2013/05/16

للثورة إعلام نقدي


.. 
 
كانت التنسيقيات أولى خطوات الثورة السوريّة. فهذه التجمعات، الشبابيّة في غالبيتها، تخصصت في تنظيم اﻻحتجاجات في بلداتها وأحيائها. نمت الظاهرة مع اتساع رقعة الثورة، وأخذت على عاتقها نقل صور النشاطات، لكسر الجدار الذي أعلاه النظام السوري أمام أي نشاط إعلامي مستقل عن أجهزة البروباغندا التابعة له. جدارٌ استمدّت صلابته من آليات البطش على كامل الجغرافيا السوريّة.

وما إن تسارعت آلة القمع والعنف حتّى فتحت التنسيقيات خطّ نشاطٍ جديد مهمّته إغاثة النازحين وتسهيل أمورهم قدر الإمكان. ورغم أن المزيج من الانشغال بالهمّ الإغاثي، وتصاعد دور المكوّن العسكري حتى شموله غالبية النشاط الثوري، أضعف فعاليّة التنسيقيات، إﻻ أن الأخيرة لم تختفِ، وكثيرٌ منها ما زال مثابراً على الدور الثوري الذي أدّته في الشهور الأولى.

تنسيقيّة التآخي الكورديّة في حلب، هي إحدى هذه التنسيقيات التي ترفض التخلّي عن دورٍ يتعدّى، حسب وصف أحد أعضائها، سردار أحمد، المساعدة اللوجيستيّة في الإغاثة أو الإعلام، بل يشمل العمل على استمرار الاحتجاج الشعبي، وإعلان مواقف نقدية لأيّ نوع من أنواع التجاوزات: "لن نكرر خطأ السكوت على جرائم بشار"، يؤكد سردار.

البداية كانت، كما يروي، مع تأسيس حركة "أحرار الكورد" خلال الأسابيع الأولى للثورة. لكن مراجعةً فكريّة لدى أعضاء الحركة دفعتهم إلى تغيير الاسم إلى تنسيقيّة التآخي الكورديّة. فهم كورد معتزون بهويتهم، لكنهم يعتبرون أن أهم إنجاز يجب أن تحققه الثورة السوريّة هو ترسيخ تعددية مبنيّة على التآخي في التعامل الوطني، قبل التطرّق إلى الشؤون القوميّة والدينية لكلّ سوريّ. حصلت هذه النقلة خلال الشهرين الأخيرين من العام 2011، بالتزامن مع ترسيخ التنسيقيّة حضورها في أحياء حلب ذات الثقل السكاني الكوردي، لا سيما في حيّ الأشرفيّة.

يتوزّع عمل التنسيقيّة في ثلاثة نشاطات رئيسة: الإغاثة والإعلام والتظاهرات، وﻻ يحظى مكتبها الإعلامي بالكثير من الموارد. فالانترنت "ثري جي" وجهاز الكومبيوتر المحمول والكاميرات العاديّة كافية لتغطية إعلامية في مناطق تواجدهم. تعززت آلياتهم مؤخراً بحصولهم على جهاز انترنت فضائي للتعامل مع انقطاع شبكة اﻻتصالات المحلّية.

تتعامل التنسيقيّة إعلامياً مع القنوات المهتمّة بالشأن السوري، وسبق أن عاونت صحافيين ومراسلين أتوا لتغطية ما يجري في حلب. لكن سردار ﻻ يُخفي خيبته ومرارته من تعامل الإعلام مع مادة التنسيقية ورسالتها عندما ﻻ تتوافق ومزاج أو أجندات فضائيات عربيّة، كما يقول. ويقع الشقاق ذاته حين يتعلّق الأمر بتلقي الدعم والمساعدات، كالأجهزة أو التمويل.
تنسيقيّة التآخي مع الجيش الحر جيّدة، حسب سردار الذي يشير إلى أن الناشطين لم يتعرّضوا لمضايقات. إﻻ أنه يؤكد إدانته لكلّ التجاوزات التي طالت ناشطين وإعلاميين في حلب، لافتاً إلى أن التنسيقية عبّرت عن هذا الموقف في صفحاتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كما في نشاطاتها المدنيّة. غير أن الأريحيّة الراهنة في التعامل مع كتائب الجيش الحر ﻻ تشمل ميليشيات حزب اﻻتحاد الديموقراطي الكوردي (PYD)، إذ تعرّض ناشطو التنسيقيّة للملاحقة والمنع في مناطق تواجد هذه الميليشيات، وبعضهم اعتُقل وضُرب بقسوة.
التآخي مثالٌ ﻻمع على ظواهر لافتة للانتباه في الثورة السوريّة، ستُدرّس مستقبلاً بكل تأكيد، لا سيما أنها جديدة تماماً على المجتمع السوري، بعكس مصر وتونس مثلاً، ومنها ظاهرة المواطن الصحافي واستخدام الميديا اﻻجتماعيّة لكسر حواجز الصمت، إضافة إلى أسلوب التنظيم المستقل والمحلّي وذاتي الإدارة في البلدات والأحياء.
..






2013/05/09

التعذيب سمةً لـ"البعث"

نص منشور في جريدة المدن اﻻلكترونيّة
..
 
مهند وأمين تركماني أخوة، من سكان حيّ الميدان الدمشقي، كلاهما من مواليد العام 1992. مهند طالب في المعهد العالي لإدارة الأعمال في دمشق، فيما يدرس أمين الاختصاص نفسه في إحدى الجامعات الخاصة. اعتُقلا في شهر تشرين الثاني من العام الماضي مع أخٍ ثالث، وبعد شهورٍ عديدة من ترقّب الأهل والأصدقاء لأخبارهم وصلت أنباءٌ مقلقة عن نقلهم إلى المشفى لإصابتهما بمرض جلدي. ﻻ زيارة مسموحة وﻻ تقارير طبّية. في الرابع من آذار الماضي وصل الخبر المفجع على شكل إبلاغٍ شفوي مرفق بالبطاقات الشخصيّة للشابين: استُشهدا.

لم يتلقّ الأهل والأصدقاء أيّ شروحات أو تبريرات رسميّة، كما لم يتمكنوا من تشييع الجثمانين. وحدها التصميمات الفوتوغرافيّة والفيديوهات والنصوص حول الشابين، المحبوبين في وسطهما الاجتماعي والدراسي، في الشبكات الاجتماعيّة، عملت بمثابة فعلٍ مُقاوم لنسيانهما.

في نفس الشهر، تشرين الثاني، الذي اعتُقل الإخوة تركماني فيه استُشهد الطبيب الشاب أيهم غزّول في أقبيّة أجهزة الأمن في دمشق. غزّول، والذي سبق أن اعتُقل في مداهمة مقر المركز السوري للإعلام وحرّية التعبير وأمضى قرابة ثلاثة أشهر، اعتقلته المخابرات الجويّة في حرم جامعة دمشق، حيث اختفى في أقبيتها إلى أن أعلم مُعتقلٌ، خرج في صفقة التبادل الشهيرة مع الإيرانيين، عائلة غزّول أن ابنهم استُشهد نتيجة التعذيب الشديد في فرع المزّة للمخابرات الجوّية. أكثر من ثمانين يوماً مضت بين استشهاده وإخطار عائلته، ومُجدداً: ﻻ جثمان.

