث ساهم استخدام المعارضة التركيّة الموضوع السوري، وتبعات «تورط أردوغان في الحرب السوريّة»، في حشد ما يكفي لهزيمة ’العدالة والتنمية‘ في الانتخابات البلدية الأخيرة، يحظى حزب أردوغان بشعبية عالية في الريحانية، حيث فاز بأكثر من خمسين بالمئة من الأصوات في انتخابات 30 آذار الماضي.



معبر باب الهوى

يبعد معبر باب الهوى بضعة كيلومترات عن الريحانيّة، ويشهد عادةً حركة كبيرة للمسافرين والبضائع، إذ إنه متاح للركاب والشاحنات على حدّ سواء. تسيطر ’الجبهة الإسلامية‘ على الجانب السوري من المعبر، وهي المكلّفة سورياً بتنظيم عمل المعبر. رغم أن الزيارة صادفت يوم جمعة إلا أن رتل الشاحنات التي تنتظر إنهاء إجراءات العبور إلى سوريا امتد بحدود 2كم، فيما يخبرنا أحد المقيمين في المنطقة الرتل أنه، في أيام الأسبوع، يمكن أن يمتد أضعافاً حتى الوصول إلى ’دوّار البِركة‘. القسم الأكبر من الشاحنات الموجودة وقت الزيارة كانت محمّلة بالإسمنت وموادّ البناء.



حال وصول سيارة إلى باحة المعبر، يلتفّ حولها الحمّالون، عارضين عرباتهم وعضلاتهم للخدمة بإلحاح شديد، وتدور مشاحنات وشجارات كثيرة بين الحمّالين على «زبون»، وكذلك بين سائقي سيارات الأجرة المصطفّة بانتظار القادمين من سوريا. يشكو بعض مستخدمي المعبر من حالة الفوضى هذه، كما يحدّثنا أحد العابرين عن سرقات وبلطجة وأتاوات، خصوصاً في الأيام المزدحمة. عروض «التهريب» تُلقى على أي واصل إلى ساحة المعبر، حتى أمام سيارة الشرطة الوحيدة ذلك اليوم، المركونة بجانب منصّف الطريق.

ذلك اليوم، كانت حركة الدخول إلى سوريا أكثر كثافة من الخروج منها. أغلب الداخلين هم مجموعات شباب، مع بعض العائلات، محمّلين بأمتعة خفيفة على الأغلب. إحدى مجموعات الداخلين مكونة من أربعة معلّمين ومعلّمة في إحدى المدارس السوريّة في المنطقة، وكانوا متوجهين إلى ريف إدلب لزيارة بيوتهم وأقربائهم لبضعة أيام.


يروي أحمد م، وهو ناشط من إدلب كثير التنقّل عبر معبر باب الهوى، إن تهريب الأفراد عبر المعبر شائع، ويجري بالتواطؤ مع بعض عناصر الشرطة التركيّة مقابل حوالي 100 ليرة تركية (50 دولار). لكن أسلوب المرور «غير الشرعي» الأكثر لفتاً للانتباه يحدث غير بعيد عن باب الهوى، إذ تُستخدم، في منطقة ’حجّي باشا‘، وعاء معدني ضخم، يُستخدم للطبخ في الولائم الكبيرة، ويُدعى «حلّة»، كعبّارة تقطع نهر العاصي من ضفّته السوريّة إلى الجانب التركي. علاء، وهو شاب من ريف إدلب وصل إلى تركيا عابراً «الحلّة»، يقول ضاحكاً إن بعض الأتراك يتمنى لو يستخدم «الحلّة» لطبخ اللاجئين السوريين بعد سلخ جلودهم، ويحاول تصنّع الجدّية قبل أن ينفجر ضاحكاً مجدداً وهو يقول إن الوضع في لواء اسكندرون «يغلي في الحلّة» فيما يخصّ السوريين. أخيراً، وبجدّية حقيقة وقلق، يقول إن الوضع الحالي «غير سيء»، لكنه يخشى ردود أفعال ضدّ السوريين مشابهة لما حدث في الريحانية أواسط العام الماضي في حال حصلت اختراقات أمنية مجدداً. هذا، برأيه، ما يحاول النظام افتعاله، وتحاوله «داعش» أيضاً.
.. 