الحالات المذكورة أعلاه هي أمثلة على ظاهرة، الموت في المعتقلات، رافق تكثّفها الثورة السوريّة منذ انطلاقتها، حيث أحصى مركز توثيق اﻻنتهاكات أكثر من 2250 حالة موثّقة منذ آذار 2011، رغم أن الرقم الفعلي قد يكون أكبر من هذا. الكثير من عائلات الشهداء، ﻻ سيما في المناطق التي ما زالت تحت سيطرة النظام، تفضّل إنهاء المسألة بهدوء ولا تتواصل مع ناشطي التوثيق وترفض التعاون معهم في حال طُلبت منهم المعلومات:"إن نشر أسمائهم سيعرّض باقي أفراد العائلة للخطر، وطالما لن يُعيدهم إلينا فلا أهميّة لتوثيق حالتنا ونشرها. الله يحسبهم، إن شاء، شهداء دون أيّ أرقام في وثائق"، يقول شقيق وابن عم شهيدين قضيا داخل معتقلات الأمن العسكري في ريف دمشق.

الاطلاع على قوائم الشهداء الطويلة مؤلم للغاية، فهناك عشرات الحالات التي تبلّغت فيها عائلة باستشهاد أكثر من ابن تحت التعذيب في اليوم ذاته.

ﻻ تقتصر أسباب الموت في المعتقل على التعذيب وحده، فمنع حق الطبابة والوصول للدواء ممارسةً شائعةٌ في أقبية المخابرات السوريّة، وكثيراً ما تتضافر مع التعذيب الجسدي للتعجيل بإزهاق الأرواح. إحدى الحالات الموثقة لهذه الممارسة الوحشيّة نجدها في استشهاد عمر عزيز، الكاتب والمثقف المعروف، والذي حُرم طوال أكثر من 3 أشهر من أدوية ارتفاع الضغط في أقبية المخابرات الجوّية، ليُنقل بعدها إلى سجن عدرا حيث أسلم الروح. فقد عمر عزيز، حسب مقرّبين منه، أكثر من 15 كيلوغراماً من وزنه خلال فترة اﻻعتقال.

قبل أيام قليلة من إصدار رأس النظام لما يُفترض أنه "عفو عام"، تلقت عائلة برهان السقّال، المحامي والناشط الحقوقي المعتقل، للمرّة الثانية، منذ منتصف تشرين الثاني، إبلاغاً من الشرطة العسكرية بوجوب استلام جثمان ابنهم. كان هذا أول وآخر خبرٍ تلقّوه عنه بعد اعتقاله.

أبدعت أجهزة النظام في تسريع وتيرة القتل تحت التعذيب منذ اندلاع الثورة في سوريا، فغياث مطر ورفاقه ليسوا بدايةً بل استمرارٌ لتقليدٍ أصيل في عقل وفعل النظام. تاريخ الموت تحت التعذيب في سجون نظام البعث بأطواره المختلفة هو، ببساطة، تاريخ البعث حاكماً.
..







2013/04/11

اسكندرون رايح جاي

نص منشور في جريدة المدن الالكترونيّة
..


يتعدّى معنى التصريح، الخطابي والاستعراضي، لأحد أعضاء "مجلس الشعب" السوري في جلسته الأخيرة حول "أننا" (ليس واضحاً إلى من يشير الضمير) "سامحناك يا أردوغان بلواء اسكندرون، إﻻ أننا الآن سنطالبك به"، الوجه الفكاهي لجعجعة شخصيّة حصلت موقعها وامتيازاتها بفضل هذا النوع من قرع الطبول. فبهلوانيّة الموقف "الرسمي" للنظام السوري، حيال لواء اسكندرون خصوصاً، والعلاقة مع تركيا عموماً، تظهر على شكل حَرَد صبياني يجد أساسه في قراءة المصالح الضيقة لنخبة النظام وأجواء علاقاتها مع الخارج، من دون أيّ ارتباط بمنطق الدولة في القراءة والتصرّف حيال مسألة حقّ دولة في أرض مُستولى عليها، أو حيال المصالح الاقتصادية للبلد وأهله


النظام الوطني المُمانع لغزو "العثمانيين الجدد"، والذي ﻻ يفرّط بالثوابت الوطنيّة ويتذكّر أن لواء اسكندرون هو أرض سوريّة مستولى عليها تركياً منذ أواخر العام 1939، هو نفسه من تنازل عنها في اتفاقيّة أضنة العام 1998، ثم وقّع اتفاقيّة مشروع سوري - تركي لإنشاء سدّ على نهر العاصي عند حدود اللواء مع محافظة إدلب، معترفاً في صيغة الاتفاقية بأن أرض اسكندرون تركيّة. المقاربة السلطوية بسيطة، وﻻ علاقة لها بأي حساسيّة اتجاه القضايا السياديّة لسوريا: في الإمكان توظيف أيّ قضية لأجل مصالح طغمة النظام من خلال الشعارات الطنانة والمزايدة، حتى لو استخدمت القضية نفسها في اتجاهات متعاكسة. هذا أولاً. ثانياً، والأهم، بحسب السلطة، أن البشر، لا سيما السوريين، أغبياء، وﻻ ذاكرة لهم بخصوص العلاقات التركيّة إلا بناءً على ما يظهر في المسلسلات السوريّة التي تصوّر فظائع الاحتلال العثماني لسوريا، بل تظهر هذه المسلسلات وتختفي بحسب برودة العلاقة ودفئها مع جار الشمال، الذي يكون تركياً أحياناً، و"عثمانياً جديداً" أحياناً أخرى!

في مجال العلاقات السوريّة - التركيّة، قضيّة الاسكندرون ليست النموذج الوحيد لمقدرة النظام على فعل الشيء ونقيضه، والتباهي بالتوجهين معاً. فحين كانت نخبة النظام في حاجة إلى أردوغان، كطوق نجاة من العزلة الدوليّة، بدا جيّداً توقيع اتفاقيّة تجارة حرّة بين سوريا وتركيا، اتفاقيّة بلغ حجمها 2.5 مليار دولار العام 2010، منها حوالى 750 مليون دولار فقط صادرات سوريّة. الميزان المائل، بشكل مجحف، لمصلحة الأتراك، والذي أدّى إلى إغراق الأسواق السوريّة ببضائع تركيّة استحال على القطاع الصناعي السوري، الضعيف أصلاً، أن ينافسها، لم يكن، بكارثيته على الصناعة السوريّة، مشكلةً يُنظر إليها، طالما أن هذه اﻻتفاقية تساعد في ترطيب أجواء العلاقة اﻻستراتيجيّة مع حكومة أردوغان. كان يجب الانتظار حتى الربع الأخير من العام 2011، أي بعد سبع سنوات على إبرام اتفاقيّة التجارة الحرّة، وبعد أربع سنوات ونيف على دخولها حيّز التنفيذ، وبعد (ياللصدفة) تسعة أشهر على اندلاع الثورة السوريّة وتدهور العلاقات بين النظام السوري وحكومة أردوغان، حتى يكتشف وزير الاقتصاد والتجارة آنذاكن الدكتور محمد نضال الشعّار، النار والدولاب والقنبلة النووية معاً: الميزان التجاري مع تركيا خاسر وكارثي للاقتصاد السوري، وبالتالي يجب إعادة النظر في اتفاقيّة التجارة الحرّة.

لم تلغ "الحكومة السوريّة" اتفاقية التجارة الحرّة إلا بعدما فرضت تركيا عقوبات اقتصاديّة على سوريا... مثالٌ آخر على منطق الدولة الذي يجعل الاسكندرون يذهب ويأتي، والميزان التجاري يتأرجح بحسب مزاج حكام دمشق.

بالمناسبة، عضو مجلس الشعب الذي سامح أردوغان بالاسكندرون، ثم غيّر رأيه، هو محمد خير الماشي، والذي، توازياً مع رأس النظام، ورث المقعد عن أبيه، الشيخ دياب الماشي - أقدم برلماني في العالم كما كان يتباهى، بل وأحد الشواهد السورياليّة التي ظهرت في فيلم "الطوفان في بلاد البعث" للراحل عمر أميرالاي.

طوفان... حقاً طوفان!
..

مدوّنة أمواج اسبانيّة في فرات الشام مرشّحة لجائزة BOB's في فئة أفضل مدوّنة باللغة العربيّة. أدعوكم، إن أحببتم، للمشاركة في التصويت في هذا الرابط. يحق لكل حساب فيسبوك أو تويتر التصويت مرّة كل 24 ساعة.   







2013/04/05

التحدّي الطبّي في الشمال المحرّر

كلمة الجمهوريّة لهذا الأسبوع.
..

في تقريرٍ نشرتْه بالتزامن مع مرور الذكرى الثانية لاندلاع الاحتجاجات الثوريّة في سوريا، سلّطت منظمة أطباء بلا حدود أضواء الإنذار والخطر على الواقع الصحّي والطبي في الداخل السوري، بالأخص في المناطق الشماليّة المحرّرة، حيث تشير بيانات ومشاهدات المنظمة، رفقةً بتقاريرٍ صحفيّة وشهادات مقيمين وناشطين، إلى كارثة إنسانيّة كبرى تتجاوز آثار القصف والقنص الدمويّة إلى نقصٍ في الموارد الطبية يهدد حياة مئات الآلاف من المواطنين، لا سيما الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة. 

 يشير تقرير المنظمة الدوليّة إلى أن 57% من المشافي في سوريا قد تضررت بفعل القصف، و36% من مجمل المستشفيات قد توقفت عن العمل، وهذه الاحصائيّة ﻻ تشمل المشافي الميدانيّة والنقاط الطبية الإغاثية في مناطق اﻻشتباك، والتي كانت دوماً هدفاً تفضيلياً للقصف بالطيران أو بالمدفعيّة. ويقدّم التقرير مشهداً مأساوياً لظروف عمل المشافي التي ما زالت قادرة على تقديم بعض الخدمات، فالأولويّة المطلقة، ولأسباب موضوعيّة مفهومة، هي لإسعاف الجرحى من ضحايا القصف والقنص، وبعض المشافي الميدانيّة ﻻ تستقبل المدنيين، وإن فعلت فإن الأولوية في العلاج هي للمقاتلين. ﻻ موارد كافية لتغطية هذه الحاجة المتصاعدة، حيث يصل العوز إلى درجة الاضطرار لخياطة الجروح وإجراء جراحات صغرى متعددة دون تعقيم، كما أن غياب إمكانيّة المتابعة والعناية ما بعد الجراحيّة يرفع نسبة مضاعفات ومخاطر الالتهابات التي أدّت للبتر في عدّة حالات موثّقة. الأغلبية العظمى من بنوك الدم في الشمال السوري ﻻ تعمل، وتضطر المشافي للحصول على الدم من المتبرعين مباشرة، ودون إمكانيّة حفظ الدم في شروط ملائمة ودون إجراء الفحوصات اللازمة قبل نقل الدم. 

 في ظلّ الغرق إلى حدّ العجز في تقديم متطلبات الإسعاف الأولى للجروح، ﻻ إمكانيّة للأغلبية العظمى من مشافي الشمال، الميدانيّة منها و«الاعتياديّة»، لمتابعة أوضاع المرضى المزمنين، بسبب غياب الموارد والكوادر اللازمة، ويصل العوز إلى حدّ غياب جرعات الإنسولين اللازمة لمرضى السكّري. هكذا، وقع مشفى الرقة الوطني بعد أيام من تحرير المدينة في معضلة تقديم احتياجات جلسات غسيل الكلية لأكثر من 200 مريض يحتاجون لهذه الجلسات للبقاء على قيد الحياة، ولم تُحل هذه المعضلة بعد، بل تعقّدت: آخر نشرة احتياجات لمشفى الرّقة الوطني تشمل مسكّنات ومضادّات حيويّة أوليّة للغاية، وتطلب بشكل عاجل موادّ أساسيّة مثل الحقن بأحجامها والشاش الطبّي!

مشفى دار الشفاء في حلب بعد تعرّضه للقصف
  
نشاط الطيران الحربي للنظام، والاستهداف الصاروخي المتزايد للمنطقة الشماليّة، يرفعان صعوبة وخطورة العمل الإغاثي والطبّي في المناطق المحرّرة، ويستهدف الطيران بتركيزٍ واضح أيّ نشاط لسياراتٍ أو شاحنات يُشكّ أنها تحمل إمدادات، وهنا ﻻ تمييز بين إمدادات الأدوية والأغذية وإمدادات السلاح. هذا يحصر العمل بسويّة مقبولة في الشريط الحدودي الضيّق، والآمن نسبياً من الطيران والصواريخ، وكلّما ازداد البعد عن الحدود باتجاه الداخل يزداد الخطر، وأيضاً تزداد الحاجة.  

 في ظلّ هذه الأوضاع، مُضافاً إليها سوء التغذية المنتشر بسبب النقص والغلاء، يشير تقرير أطباء بلا حدود وتقارير أخرى إلى انفجار ضخم في نسب أمراض مثل الليشمانيا (حبّة حلب) والتهابات الكبد والسلّ، وأشارت تقارير طبّية من دير الزور إلى اكتشاف أكثر من 1200 حالة تيفوئيد في الأسابيع الأخيرة. دير الزور، حسب أطباء بلا حدود، متروكة لوحدها تواجه مصيرها طبياً وإغاثياً. تضاعفت حالات الإجهاض والإنجاب المبكر بسبب غياب متابعة الوضع الصحي للحوامل وآثار الشدّة النفسيّة، كما أن مناطق واسعة من الشمال، لا سيما أرياف حلب وادلب، لم تشهد حملات تلقيح أطفال منذ أكثر من عامٍ ونصف، ما يعني وجود مئات الآلاف من الأطفال تحت رحمة الأوبئة إن استمرت الأوضاع على ما هي عليه فترة أطول. 