تحقيق منشور في موقع الجمهورية

صور التحقيق: شيرين الحايك 






2014/01/13

La Siria asediada..


Kinda Khodr

Hace un par de días, unos 65 combatientes de la Brigada de los Mártires de Bayyada (uno de los barrios asediados desde hace meses en Homs), intentaron, a través del alcantarillado del vecino barrio de Qusour, romper el cerco del ejército del régimen para llegar a unos molinos cercanos y conseguir harina. Desgraciadamente, los combatientes fueron detectados por los soldados del ejército del régimen mientras subían a la superficie. Murieron más de 60, y otros 3 o 4 fueron capturados con vida pero con heridas de gravedad.

La tragedia conmocionó a la opinión pública opositora, ya que la Brigada de los Mártires de Bayyada es bastante conocida y admirada dentro y fuera del Ejército Libre. Es a la que pertenece Abdel-Baset Sarout, uno de los activistas más famosos de Homs, y de Siria en general. Sarout, de 22 años, fue portero de la selección siria de futbol sub-21 antes de la revolución, pasando luego a ser el animador principal de las manifestaciones de Homs. Es autor de gran parte de los himnos de revolución siria, y en muchos videos aparecen los miembros asesinados de la brigada del barrio de Bayyada coreando tras él. Abdel-Baset no estaba con la expedición atacada, pero dos de sus hermanos fallecieron.

Sama TV, propiedad del primo del presidente sirio, es uno de los medios de comunicación más fieros en la defensa del régimen sirio, llegando en muchas ocasiones al ridículo más bochornoso con las bravuconadas de sus presentadores, corresponsales, o invitados. El día de la tragedia, el canal informó de que “decenas de terroristas” habían caído a manos del ejército sirio. En el reportaje, Kinda Khodr aseguraba, rodeada de cadáveres y con cara de satisfacción (minuto 1:58), que el ejército sirio era “la voz de la verdad”. 


Este canal fue también autor de otro célebre vídeo en el cual Micheline Azar, otra corresponsal, acompañaba al ejército en una incursión en Dariya, cerca de Damasco. Azar tuvo el estómago de entrevistar a dos niños pequeños que se encontraban sentados al lado del cadáver de su madre, e intentó que los niños dijeran que los “terroristas” eran los que habían matado a su madre. Semanas más tarde, Azzar recibió la felicitación personal de Bashar Al-Asad por su “labor”.

La tragedia de Bayyada pone en relieve la situación dramática de los barrios y localidades asediadas por el régimen. Yarmouk, al sur de Damasco, es el campo de refugiados palestinos más grande de la región. El campo lleva año y medio bajo asedio, primero parcialmente, luego por completo los últimos 200 días. El precio del kilo de arroz dentro del campo ronda los 100 dólares, y ya se registraron al menos 35 casos de muerte por inanición.A finales de agosto, un grupo de activistas e intelectuales sirios y palestinos lanzó un llamamiento internacional contra el asedio a Yarmouk. Nadie hizo nada.

Yarmouk es el caso más simbólico, pero no el único; decenas de localidades de la periferia de Damasco, así como zonas de Homs, Deraa o Aleppo, se encuentran asediadas. El hambre es un arma legítima y efectiva para el régimen, y al mundo parece importarle poco, o incluso nada.







2014/01/07

الحجر صار كلاشنكوف


الكلاشنكوف في البروباغندا الماويّة في الصّين
 قبل إلغائها منتصف العقد الماضي، كانت مادة "التربية العسكرية" جزءاً من منهج المرحلتين الإعدادية والثانوية في سوريا. في هذه المادة، كانت "البارودة الروسيّة" بوصفها "سلاحاً فردياً فعّالاً" هي جوهرة التاج، إذ يستحوذ حفظ عيارات الكلاشنكوف ومقاساته، ثم تعلّم فكّه وتركيبه -بعد إجراء "حركتي أمان"- على الجزء الأكبر من منهج المادة. أواسط المرحلة الثانويّة، ثم في المعسكرات الشبيبيّة الإجباريّة، كان الطلاب يُساقون  إلى حقل الرماية لتفريغ نحو عشر طلقات رشّاً، مع زميلٍ يُساعد في لمّ فوارغ الطلقات