 يُدين التقرير أيضاً العطالة الدوليّة تجاه المأساة الإنسانيّة في سوريا، فالأمم المتحدة ترفض إغاثة الداخل السوري دون موافقة الحكومة السوريّة أو قرار من مجلس الأمن يسمح لها بذلك دونها، وحكومة النظام السوري تمنع عمل عشرات الهيئات والمنظمات الدوليّة في كلّ البلاد، وتقوم بتهديد المنظمات الدوليّة العاملة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها بالطرد إن حاولت العمل في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وفقاً لما علمت «الجمهوريّة» من مصدر مختصّ في منظمة اليونيسيف. تحصر سلطات النظام قبول الدعم عبر الهلال الأحمر السوري، والذي يعاني عوزاً كبيراً في الكوادر والآليات ويمنع ارتباطه إدارياً بحكومة النظام إمكانية عمله في مناطق تقع خارج السيطرة النظام، وقد استشهد سبعة متطوعين في الهلال الأحمر منذ بدء الثورة، واعتُقل عدد آخر لمدد متفاوتة
   
 الجهات الناشطة في توفير الموارد الطبية للداخل السوري هي جمعيات المغتربين السوريين، والدول الداعمة للمعارضة السوريّة، وبعض المنظمات السياسيّة-الدينية. وشبكات النقل والإمداد تعتمد، أساساً، على جهود نشطاء محليين والكتائب المسلّحة. 

 يشتكي التقرير أيضاً من القيود التي تفرضها الدول المجاورة لسوريا على عمل المنظمات الدوليّة وغير الحكوميّة عبر الحدود إلى الداخل السوري، فهي تتغاضى عن وجودها في المنطقة الحدوديّة وﻻ تمنع عبورها باتجاه الأراضي السوريّة، لكنها ترفض منحها التسهيلات اللوجستيّة والإداريّة، وأولها الاعتراف بها وترخيصها. هذه المسألة تجعل من محاولة تمويل العمليات العابرة للحدود مسألةً بطيئة وصعبة للغاية، باعتبار أن هذه المنظمات غير قادرة على تقديم طلبات تمويل من الدول والمنظمات الرسميّة وشبه الرسميّة لعمليات غير مُرخّص لها. هذا سلوك غريب من دول، كتركيا، تتخذ مواقف سياسيّة صلبة تجاه النظام السوري وتعترف بالائتلاف الوطني ممثلاً للسوريين وتدعم فصائل مُعارِضة سياسيّة ومسلّحة.

 الواقع الكارثي لسكان المناطق المحررة يحتّم مطالبة الائتلاف الوطني، بوصفه الهيئة المعارضة التي نالت الاعتراف الدولي ولها مقدرة على العمل في القنوات الدبلوماسيّة الرسميّة، بالتصدّي لواجبه المُستعجل كمسألة حياة أو موت، بدايةً من تقديم إمكاناته في خدمة التغطية السياسية والتنسيق الإداري بين المنظمات العاملة على الحدود، خصوصاً هيئات المغتربين السوريين الناشطة في هذا المجال، ومضاعفة الجهود الدبلوماسيّة وحملات العلاقات العامة في سبيل رفع الضغوط والقيود على العمل الإغاثي في الداخل السوري، وﻻ سيما مع الدول التي تُعتبر راعية للائتلاف الوطني. هذا ليس فقط واجباً إنسانياً ووطنياً، بل إنه امتحانٌ سياسي ﻻ يمكن للائتلاف الوطني أن يثبت مقدرةً على إدارة المناطق المحررة، كما ينوي عبر حكومته المُشكّلة حديثاً، دون أن ينجح به.
..

مدوّنة أمواج اسبانيّة في فرات الشام مرشّحة لجائزة BOB's في فئة أفضل مدوّنة باللغة العربيّة. أدعوكم، إن أحببتم، للمشاركة في التصويت في هذا الرابط. يحق لكل حساب فيسبوك أو تويتر التصويت مرّة كل 24 ساعة.  






2013/04/04

فيديو الأخ الأكبر

نص منشور في جريدة المدن الالكترونيّة
..




في مقطع فيديو نشره المجلس المحلّي لمدينة برزة على يوتيوب، يظهر جمعٌ من أبناء المدينة وهم يسحبون جداراً متحركاً من صفائح التوتياء المُركّبة على هيكل من الأوتاد الخشبيّة، ويوضح سهمٌ على أحد جدران الشارع المُقاطع لمكان وجودهم، وكُتب فوقه بخط كبير "انتبه قنّاص"، أنهم يريدون استخدام هذا الجدار المتحرّك لحجب رؤية القنّاص عن الشارع، ما يجعل العبور فيه أقلّ خطراً.
في المشهد عناصر أضحت، خلال العامين المنصرمين، فولكلوريّات سوريّة. فعبارة "انتبه قنّاص"، مع السهم المرافق، أصبحت جزءاً من الديكور في جلّ أصقاع البلاد، وانتشارها ربما يفوق إشاراتٍ أخرى من طراز "خفف السرعة" أو "ممنوع الوقوف"، وﻻ شك في أنها تنال قدراً من اﻻنتباه يفوق كلّ إشارات المرور. المشهد الفولكلوري الآخر هو اجتماع الناس لابتكار حلولٍ بسيطة لمشكلات معقّدة. هنا مجموعة تبني وتحرّك شيئاً ﻻ يمكن إﻻ أن يذكّر بالأبراج المتحرّكة المستخدمة في حصار القلاع والمدن، والتي ﻻ تغيب عن مشاهد أفلام معارك القرون الوسطى. مبدأ البناء بسيط، والأدوات أبسط، وهي فعلياً الأدوات الممكنة في بلدات وأحياء، فقيرة غالباً، ومعرّضة للقصف والقنص، لكنه اختراع فعّال. الكلام نفسه يمكن أن يُقال عن الأساليب البدائية لتكرير النفط، والتي ظهرت في المناطق الشرقيّة، وللأسف أضحت أيضاً وسيلة يستخدمها المُهرّبون والتجار المافيوزيون، ناهيك عن وسائل تصفية المياه أو حتى صناعة أسلحة وصواريخ "محلّية".

الحاجة أمّ الاختراع، والاختراع هنا مُقاومة.

على المقلب الآخر، يفيد فيديو شهير سُرّب عن عمليات الجيش في تبيان طبائع عمله. ففي ذلك المقطع تظهر مجموعة من الشبان ببذلات عسكريّة كاملة أو ناقصة، ومعهم شاب بثياب مدنيّة، يتبادلون التقاط الصور الشخصيّة أمام بوابة الهليكوبتر المفتوحة رغم تحليق الآلية عالياً. لا إجراءات أمان، ﻻ أحزمة، ﻻ شرائط تثبيت... على الأرض مجموعة أسطوانات بدائية لدرجة فاضحة، وهذه ليست سوى حمولات متفجرة معروفة شعبيّاً باسم "البراميل"، وسنرى أحد العناصر يشعل فتيلها بسيجارته قبل دفعها، بعشوائية مقيتة، باتجاه البوابة المفتوحة. نرى أيضاً أن الحمولة أُسقطت فوق بلدة. هل سقطت فوق بيت؟ فوق مزرعة؟ فوق مدرسة؟ فوق مسجد؟ فوق مسلحين؟ ﻻ يهم!


فعاليّة جيش النظام في الفتك بأرواح وممتلكات السوريين لا تنجح في إخفاء رثاثته المثيرة للاشمئزاز. هؤﻻء الجنود، غير المنضبطين هنداماً وسلوكاً، لا يمكن أن يُسمَّوا جيش دولة. ليست هيبة الدولة وحدها الغائبة، فلا هيبة فيهم حتى ولو كانت هيبة أعضاء عصابات المافيا. وكذلك آليات هذا الجيش، بما فيها طائراته التي تعجز عن التحليق في الأحوال الجوّية سيئة، حين يصبح المطر أو العواصف الرمليّة "حظراً جوّياً ربانياّ" يفرح له الناس... وطبعاً ليس على طريقة "الإخبارية السورية" التي بثت تقريراً شهيراً مفاده أن تظاهرات حيّ الميدان كانت فرحاً بالمطر. طائرات متهالكة وقديمة، قادرة على إبادة مجموعات مدنية كاملة، لكنّها عاجزة عن صدّ هجوم جيشٍ معادٍ حتى لو أرادت القيادة، والتاريخ أرانا أنها لم تُرد: الجيش أداةٌ لاختطاف السلطة، ثم لتثبيتها وقمع معارضيها. لهذا، ربما، قال دريد لحام يوماً، في سياق دفاعه عن النظام، أن محاربة إسرائيل ليست من مهمات الجيش!

أهل المدن والبلدات والقرى الثائرة يُقاومون، بما تيسّر لهم من أدواتٍ بسيطة ومقدرات إبداعيّة، هجوم "جيشٍ" قاتل، لكنه شديد الرثاثة، وربما كان ليثير الشفقة لو لم يتحول إلى ماكينة لسفك دماء. ويستغرب المرء أن يدّعي مناصرو واعتذاريو النظام بأن "المؤامرة" تقصد إعادة سوريا إلى الوراء خمسين عاماً، ولا مفر من السؤال: في أيّ عامٍ يعيش بنا النظام اليوم؟ الـ1984 الأورويلي؟
.. 


مدوّنة أمواج اسبانيّة في فرات الشام مرشّحة لجائزة BOB's في فئة أفضل مدوّنة باللغة العربيّة. أدعوكم، إن أحببتم، للمشاركة في التصويت في هذا الرابط. يحق لكل حساب فيسبوك أو تويتر التصويت مرّة كل 24 ساعة. 






2013/03/22

تحرير لهجة الرقة أيضاً



..

في النظر إلى واقع لهجة أهل الرّقة، كيف يُنظر إليها في مناطق أخرى من سوريا وكيف يتعامل أهل المدينة والمحافظة أنفسهم معها، تمثيل نافع لمعاناة مديدة مع المركزيّة، السياسيّة واﻻقتصاديّة والاجتماعيّة، الراسخة في سوريا منذ الاستقلال. فالرقيّة، وهي إحدى التنويعات المحلّية للهجة شمال الرافدين، بعيدةٌ من اللهجات الشاميّة المُستخدمة في محور دمشق- حلب، العمود الفقري للتركيبة المركزيّة السوريّة اليوم، ابتعادٌ يرمز إلى غربةٍ نفسيّة لأهل محافظات "الجزيرة السوريّة" الثلاث، وإن كان انخراط أهل دير الزور المبكّر في بيروقراطيّة الإدارة والقضاء والجيش، ساهم في تخفيف الاغتراب مقارنةً بالحسكة والرّقة.

لبنان، لهجاته وعاداته الاجتماعيّة والثقافيّة، أقرب إلى أهل "المحور الشامي" وما غربه، من "الجزراويين" ولهجاتهم وعاداتهم، القريبة جداً من الرائج في غرب العراق. بركات "سايكس- بيكو"، ربما...

للتباين الاجتماعي- الثقافي أصولٌ اقتصاديّة، بلا شك. فقد كان على الرّقة، وبقيّة بلدات "الجزيرة السوريّة" (باستثناء دير الزور) أن تخرج من عقد الاستقلال مهرولةً نحو التحوّل إلى مدينة تُجاري المدن الشاميّة القائمة حول أسواق عريقة، من دون أن يكون في اقتصادها ما يُغاير الشقّ الزراعي البحت. تحوّلت الرّقة إلى مدينة، بفضل تمركزها حول الجهاز البيروقراطي للدولة: التعليم والقضاء والإدارة أولاً، ثم مؤسسات استصلاح الأراضي. ولم تكن غالبية شاغلي وظائف السلك الحكومي من القرة، بل وافدة إليها من محافظاتٍ أخرىز وافدون لم يصبحوا، في معظمهم، "رقاويين"، حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على وصولهم: أحفاد الحلبي أو الحمصي الذي قدم في الستينات من القرن الماضي للعمل في الرّقة، ما زالوا حلبيين أو حماصنة، خصوصاً لهجتهم.

الرّقة مُصنّفة كمحافظة نامية. هذا يعني، في الأساس، أن الدرجات المطلوبة في الثانوية العامة، للقبول في الجامعات، أقلّ ببضعة درجات مما يُطلب من أبناء المحافظات الأخرى. ضربٌ من "عالمثالثيّة" سوريّة تجد أيضاً ردود أفعال "عنصريّة" في شكل استياءٍ، غير نادر البروز، من طلاب "جزراويين" في جامعات دمشق وحلب أساساً.

أُهمل فولكلور وادي الفرات في سوريا حتى كاد ينقرض. فالأنماط الشعريّة الغنائية الفراتيّة، رغم أن عمرها قد يفوق الألف عام، ليست بالفصحى، وفهم كلماتها صعب على الجمهور "الشامي". لذلك تُركت تحت رحمة الزمان الذي أخذ يختطف حفظة الشعر وعازفي الربابة واحداً تلو الآخر. وحده المرحوم أسعد الجابر وصل إلى مرتبة "مطرب الإذاعة والتلفزيون" في ثمانينات القرن الماضي مع احتفاظه بالطبع الفنّي الفراتي. للمصادفة، الجابر من أوائل مقتبسي أغنية "جنة يا وطننا" العراقيّة سوريّاً، والتي تحوّلت إلى نشيدٍ من أناشيد الثورة السوريّة.