توفي، قبل أيام، عن 94 عاماً، ميخائيل كلاشنكوف، مصمّم السلاح الرشاش الأشهر والأكثر انتشاراً حول العالم. قيل وكُتب الكثير عن المفارقات الأخلاقية والإنسانية لاختراع أداة تقتل نحو ربع مليون إنسان سنوياً. ﻻ شك أنها مفارقات تستحق البحث والتفكير، وربما اكتشاف مفارقات أخرى أكثر أو أقل سطوعاً وبديهيّة منها. عدا ذلك، ﻻ يُمكن تفادي ملاحظة أن الكلاشنكوف هو، بعد السيوف بأنواعها، أكثر الأسلحة حضوراً في التعبيرات الثقافية، السياسية منها وغير السياسيّة، على امتداد جغرافيا الأرض

حظي الكلاشنكوف بمكانٍ تشريفي في صور ورموز حركات التحرّر الوطني، خلال الستينات والسبعينات، من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المختلفة إلى "الفيتكونغ" في فيتنام، مروراً بالساندينيستا في نيكاراغوا والميليشيات اليسارية في غواتيمالا والسلفادور وغيرها. عشرات الألوف من البوسترات الدعائية تترك للكلاشنكوف صدر ألوانها. حيث انتصرت هذه الحركات، تركت للكلاشنكوف مكاناً حتى في رموز الدولة التي أسستها، عرفاناً لدوره المساعد في النصر: الكلاشنكوف موجودٌ، مثلاً، في أعلام الموزامبيق وتيمور الشرقيّة الرسميّة. يظهر الكلاشنكوف أيضاً في شعارات حزب الله والحرس الثوري الإيراني

موسيقياً وشعرياً، تواجد الكلاشنكوف أيضاً في شعارات وأغاني حركات التحرّر والجماعات اليسارية المختلفة. ففي فلسطين على سبيل المثال اشتهر هتاف "مافي خوف مافي خوف، الحجر صار كلاشنكوف" إضافة إلى أغانٍ وقصائد نضالية كثيرة. منها أغنية "كلاشنكوف خلي رصاصك بالعالي" للفرقة المركزية المرتبطة بحركة "فتح". المعاني والتشبيهات مماثلة لتلك الموجودة في أدبيات الحركات اليساريّة في أميركا اللاتينية وأفريقيا. لكنّ الوجود الغنائي للكلاشنكوف لم يقتصر على السياقات النضالية الملتزمة، ففي لبنان هناك أغنية لفيلمون وهبي، بطابعه المميّز، عنوانها "كلاشنكوف". العنوان نفسه الذي استخدمه الموسيقار الصربي-البوسني غوران بريغوفيتش لإحدى أغنياته. بريغوفيتش اشتُهر عالمياً بكونه واضع موسيقى النتاج السينمائي لأمير كوستوريكا.


كلاشنكوف" هو أيضاً اسم أغنية شهيرة لـ "إيبتوس أونو"، مغني الهيب- هوب الأميركي من أصل مكسيكي، والاسم التجاري للكلاشنكوف، آي كي-47، هو لقب أحدى مغنّي الراب الشهيرين في بولونيا

إحدى أكبر أزمات التشافيزيّة في فنزويلا، مع المؤسسة الكاثوليكيّة الرسميّة، كانت بسبب غرافيتي رسمه عدد من الناشطين الموالين للراحل هوغو تشافيز أمام إحدى الكنائس في كاراكاس، وتظهر فيه مريم العذراء وهي تحمل المسيح الطفل ورشاش الكلاشنكوف في آنٍ معاً

في المكسيك، اشتُهر كتاب للصحافي المخضرم أليخاندرو ألماثان بعنوان "فتيات الكلاشنكوف وقصص أخرى"، يجمع فيه مختارات من عمله الاستقصائي. قصة "فتيات الكلاشنكوف" تروي سيرة مجموعة من الفتيات اللواتي يعملن كقاتلات بالأجرة في شمال المكسيك، المنطقة الواقعة تحت سيطرة كبرى عصابات الإتجار بالمخدرات وتهريبها. سيطرة عصابات المخدرات على شمال المكسيك ﻻ تتوقف على القوّة المسلّحة، بل تتعدّاها إلى الهيمنة اﻻقتصادية والاجتماعية والثقافيّة، وحتى الدينية! هناك نتاج موسيقي وشعري-غنائي قائم على تمجيد قادة عصابات الإتجار بالمخدرات ومقدرتهم على تحدّي "الأقوياء"، ومن المألوف أن تُرفع صور وتماثيل لهؤﻻء القادة في الكنائس حين يُغتالون ويُصلّى لهم وكأنهم قدّيسون. يُعرف الكلاشنكوف في المكسيك باسم "قرن المعزة"، كنايةً عن استدارة مخزن الرشاش

هناك طرفة رائجة بين صحافيي الحروب الذين عملوا في أفريقيا، تقول إنك قد تجد قرى كثيرة ليس فيها أدوية أو لقاحات، وﻻ حتى مياه صالحة للشرب، لكن أياً منها لن يخلو من عنصرين: رشاش الكلاشنكوف وبرّاد الـ"كوكا كولا". الآلية البشرية لإنتاج وإعادة إنتاج رموزها مثيرة للإعجاب والتعجّب في آنٍ معاً.
..

منشور في جريدة المدن اﻻلكترونيّة 







الحرب هي السلام


أواخر الأسبوع الماضي، بعد أيام على بدء حملة القصف الجوّي بالبراميل على أحياء حلب الواقعة خارج سيطرة جيش النظام والميليشيات المُلحقة به، قدّمت الولايات المتحدة مقترحاً لإعلانٍ غير ملزم في مجلس الأمن، ليس فيه من الديباجة أو المضمون القانوني أبعد من التعبير عن "السخط". سُحب هذا المقترح سريعاً عقب رفضٍ روسيٍ شديد، كما سُحبت مقترحات أخرى مُشابهة قدّمتها وفود لوكسمبورغ وأستراليا وبعض الدّول العربيّة. نقل ديبلوماسيّ غربي لوسائل الإعلام يومها أن روسيا هدّدت باستعمال حقّ الفيتو "حتّى من دون قراءة هذه النصوص"، إن لم يسحبها أصحابها. من جهتها، عبّرت الدول الطارحة لمشاريع الإعلان الأممي أنها سحبت هذه المقترحات خشية التأثير سلباً على الاستعدادات لعقد مؤتمر "جنيف2" للسلام بشأن سوريا في 22 كانون الثاني/يناير المقبل.
 
في الأيام التالية لهذا التجمّد الأممي المخزي، استمرّ قصف أحياء حلب "المحررة" (وهي الأكثر شعبيّة، والأفقر، والأقل مقدرة على تحمّل ويلات ما يُسكب على حلب من حقد أعمى) من الجوّ بالبراميل المتفجّرة. وتتلاحق الأنباء والتقارير عن المجازر التي تقع تحت وطأة هذه البراميل بتواترٍ محموم. بضع ساعاتٍ بالكاد تفصل بين نبأ سقوط عشرات الشهداء، عن النبأ الذي يليه. يحدث هذا وسط صمتٍ وتجاهل ثقيلين. ﻻ يجوز أن نُزعج "صُنّاع السياسة العالميّة" بالأنباء ومطالبات المواقف حول مجازر يقترفها النظام الأسدي، فهذا قد يُحبط جهود التوصل للسلام في سوريا!
 
بعد معاناة، أنجبت "ديستوبيا" جورج أورويل، في روايته "1984"، شعار "الحرب هي السلام". يبدو اليوم أن هذا الشعار لم يعد ديستوبياً بالمطلق، بل بات من صميم الواقعيّة السياسيّة الأكثر بديهيّة. هنيئاً لإسرائيل ولبشار الأسد على هذا التحوّل.
 
البرميل المتفجّر هو الاختراع الأكثر تعبيراً عن ماهيّة الحرب التي يشنّها النظام الأسدي على الشعب السوري: مزيجٌ من الحدّ الأدنى من التكنولوجيا مع كثيرٍ من الرثاثة، ومعين ﻻ ينضب من الكره الأعمى والنزعة الدمويّة التدميريّة. هو توقيع النظام السوري على لوحات الخراب التي ينثرها في أركان الجغرافيا السوريّة. لا يمكن توجيه البرميل المتفجّر، وﻻ يمكن اﻻستفادة منه في تحقيق إصابات استراتيجيّة. هو كتلة موتٍ عشوائي يرميها "نسور الوطن" فوق التجمعات السكانية بلا اكتراثٍ بأي عشراتٍ سيموتون وأي عشراتٍ سيجرحون، أو أيّ أبنيةٍ ستسوّى بالأرض. كلّهم سواسية، وكلّهم يجب أن يموتوا! لكنّ ليس هذ الكلام هو المهم. ﻻ فائدة في إعادة التفكير في طبيعة النظام السوري الإجراميّة، للمرّة الألف، بعد أكثر من ألف يوم من المقتلة المستمرّة