"الرقاوي" ولهجته شخصية نمطيّة لما هو "سوفاج" في العواصم السوريّة. استُثمرت في الدراما التلفزيونيّة إلى حدود التحقير فعلاً. في المقابل، شخصية الشاب الذي لم يخرج قبلاً من قريته في ريف الرّقة، ويذهب للخدمة العسكرية ليعود في أول إجازة وقد "انعوج لسانه" على لهجة أهل الساحل ويرفض شرب "شاي الشوايا"، مفضلاً علية "المتّة"، هي أيضاً شخصيّة فكاهية في نوادر أهل البلد. هذا تلخيص سريع لـ"أزمة" اللهجة الرقاوية.

لم يعتبر رقّيون كثر، تتويج الرّقة كأول مركز محافظة محرر، تصفيةً للحسابات السياسيّة مع "المركزيّة السوريّة" فحسب، بل كانت أيضاً صرخة رفض للنظرة الدونيّة للرقاوي ككل، وللهجته كتعبير. هكذا، كُتب على ظهر تمثال حافظ الأسد الضخم الذي أسقط في المدينة، شعار "باچر أحلى". استعارة اللهجة الرقيّة لشعار "بكرا أحلى" الشامي، فيه الكثير من إعلان النوايا. "باچر أحلى" أصبح شعاراً لثورة "رقاويّة" (والقاف هنا تُلفط مثل "جيم مصريّة")، ضمن الثورة السوريّة، وسيجد صداه قريباً كعنوانٍ لجريدة ثورية محلّية حسبما أعلن نشطاء رقّيون.







2013/03/01

الغضب الأخير لستيفان هيسيل


..
ساحة "أوبرادويرو" في مدينة سانتياغو، اسبانيا. تجاوزت الساعة الثامنة مساءً من أحد أيام النصف الثاني من أيار 2011. المخيم الاحتجاجي لحراك "الغاضبين" في اسبانيا (Indignados) يتوسّط الساحة التاريخيّة منذ مساء 15 أيار أسوةً بعشرات المدن الاسبانيّة الأخرى، وعلى رأسها مخيّم مدريد في قلب ساحة سول، وسط العاصمة. 

كان اﻻجتماع اليومي، والذي يضم، إضافة إلى المشاركين في التخييم، حوالى 300 شخص حضروا للاستماع لخطابات "الغاضبين" الذين استطاعوا، على نحو مفاجئ للجميع، ولهم أنفسهم أيضاً، أن ينتزعوا خجل حكومة الحزب اﻻشتراكي الحاكمة آنذاك، وحنق وشتائم معارضة الحزب الشعبي اليميني، والذي رأى فيهم منافساً على استثمار السخط الشعبي من السياسات اﻻقتصادية التقشفية والمتخبطة للحزب الحاكم. وسط ذلك الجو من الاحتجاج على تحالف السياسة والمال ضد مصالح طبقة عاملة تتدهور أوضاعها يوماً بعد يوم التقطتُّ صورة بدت لي سريالية حينها: رجلان أنيقان، وبتناسق ألوان بين ربطة العنق والبدلة يفضح عملهما للبنك الاسباني الأكبر، والذي كانت أرباحه حينها تتناسب طرداً مع النسبة المتزايدة للبطالة في البلاد، يستمعان لما يُطرح في اﻻجتماع. نظرة سريعة لصفحة "تنسيقيّة" التخييم على "فايسبوك"، ﻻحقاً، أرتني أن مشهد موظفيّ البنك قد لفتت انتباه، ولقطات، العشرات غيري. 

أمام مكان وقوف الرجلين كان ثمة مكتبة صغيرة لخدمة التخييم: عبارة عن طاولات نقالة رُتّبت عليها الكتب التي جاء بها متبرعون. عدد نسخ "اغضبوا!" لستيفان هيسيل وحده كان يملأ ثلث المكتبة. هو كتاب صغير، بعدد صفحات يجعل اسم "منشور"، ربما، أصحّ من "كتاب". نفدت مئات الآلاف من نسخ الترجمة الاسبانيّة خلال أسابيع قليلة لا تتجاوز الشهرين، بعد أكثر من مليون ونصف نسخة فرنسية خلال نفس الفترة الزمنية. 

يساجل كثيرون حول صحّة نسب الأبوية الروحية لاحتجاجات أوروبا لهيسيل وكتابه، لكن ما ﻻ يشكك به أحد هو وحدة المنطلق بين الحركة اﻻحتجاجيّة ورسالة هيسيل: ضرورة اﻻندماج في الحراك اﻻجتماعي ضد سلطات الأمر الواقع اﻻقتصادي في أوروبا، واتباع أساليب اﻻحتجاج السلمي، وصولاً إلى العصيان المدني، في سبيل جذب أكبر عدد ممكن من المواطنين، واعتبار الشباب محوراً أساسياً (وليس وحيداً) في بناء الكتلة الشعبيّة المحتجّة.

اغضبوا!” هو النداء الأخير، بمثابة وصيّة ربما، لكاتبٍ عمره 93 عاماً حينها، وتوفي ليل الثلاثاء الماضي عن 95 عاماً، أراد تقديم خلاصة ما عاشه من النضال في المقاومة الفرنسيّة ضد اﻻحتلال النازي، إلى العمل الدبلوماسي في الأمم المتحدة، والذي تكلل بالمشاركة في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، والمرافعة عن روح وقلب حقوق الإنسان بعدها كمثقف رأى في أصوله اليهوديّة، إضافة إلى الدافع الإنساني العام، سبباً للتركيز على انتقاد الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوق الفلسطينيين. وهذا ما تسبب في تلقيه هجمات عنيفة من اللوبي الإسرائيلي في فرنسا خصوصاً، وفي أوروبا بشكل عام.


هيسيل مشاركاً في تظاهرة "موجة بيضاء لأجل سوريا" في فرنسا

لهيسيل مشاركاتٌ رمزيّة في التضامن مع الثورات العربيّة، إﻻ أن دوره كان كمثقف أوروبيّ الوجهة. يروي، في كتابه، الفرق بين النضال أيام النازيّة والعمل اﻻحتجاجي اليوم، فيرى أن هذا النضال كان أسهل سابقاً للتنظير واستخلاص الأهداف، إذ برغم المجازفة بالحياة، كان العدوّ، المستبد أو المحتل، واضحاً وبيّناً. أما اليوم، فلا خطر كبيراً على الحياة لدى الناشطين في أوروبا، لكن النضال يجري من أجل الحياة الكريمة والعدالة اﻻجتماعية والمزيد من الديمقراطيّة الحقيقية، والعدو، أغلب الأحيان، خفيّ وغير واضح المعالم. 

قد تنفع هذه المفارقة الزمانية في تقديم صورة عمومية للفروق المكانية اليوم بين مختلف شواطئ المتوسط.

..








2013/02/23

يا شباب عيب.. هاي اسمها ثورة!



قبل أيام، حين مرّت الذكرى الثانية لاحتشاد مئات المواطنين في منطقة الحريقة الدمشقيّة احتجاجاً على اعتداء الشرطة ببشاعة على أحد تجار المنطقة، كان من المحتم أن يُستذكر، بكثيرٍ من السخرية والشماتة، السلوك البائس لوزير الداخليّة، الذي هرع إلى مكان الحادثة ليعتلي عتبة باب سيارته منبهاً المحتشدين:”يا شباب عيب.. هاي اسمها مظاهرة!”

في "سوريا الأسد"، من المُعيب أن تتظاهر..
..

قبل ذلك الاحتشاد بأيامٍ قليلة، وبقوّة ميدان التحرير، كان حسني مُبارك قد تنحّى عن السلطة في مصر، سبقة إلى ذلك، بشهرٍ، زين العابدين بن علي هارباً إلى السعوديّة من الغضب التونسى. المُحتشدون في الحريقة، سيما أولئك الذين أطلقوا، للمرّة الأولى، شعار "الشعب السوري ما بينذل"، والذي أصبح أحد العناوين البارزة لتفجّر الحنق السوري، كانوا يعلمون أن ﻻ شيء في هذه اللحظة يشبه أيّ وقتٍ آخر من العقود الأربع لـ"سوريا الأسد" رغم أن الأمور، ظاهرياً، لم تتغيّر في شيء. الوزير اللامع ومشغّلوه كانوا يعلمون ذلك أيضاً، لكن لديهم مشكلة بنيويّة كبرى في جينوم السياسة والحكم: “عيب، هاي اسمها مظاهرة" هي أقصى ما يعرفون المُسايسة به.
..

بعد اندلاع الثورة السوريّة منتصف آذار 2011 بأسابيع، وخلال مهزلة "الوفود الشعبيّة" التي أراد نظام الإفقار الفاشيّ تسويقها على أنها ضرب من ضروب "الحوار" مع الشعب، نُقل عن الطاغية ابن الطاغية أنه، وخلال استقبال أحد هذه الوفود، عبّر عن عتبه على الذين يقومون بتصوير المظاهرات ونقلها إلى وكالات الأنباء والفضائيات الإخباريّة أكثر حتى من عتبه على الذين يخرجون للتظاهر ضدّه ونظامه. وريث أبيه عاتبٌ على من يريد أن يكون شريكاً في مصيره، وﻻعباً في لعبة حياته، وقابضاً على زمام حرّيته وكرامته، لكن عتبه أكبر على من يتجرأ ويخبر سوريين آخرين، والعالم أجمع، أنّ ما تنقله وسائل بروباغندا النظام، العامّة منها و"الخاصّة" ليس كذباً فقط، بل مزايدةٌ على الكذب في صميم ذاته أيضاً.

الرصاص الحيّ على المتظاهرين حينها، ثم اﻻقتحامات العسكريّة للقرى والأحياء، ثم الآليات الثقيلة والقصف، وصولاً إلى الطيران والبراميل والسكود، كلّها شواهدٌ على أن عتب الرئيس الشاب، ﻻ شك، على قدر المحبّة..
..



يرفض بشار الأسد مجرّد الحديث حول موضوع تنحّيه، ويؤكد على أنه مصرٌّ على الاحتفاظ بحقّه "كمواطن سوري" في الترشّح للانتخابات الرئاسيّة عام 2014. وقد كانت هذه الدرر، حسبما نقلت صحيفة "القدس العربي"، بعض ما نقله وفدٌ أردني من هذه المندرجة تحت ظاهرة التمسّح ببلاطات الطغاة المترنّحين.

بشار الأسد يطالب بحقوقه كـ"مواطن سوري".. أليست هذه هي الديمقراطيّة والمواطنة يا سادة؟!

وريث أبيه، رأس العهد الثاني من "سوريا الأسد"، تلك التي مرّ تحت قوس رعبها الآلاف مؤلفة من السجناء السياسيين، منهم من خرج ومنهم من لم يرَ النور ثانيةً، تلك التي دمّرت حماة فوق رؤوس أبنائها وقتلت منهم عشرات الآلاف مطلع الثمانينات، تلك التي "حرقت البلد" حين أراد التخلّص من لاحقة "الأسد"، يريد "حقوقه" كمواطن سوري.

ليست سينيكيّة رأس النظام هي الساخر المؤلم، بل أن تجد من يجرؤ، داخل وخارج سوريا، على لوم من يريد "حرمانه من حقوقه". أما الحديث عن حقوق ضحايا نظام الإفقار الفاشي على مدى 43 عاماً فهو "تشبّث بالماضي" أو "تعنّت".
..

في أقصى درجات ضغطه على نفسه، لم تفلح محاولات النظام أن يكون لطيفاً في الذهاب أبعد من العيب والعتب على الشعب السوري. حتّى الآن، وبانتظار مفاجآت جديدة، نُسجّل الحالة السكوديّة الحالية كالمقابل النقيضي في سلوكه. "سوريا الأسد" هي ما بينهما.. أيّ بصرٍ، أو بصيرة، يريان أثراً لحقوق وحرّيات السوريين في هذه المساحة؟!
..

مصدر الصورة: الشعب السوري عارف طريقه







2013/02/21

الرجل الذي مزّق دفتر العائلة..


..
 
أسوةً بكثيرٍ من القرارات الرسميّة في سوريا، كي ﻻ نقول أغلبها أو جميعها، لم يكن قرار إغلاق محطّة "الرائد" لتربية الأبقار ونقل محتوياتها من حيوانات وآليات إلى منشآتٍ زراعيّة أخرى منطقياً وﻻ مفهوماً. لم تكن أرقام هذه المنشأة، الواقعة شمال مدينة الرّقة بكيلومترات قليلة، سيئة، بل كانت أفضل من أرقام أغلب منشآت المؤسسة العامة للمباقر.

الدهشة كانت أكبر حين تقرر تخصيص موقع المنشأة لوزارة الدفاع وإقامة مقر "الفرقة 17" فيه. ربما لم يكن في كلّ المحافظة، والتي تكاد مساحتها تبلغ ضعف مساحة لبنان، موقع يصلح كمقر للفرقة العسكريّة هذه إﻻ محطة الأبقار، ما دعا الجريئين من ظرفاء المدينة للتندّر بأن الحكومة قد رحّلت الأبقار وجاءت بالثيران مكانهم. وكم ظُلمت الثيران بهذا التشبيه!