سورياً، ﻻ يُمكن، رغم كلّ الحجج والبراهين الموضوعيّة التي يمكن إبرازها لبطلان الفرض، إﻻ أن نتفهّم أولئك الذين يرون أنّه يجب البحث عن حل تفاوضي مع النظام وفق هذه الظروف التي يفرضها العالم علينا. هناك موجبات إنسانية لهذا التفهّم، وهناك حاجة كبرى لقراءة السيكولوجيا التي ترغب بالقفز فوق كلّ القرائن الموضوعيّة التي تُرينا بوضوح أن نظام بشار الأسد ليس إﻻ آلة حرب عصيّة على السياسة، وأنها لن تذهب إلى السياسة إﻻ مرغمة على قتل كثيرٍ من نفسها للحفاظ على القليل منها، ﻷن آلة الحرب ستأكل نفسها وتنهار فور تباطؤ دورانها. ماذا لو؟ دعونا نجرّب؟ هذه الأسئلة مفهومة، بل ومُتضامن معها، ويكاد المرء حقّاً أن يتمنّى أن يكون على خطأ. يتمنّى أن يأتي له غداً أحدٌ ليقول: أترى؟ ألم نقل لك؟ الخارق للمقدرة على التحمّل والفهم هو الرياء الدولي تجاه جنيف2: المُعارضات السوريّة ﻻ تتوقف عن تلقي الضغوطات والابتزازات، تارةً باسم عزل التكفيريين، وتارةً أخرى بابتزازٍ إنسانوي مقيت يربط بين واجب العالم الإنساني ومناورات الأزقة السياسيّة البائسة، كي تذهب إلى جنيف2 من دون أيّ قيد أو شرط. ليس فقط هذا، بل تخرج علينا كلّ أسبوع جرعة دفعٍ نحو إفهام المُعارضين بأن ثمة معادلات دولية، سياسية وأمنية، ستقتضي أن يبقى الأسد ولو إلى حين. الشعب السوري خارج هذه المعادلات بالطبع.
 
من جهته، ﻻ يُطالب النظام السوري بأيّ مقدّمات، وﻻ حتّى من باب إبداء حسن النيّة أمام اﻻستحقاق السياسي المفترض (بل المزعوم). ﻻ إطلاق لسراح معتقلين، وﻻ وقف لقصف المدنيين، ولا فكّ للحصار عن مناطق وأحياء وبلدات، ولا حتّى إدخال لمساعدات إنسانيّة فعالة. المُشككون في أن سلوك نظام الأسد يتوافق بالحدّ الأدنى مع ما يُنتظر من طرف في مفاوضات دولية من أجل السلام، هم الذين يتلقّون اﻻتهامات بتعطيل "الحلّ السياسي"، ﻻ قاصف البراميل فوق رؤوس أطفال حلب. التجهيز لمفاوضات السلام يأتي من باب ترك وارث أبيه يقترف المجازر من دون أن يسمع ولو تنديد على شكل بيان أممي غير مُلزم يُعبّر عن "سخط".

الحرب هي السلام
.. 









سوريا: الأزمنة المتلاطمة


ثمة شبكة من التعقيدات الهائلة والثقيلة تجثم على صدر المسألة السوريّة اليوم. بين الوضع العسكري القلق في جموده، وفوضى السلاح وشلال إعلانات توحيد قوى مسلّحة على أسس إسلاميّة، واستفحال الأنواع المتعددة من المآسي التي تسكبها «داعش» يومياً في مناطق شاسعة من الشمال السوري من جهة، والوضع السياسي للمعارضات السوريّة، الحبيسة في افتراضيّة وجودها وقرارها، والمنصرفة لصراعاتها في ما بينها ومع ذواتها من جهة أخرى، وبؤس المقاربات السياسيّة الإقليمية والدوليّة تجاه المأساة السوريّة، والتي لم تنجب أكثر من ضغوطات ووعود محيطة بمبادرة جنيف-2، المبنيّة في شكل أساسي على ابتزازات متراكبة، قليلة التمعّن بمتطلبات الواقع السوري مقارنةً بكونها إرهاص محاولة لإيجاد حلّ وحيد لسلسلة معادلات إقليمية ودوليّة.

تحت شبكة التعقيدات هذه، أرضيّة من صعوبة بناء مقاربات فكريّة سوريّة مُعارضة متكاملة، متحررّة ولو نسبياً من تلاطمات الواقع اليومي. صعوبة آتية في شكل أساسي من التمازج العنيف للأزمنة السياسية، بل التاريخية، التي تمرّ بها سورية اليوم. في «زمن الثورة»، أي في مرحلة اﻻنتفاضة السلميّة وحتى أوج فعاليّة «الجيش الحر» عسكرياً كردّ فعل على همجيّة النظام في محاولته لقمع اﻻحتجاج الشعبي ضدّه، كان من الممكن، بل ربما من المحتوم من وجهة نظر جذريّة في معارضتها لنظام الأسد، بناء موقف أحادي ومتمحور بالكامل حول فكرة إسقاط النظام. كان من المقبول، تكتيكياً على الأقل، البحث عن تحالفات عريضة تجتمع لتحقيق هذه الغاية، من دون الدخول في سجالات فكرية وسياسيّة أُخرى، أكانت من طراز التناقضات العلمانيّة-الإسلاميّة، أو أي نوع آخر من التناقضات الطبيعية والحتميّة. سجالات اعتُبر حينها أن لا مكان لها في الوقت الحالي في ظلّ التناقض الرئيس والوحيد مع نظام منفلت الدمويّة، وأن لهذه السجالات وقتاً آخر يأتي حين تحقق الثورة هدفها في إسقاطه.

اليوم، بعد تعقّد الحال العسكري ودخوله في حالة أشبه بالمستنقع، وبعد ظهور وتبلور حركات جهاديّة إسلاميّة متدرّجة التشدّد، وإن متفقة في وضوح أهدافها السياسيّة، وسط انهيار لفكرة «الجيش الحرّ»، وبعد خيبة الأمل الكبرى من المجتمع الدولي، خصوصاً مع انهيار احتمالات تدخّلٍ عسكري بدا قريباً جداً في نهاية الصيف الماضي بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة، وعُلّقت عليه آمال كثيرة، يبدو واضحاً أن الكثير من السجالات المؤجّلة فرضت نفسها، بشراسة، على مؤجّليها. ليس في هذا تقييم لمنطقيّة تأجيل النزاعات خلال «زمن الثورة»، وهو تقييم غير منصف حين يتم بأثر رجعي، خصوصاً أن في التطرّق المألوف اليوم الكثير من الكيديّة والرغبة بتصفية حسابات عصبويّة، حزبيّة وإيديولوجويّة.

بمعنى آخر، دخلنا منذ أشهر في «زمن ما بعد الثورة»، بمعضلاته الكبرى وأسئلته المصيريّة، من دون أن يسقط النظام السوري، من دون أن ينتهي «زمن الثورة».

هناك امتحانٌ كبير جداً، بأسئلة شبه تعجيزيّة، يكمن في المطالبة بموقف متكامل، واضح، ومتصالح مع نفسه، بخيارات تكتيكية واستراتيجيّة عمليّة، ينفع لزمنين مختلفين تتداخل تحدياتهما وتتلاطم، ﻻ سيما أن الشطر الأكبر من النخب السياسيّة والفكريّة السوريّة ما زالت تتعارك مع ذاتها حول أمراضها وعللها وعقدها القادمة من زمن ثالث، «زمن ما قبل الثورة»، من دون أن تكون الثورة، رغم كونها زلزالاً بكل معاني الكلمة، قد نجحت في خلخلة أوضاع هذه النخب السياسيّة والفكريّة وتغيير أحوالها، أو إنتاج نخب جديدة.