قبل ظهر 26 كانون الأول الماضي (ديسمبر) 2012، قصفت المدفعيّة المتمركزة في مقر "الفرقة 17" مزرعة القحطانيّة القريبة من الموقع العسكري وأوقعت حوالي عشرين شهيداً، نصفهم أطفال، وجرحت العشرات. لم تكن مجزرة القحطانيّة أول مرّة تقصف فيها "الفرقة 17" المناطق المحيطة بموقعها المشرف على طريق تل أبيض، والذي يصل إلى المنطقة الحدوديّة "المحرّرة"، لكنها كانت أول مرّة يصيب فيها القصف موقعاً سكنياً بهذه القوّة. هُدمت أغلب منازل المزرعة جزئياً أو كلياً، وعدد غير قليل من الجرحى وصل إلى مشافي المدينة محمولاً على عربات يدوية أو تجرّها حيوانات. فقدان الوقود كان حليفاً للقصف والإجرام.

يروي بعض من كان حاضراً في مركز إسعاف أحد المشافي أن رجلاً وصل إلى المشفى وسط معمعة موكب الجرحى والجثث، أخذ يروح ويجيء في القاعة المزدحمة بالجرحى والمرافقين. لم يكن جريحاً، لكن ثيابه كانت مليئة ببقع الدم والوحل. تصاعد توتر الرجل وبدأ يتمتم وينتحب على نحو غير مفهوم، ثم أخرج من جيبه شيئاً وشرع بتمزيقه مع تعالي صراخه قبل أن ينجح المحيطون بالإمساك به ومنعه من إيذاء نفسه. لم يكن ما مزّقه الرجل إﻻ دفتر العائلة، فقصف "الفرقة 17" خطف منه حياة زوجته وجميع أطفاله.

عدا عن قسوة المشهد، والألم النازف من كلّ تفاصيله، ليس للمرء إﻻ أن يلحظ شاعرية مختبئة في ثنايا ما فعله الرجل المكلوم. إذ بتمزيقه دفتر العائلة، قطع هذا الرجل، رمزياً، صلة عائلته ببيروقراطيّة "الدولة" التي قطع جيشها "الوطني" صلة زوجته وأبنائه به كأب وكزوج خاصّة، وبالعالم أجمع عامّة. ليس من السهل أن يفعل المرء شيئاً شاعرياً بدفتر العائلة، ففي عُرف وذاكرة السوريين ليس دفتر العائلة إلا وثيقة الحصول على "بونات" السكّر والرز، ثم قسائم وقود التدفئة بالسعر المدعوم في الأعوام الأخيرة. هو مستند تسجيل الأطفال في المدرسة وكلّ الإجراءات البيروقراطيّة التي قد يحتاجها ابن العائلة قبل أن يبلغ العمر الذي يخوّله الحصول على بطاقة شخصيّة. ليس دفتر العائلة كجواز السفر، فالثاني أكثر أناقة للاستخدام الشعري ﻷنه رمز الرحيل، الاغتراب، اللجوء، السفر، العودة. جواز السفر رمز بيروقراطيّة الحنين، فيما ليس دفتر العائلة إﻻ مستنداً تتناسب كثافة استخداماته، القليلة الرومانسيّة، طرداً مع الفقر والعوز.

من المؤكد أن الرجل لم يكن مهتماً على الإطلاق بشاعريّة ما يفعل، مثلما لم يكن الرجل الآخر الذي ظهر في أحد المقاطع المسرّبة عارياً ومسحولاً في شوارع حلب وهو يتحدّث عن زوجته بأنها "بنت عمي، روحي، تاج راسي"، قبل أن يُقتل على يد الشبّيحة، معنياً بمنافسة شعراء الغزل والرومانسيّة. إنه المعنى الذي يشقّ طريقه بألم بين اللحم والدم قبل أن يتغلغل في تضاريس الذاكرة.







2013/02/17

مظهر حضاري




نرى في هذه الصورة، الملتقطة ببراعةٍ أضحت من زمن طويل ميزة الحس الساخر الرفيع لفريق صفحة عدسة شاب تافه على الفيسبوك، بقايا أبنية منطقة جورة الشيّاح في حمص. أمامها، وبمصادفةٍ تبدو وكأنها تآمر القدر مع المصوّر الباحث عن شهادات الواقع عن سورياليّته العنيفة، بقايا ﻻفتة فُقد محتواها إﻻ عبارة "مظهر حضاري"، والتي بدت وكأنها تريد، متهكّمة، عنونة ما يظهر خلفها من دمارٍ وركام.

لعلّه فعلاً مظهر حضاري..

إنها حضارة الرئيس الشاب، المثقف الواعي، العلماني التنويري، الذي يلقي خطاباته من دار الأوبرا الفخمة متوعداً بمواصلة المعركة ضد الأصوليّة والظلامية. أيّ معركةٍ ضد الظلام أفضل من بريق القذائف المنهمرة على أوكار السلفيين المتشددين، هذه التي بكّرت إحدى صحافيات النظام بالمطالبة بتسويتها بالأرض قبل نحو عامين؟ إنه "الحل العسكري" الذي لم يعترض عليه أحد نجوم بروباغندا الحداثة العلمانويّة، وإن طالب بأن يرافقه "حلٌّ ثقافي". حضارة المعركة للدفاع عن "الدولة"، حضارة تطهير البلاد من "الإرهابيين"، حضارة صقل الصورة الحداثية للشعب السوري عن طريق قشط النشاز غير المنسجم معها قتلاً تحت القصف تارةً، أو بالإعدام الميداني تارةً أخرى، أو بالقتل تحت التعذيب في المعتقلات ثالثةً.


لعلّها، أيضاً، حضارة الملاحظات التقنيّة الدقيقة التي يوجهها ضابط جيش النظام حول أداء دبابة روسيّة الصنع أمام مراسلٍ يلتقط بنهم ما على الصناعة العسكرية لبلاده أن تُحسّن. هي أيضاً حضارة سوريا التي يكرر هذا وذاك أن ﻻ وجود لها دون بشار الأسد، لكن أيّ سوريا موجودة مع بشار الأسد أصلاً؟ سوريا العلمانيّة العروبيّة طبعاً، ولا ننسى هذه الفكرة بفضل أن ناهض حتر، المُقارع الأكبر للكمبرادوريّة وأذناب الاستعمار، يتكفّل بتذكيرنا بسطوع تنوير هذه الحقيقة الحضاريّة على صفحات جريدة "الأخبار"، الحضاريّة بدورها أيضاً.

إنها حضارة البوط العسكري.

ثمة تعليقٍ تكرّر في تعبير الشرفاء الوطنيين الطاهرين، المتنورين أعداء الأصوليّة والظلاميّة، يقول أن صوت قصف "أوكار الإرهابيين" نغمٌ أجمل من أشهر المقطوعات الموسيقيّة.. ﻻ عجب، إذاً، أن يعتبروا أن صورة المظهر الحضاري أعلاه أجمل من كلّ ما أنتجه عمالقة الفن التشكيلي في كلّ العصور. الفضل للرئيس الشاب، الدكتور المثقف، راعي الفن والفنانين.. الحضاريين منهم فقط، طبعاً
..