النظام السوري ما زال قائماً، وقدرته على الأذى أكبر من أي وقت آخر، كذلك وضعه الدولي بعد إعادة التأهيل النسبيّة التي حظي بها بعد اﻻتفاق الروسي- الأميركي حول نزع السلاح الكيماوي بعد مجزرة الغوطة. تالياً، ما زال التأكيد على التناقض الرئيسي مع النظام راهناً، والتأكيد على ضرورة رحيله كمبدأ للحل ضرورةً. بالإمكان أيضاً الفرَض والبرهان على أن النظام، من خلال تعنيفه المنفلت للمجتمع السوري، قبل وأثناء الثورة، هو المسؤول عمّا تعيشه البلاد اليوم، أكان ذلك من طريق ما اقترفه وحلفاؤه من قتل وتدمير وتشريد، أو من طريق فتحه كلّ الأبواب للأزمات المركّبة التي تعصف بسورية اليوم. هذا التأكيد المبدئي ضروري، لكنّه لم يعد كافياً، والوقوف عنده وحده يقود للعجز عن مقاربة مشكلات «زمن ما بعد الثورة»، كما في حالة نسب كل الموبقات المقترفة على الأرض، أكانت من «داعش» أو غيرها، إلى عمالة مفترضة للنظام ليست إﻻ ضرباً من نظريّة المؤامرة، وتعامياً عن الظروف الموضوعية الموجودة في سورية وحول سورية، والتي تقود لظهور وتبلور هذه المشكلات.

التحدّي الفكري الأكبر يكمن في اﻻبتعاد عن نظريات المؤامرة هذه، بغض النظر عن مشروعيّة قراءة تلاقي المصالح موضوعياً بين جهات متصارعة، والعمل على تفكيك معضلات الأزمنة المتداخلة والمتلاطمة وتحليلها في شكل منفرد. ليس القصد فقط تشغيل العقل للخروج بنتيجة غير عمليّة من طراز «أنا ضد كذا وكذا وكذا»، والتي تقود لسجال عقيم آخر حول لماذا الـ «كذا» الأولى أتت قبل الـ «كذا» الثانية. هناك حاجة ماسّة لفرز جبهات العمل وفحصها وتحليلها، ودراسة سبل العمل الأمثل لكلّ منها. في هذا، ربما، عودة للإيديولوجيا، وتالياً فرزٌ حازم للعاملين حسب عقائدهم وأهوائهم وانحيازاتهم الفكريّة، لكنّ هذا الفرز يبدو قدراً ﻻ فكاك منه، وﻻ جدوى من الوهم بإمكانيّة تأجيله، فالحلم بجبهة عمل متّفقة على هدف واحد رئيس، ونزيهة في علاقاتها الداخليّة ومتفقة على أخلاق فرسان في ما يخص تناقضاتها وأحلامها في مراحل ﻻحقة، كان أقلّ بكثير من سراب حتى في أوج «زمن الثورة». ما معنى التمسّك بأسمال الحلم المتعفّنة هذه اليوم؟
..
منشور في صحيفة الحياة 







من "كيم" إلى سيّدة حلب


"سيدة حلب"_ محمد الخطيب (فرانس برس)
في الثامن من حزيران 1972، شنّت قوّات فيتنام الجنوبيّة الجوّية، المتحالفة مع الولايات المتحدة حينها ضدّ الـ"فيتكونغ"الشماليين، غارةً جوّية بالنابالم على بلدة "ترانغ- بانغ"، متسبّبة بتدمير البلدة. لم تكن أوّل مجزرة في المطحنة الدمويّة الفيتناميّة، كما لم تكن أكبر مجزرة، لكنّ صورةً التقطها المصوّر نيك أوت، عند مشارف البلدة، قيّدت اليوم والمكان في سجلّ التاريخ، وجلبت لصاحبها جائزة "بوليتزر"، الأهم والأشهر في عالم الصحافة. إنها صورة "كيم".

بان- ثي- كيم- بوك كانت في التاسعة من عمرها حين تساقط النابالم على بلدتها وأصابها. هربت باكيةً ومذعورة من البلدة وهي تخلع بقايا ثيابها المشتعلة. نجت من المحرقة، وإن بعد أكثر من 14 شهراً في المشافي، و17 عمليّة زرع جلد لتعويض ما اكتسحه النابالم من جسدها. التقط نيك أوت مشاهداً لـ"كيم" عاريةً ومذعورة ومحروقة وهي تبحث عمّن يعينها على النابالم الذي كان ينهش جسدها نهشاً، وجابت هذه الصور العالم لتبرز الفظاعات المجّانية المرتكبة ضد الفيتناميين.

تعيش "كيم" اليوم في كندا، حيث تعمل على أن "تنسى وتُسامح"، مستعينة لأجل ذلك بإيمانٍ ديني عميق.

أما الصورة الأخرى فالتقطها مصوّر "فرانس برس" محمد الخطيب في حلب، الأحد الماضي، في اليوم الأول لحملة القصف الجوّي بالبراميل المتفجّرة التي تعانيها أحياء حلب الخارجة عن سيطرة النظام منذ ذلك اليوم، والتي أوقعت، بحسب تقديرات ناشطين محليين ومنظمات مثل "أطباء بلا حدود"، أكثر من مئتي شهيد وعدد أكبر من الجرحى، يُعانون ضعف الإمكانيات اللوجستية لعمليات الإنقاذ، إضافة إلى نفاد أغلب الموارد الطبية اللازمة لعلاجهم. تُظهر هذه الصورة سيّدة مغبرّة الثياب ودامية الوجه، تمشي في الشارع مبتعدة عن مكان سقوط أحد البراميل المتفجّرة التي ضربت حلب يومها. على يمينها طفلٌ لا نرى ملامحه بوضوح خلف ذراعه المنبسطة أمام وجهه وقبّعته الخضراء، وعلى يسارها طفلٌ آخر مُدمّى الوجه.

السهل والمنطقي، عند تمعّن الصورة، هو افتراض أن السيّدة والطفلين بفي حالة ذهول كامل بعد تلقّي عنف الضربة المتفجّرة. الأرجح أن يكون الأمر كذلك، لكنّ لنظرة السيّدة مغناطيسيّة معيّنة يصعب شرحها أو فهمها. يبدو أنها تنظر بثبات إلى نقطة معيّنة، تتجه نحوها في مسيرها. يبدو أيضاً أن الطفل الذي على يسارها ينظر تجاه هذه النقطة أيضاً. لعلّ هذه النقطة شخصٌ يُراد منه العون، أو نقطة طبّية. ربما قريب أو صديق، أو ببساطة شخص معروف. ربما تكون هذه النقطة، ببساطة، مكاناً ﻻ نار وركام فيه، يمكن اللجوء إليه بعيداً من همجيّة القصف، وترنّح المكان المقصوف واختلاجاته.
"كيم"_ نيك أوت

الطفل الآخر، الذي على اليمين، يستعين بذراعه وقبّعته وثياب السيّدة، التي تمسك به بقوّة، كي يغمض بصره. ﻻ يريد أن يرى أمامه وﻻ خلفه. السيّدة تقوده وهو يذهب معها. ربما هو الأقل ذهولاً وصدمةً ولذلك شرع يبكي، وسيلتحق رفاق رحلة الغبار والدم ببكائه بعد قليل. ﻻ يريد أن يُشاهد، وهذا حقّه. السؤال عن أخلاقيّات من ﻻ يريد أن يُشاهد تبعات الإجرام المنفلت رغم أنه قادر أن يفعل شيئاً، ولو بسيطاً، للمساهمة في وقف هذا الإجرام محقٌّ أيضاً.

بين صورة "كيم"، التي أضحت رمزاً لمناهضة الحروب حول العالم، واستُخدمت بكثافة في حملات المطالبة بتحريم إنتاج واستخدام النابالم في القوانين الدوليّة، وصورة سيّدة حلب والطفلين، أكثر من 41 عاماً. تغيّرت في العقود الأربعة هذه أشياء كثيرة، من بينها، طبعاً، تقنيات التصوير. لم تتغيّر الوحشيّة المنفلتة لدى أباطرة الإجرام كثيراً، والتي تجعلهم يستسهلون، بل ويستمتعون، بالقتل والتدمير والتعذيب لأهداف سياسيّة سلطويّة، أو اقتصادية استغلاليّة، أو حتى من دون سبب إﻻ إثبات أنهم أقوياء، قادرون، بيدهم مصير هؤﻻء التعساء، وفي عقلهم الدنيء تقدير اللحظة التي يمارسون فيها قدراتهم على مصائر الناس. هذه الوحشيّة، كالتصوير، انتقلت من الـ"الأنالوغ" إلى "الديجيتال"، وأصبحت تنشر رياءها على "انستغرام". بشار الأسد هو المثال الأبلغ على وحشيّة الصورة، بكل ما للوحشيّة من تجليات وأشكال.
..